المجتمع واختبار القوة في طريق الضلال
كتبه: ضياء محمد
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 813

الجانب الفلسفي من نظرة الإسلام الى المجتمع نابع من الإيمان بأن الإنسان كائن محدود المعطيات وانه يملك طريقيّ السلبيات والإيجابيات، وعلينا حين نلاحظ المجتمع، التفتيش عن تفرعات وحقائق الطريقين؛ والقواعد الأساسية لفلسفة المجتمع في القرآن تتأطر ضمن نقاط:

1- دراسة علم النفس أساسية في معرفة المجتمع، فكل شيء نجد مصغّره في الفرد، كما نجده في المجتمع بصورة متجسدة؛ فتشابك الخير والشر في نفس كل انسان يعكس ظاهرة تشابك الأخيار والأشرار في المجتمع، وذات القوانين التي تحكم طبيعة التشابك على صعيد النفس ذاتها تحكم التشابك على صعيد الجماعة.

2- بناء على ذلك؛ فإننا لا نستطيع إرجاع كل الظواهر الاجتماعية الى الجانب السلبي من الإنسان حتى نجد أنفسنا في حلقة مفرغة لا نعرف من أين تبدأ المؤثرات، بل يجب ان نبحث عن خطي السلبية والإيجابية معا؛ فمثلاً؛ في موضوع أساس المجتمع، لا نستطيع أن نجعله، الحاجة وضرورة العيش فقط، وهو طبعاً أساس تقتضيه الغريزة الإنسانية، بل لابد أن ندخل في حسابنا، الحب البريء الذي يتمتع به كل فرد إزاء ولده و والديه وأقاربه فمجتمعه.

وليس من الصائب أن نجعل اكتشاف الحديد واستسلام الانسان له سبباً لطور جديد من المجتمعات، بوجود مفهومي الإصرار والعمل، بل لابد ان نلاحظ أيضا، حالة الإصرار والعمل الذي سبق اكتشاف الحديد، وكان جانبا إيجابيا من الإنسان وغير متأثر بالظروف المادية.

كذلك لا نجعل العصبية أساس الملك، ونربط العصبية والقبلية، فالعنصرية فالإقليمية، ثم التيار القومي والحضاري - كما جعله ابن خلدون وأتباعه- بل نلاحظ الى جانب هذا الخط السلبي في تسيير المجتمعات، خطوطا إيجابية ابتدأت من الفكرة الحضارية وطليعة المبشرين بها، والأمة وتموجاتها في العالم ومما هو جانب إيجابي وبناء في حياة الانسان.

3- في تقييم دور الفرد في تسيير المجتمع، أو تسييره بالمجتمع لابد ان نقدر ليس فقط حاجات الفرد المادية، والتي ترتبط بصورة أخرى بالمجتمع وضغوطه، بل وأيضا تطلعاته الإصلاحية المبدعة، ومدى إرادته في فرض هذه التطلعات على التيار الاجتماعي.

4- قد يكون تيار الاجتماع خاطئاً كما قد يكون الفرد خاطئا، ولكن لن تكون القوانين التي لابد من تسليم التيارات الاجتماعية لها خاطئة أبدا.

بمعنى أن أي فعل اجتماعي سليم، ينطوي على مردود سليم، وأي فعل اجتماعي خاطئ ينطوي على مردود خاطئ مثله، هذه المعادلة يجسدها القرآن الكريم في الآية المباركة: «ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء* تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون* ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار» (سورة إبرهيم / 24- 26).

5- ليست النظم الصحيحة هي التي تتبع تيارات اجتماعية معينة، بل التي تتعرف على سنن الاجتماع وتحدد أهدافه، ووفق تلك السنن تخطط للأهداف فـ "العارف بزمانه لا تهجم عليه النوائب" وهو تعبير مقتبس من فلسفة القرآن على لسان الإمام الصادق عليه السلام. ولكن يجب على النظام الاجتماعي، لكي يكون واقعياً ان يحدد بدقة مرحلة الاجتماع التي يريد ان يضع لها الشرائع ثم يضع تلك السنّة.

6- المجتمع كيان قائم فعلاً، وتستطيع تحديد سمات أي مجتمع من ناحية القوة والضعف، والصحة والمرض، والكياسة والتبلد، والشجاعة والجبن، وسائر الصفات البشرية.

ولا يعني هذا سوى ان المجتمع سيضغط على الفرد باتجاه الطابع العام، وهذا الضغط هو بدوره مجموعة ضغوط الأفراد الذين يشملهم إطار المجتمع.

والضغط قد يرتفع الى مستوى العقاب المادي، فيكون بمستوى الحكومة، وقد يكتفي بالعقاب الأدبي فنسميه بالقيم.

إلا ان الضغط سواء كان عقاباً أو عتاباً، لا يحول الفرد الى آلة صماء، يستجيب لنداء الجماعة، بل انه:

أولا: يمتص بعض ضغط الجماعة بمستوى مقاومته لهذا الضغط، فإذا كان الضغط مثلا بدرجة يحمل كل فرد من المجتمع (وهم فرضاً مائة شخص) الى التحدث نصف ساعة حول القيمة التي يقدرها الجميع، وكانت مقاومة الفرد بقدر تحتاج الى نصف ساعة من التشجيع، كان يعني أن هذا المجتمع لا يستطيع سوى دفع مائة فرد آخر نحو تطبيق منهجه، ذلك لان كل فرد يقوم بامتصاص قدر من القوة الجماعية.

ثانيا: يستطيع بعض الناس الصمود أمام ضغط الجماعة بمستوى امتلاكه للإرادة الحرة التي لا تستسلم لأي نوع من الضغط، حتى يصل الى مستوى سحرة فرعون الذين آمنوا بموسى، وضحوا بكل شيء في سبيل إيمانهم، مقاومين جميع الضغوط حسبما يقصّ القرآن ذلك:

«فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى* قال آمنتم له قبل أن آذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى* قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا* انا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى» (طه / 70 – 73).

ان المجتمع الذي قاومه هؤلاء السحرة التائبون كان يتمتع بقوة رادعة عقابية، بيد ان المؤمنين، وهم أفراد من المجتمع ذاته، كانوا يتمتعون بالعقل الذي يهديهم الى الحق، ثم بإرادة تحررهم من ضغوط المجتمع والتي عبرت عن نفسها في أقسى العقوبات، ولكنها عجزت عن تحويل الإنسان الى آلة لا تعقل ولا تشاء.

ان هذه النقطة عظيمة، ليست لأنها تشكل فقط حجر الزاوية في بناء الإنسان الكامل، بل لأنها تعد عدسة ضرورية في مجهر علم الاجتماع، فحين تتجاهل هذه الحقيقة تتخبط في تقديراتنا للأحداث وللأشخاص ولمسيرة الحياة.

7- المجتمع بثنائية الخيوط التي تحركه والتي ترتبط بنفسيات المجموعة البشرية التي يتحرك كل فرد منهم ضمن محور الإيجاب والسلب، لابد وان يتكون من خيرين وأشرار، ولابد ان تكون المقاومة باتجاه الإصلاح أو باتجاه الفساد، هي التي تحدد تحركات هذا المجتمع، فأمام كل فريق ينشد الخير بفعل تفوق الجانب الإيجابي في نفسه على الجانب السلبي، لابد ان يقف فريق آخر يقاوم هذا الخير، واذ لا يمكن ان يكون الأخيار خالصين من كل عيب، لا يمكن ان يكون الأشرار مفلسين من كل خير أيضا.

فإن الفريق المقاوم يجد في بعض ما في الأخيار من شر، وبعض ما لديه من خير مبرراً للقضاء على الخير باسم الخير ذاته.

وهذا الخير والشر موزع في البدء بين الناس توزيعا يكاد يكون عادلاً، فكل منهم يأمر بالخير وينهى عن الشر، ولكنه يعمل بهما فعلا، وهذه مرحلة الضلالة العامة، وفيها لا نجد شراً مستطيراً كما لا نجد أيضاً خيراً خالصاً.

8- يبقى الإنسان على ضلالته التي تعد ذاتية بالنسبة الى طبيعته - حسبما عرفناها سابقاً- حتى يأتيه من الله نور وهدى مبين، فيصبح البشر فريقين؛ اذ ان فريقا منهم يشاء بإرادته الحرة ان يهتدي ويطهر نفسه من رواسب الشر، بينما يبقى الفريق الآخر على ضلالته، التي سرعان ما يضطر، للدفاع عنها، عندما يتحول الى شر محض.

كذلك قال الله سبحانه حين قصّ علينا قصة البشرية الأولى: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم» (سورة البقرة/ 213).

من هنا نعرف، أن الإنسان بإمكانه أن يتحول من كائن مسبب للمشاكل ونازع الى الأمور السلبية في الحياة، الى كائن معطاء، خيّر، سائر في جادة الصواب، من خلال تحكيم عقله و إرادته، وهذا يؤهله لأن يتصل بنور الهداية الإلهية، وبالنتيجة يضمن الحياة السعيدة، وأن يكرر أخطاء الأمم والشعوب التي تصورت أنها تسير في طريق السعادة من خلال خياراتها الخاطئة والبعيدة عن العقل، وإذا بها غارقة اليوم في  أزماتها ومشاكلها المعقدة.


ارسل لصديق