الأمة والقيادة الرسالية.. معرفة وطاعة لكسب المواقف الحكيمة
شهر رجب الأصبّ.. ذكرى مولد الولاية وانبعاث الرسالة
كتبه: أ. دريد زهير
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1139

يسير العالم وعلى الدوام في ركب التاريخ، فكما يُقال: ((لحظتك بين زمنين: ماضٍ ومستقبل)).

ولأن أعمارنا بالمقارنة بعمر التاريخ لا تُقدر بسوى ثوانٍ في مقابل قرون، كانت هنا أهمية الاعتبار من السابقين ليصبحوا فنارات للتوجيه والارشاد على جادة العمر. ولأن هؤلاء الرموز (حقيقيون) ارتبطوا بالتاريخ، كان لابد من متابعة مناسباتهم في الشهور والأيام المعتلقة باستشهادهم او ولادتهم، و وضع دوائر حولها في تقويم السنة، هذا الى جانب البحث في أخبارهم وسيرتهم. وإلا لظن السامع من ابناء الجيل الجديد أنهم مجرد (اساطير).

وها نحن اليوم ؛ نعود لأحد هذه الدوائر في شهر تميز عن غيره بالحرمة والكرامة، فهو شهر رجب الأصب. شهر كريم، اشتق اسمه من اسم نهر في الجنة كما قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام: "رجب، نهر فی الجنّة اشد بیاضا مِن اللّبن، واحلی مِنَ العسل" [1].

ومن ابرز معالم هذا الشهر ذكرى مولده السعيد في الثالث عشر منه في جوف الكعبة المشرفة، وفي اليوم السابع والعشرين منه، ذكرى المبعث النبوي، و نزول الوحي السماوي على النبي الاكرم وإعطائه مسؤولية الرسالة الخاتمة والشريعة الكاملة.

وبمناسبة ارتباط ذكرى مولد الوصي وبعثة النبي صلوات الله عليهما، ببعضهما البعض ؛ نستخلص قطرة من معاني هذا البحر العميق حول القيادة ومسألة (الطاعة) لها.

طاعة ومعرفة من النصّ المقدس

من المنقوش في عقيدة المؤمن تقدير الباري عزوجل للأمور مقترنا ذلك بالحكمة. ومن هنا كان هذا التقدير بأن تكون ذكرى البعثة النبوية مقرونةً ذكراها بنفس الشهر المبارك الذي فيه مولد الوصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وبها من الاشارة ما يكفي للدلالة على أهمية اتباع فيض الهداية في جميع مراحله، ابتداءا من النبوة واستمرارها بالإمامة، واتخاذ صراطه منهجا للنجاة غير قابل للتجزئة.

وقبل الولوج في موضوع الطاعة للقيادة، يجب تقديم مسألة القيادة على الحديث عن المجتمع الرسالي، لأن (المجتمع الايماني تتجسد صبغته و وتتبين حقيقته عن طريق قيادته، إذ القيادة هي تجلٍ لحقيقة المجتمع)[2].

فالقائد المفروض الطاعة، هو الله سبحانة وتعالى، ولذا كان "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" أنَّى كان القائد، بل قُرنت الطاعة لغيره تعالى بأنها شرك لا يغتفر، لما فيها من ظلم عظيم وكفر بأنعمه تعالى، يقول جلّ وعلا : "إنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ. وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا" (48/ النساء)، (ولكن هناك فرق بين الطاعة الذاتية والطاعة الإمتدادية، فالطاعة الذاتية إنما هي لله وحده لا شريك له. أما الطاعة الامتدادية التي تكون لله ولكن عبر عبدٍ من عباد الله، قد أمر الله باتباعه وطاعته، فإنها تكون بإذن الله أيضاً، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّـهِ" (النساء /64)[3]، فالطاعة للآخر هنا طاعة متصلة بالأصيل: "مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّـهَ" (النساء /80).

ولذا كانت الطاعة للقيادة الرسالية مقرونة بمعرفتها أولاً، يتلوها تتبع مواقفها وكلماتها، واتخاذها عقيدة ونهجاً - رباني المصدر - للحركة في جميع فصول الحياة.

ومن المعلوم أن هذه المعرفة غير ممكنة إلا عن طريق النص الموصول بالقدس الالهي، وبخصوص النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، تقول تعالى: "مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" (الاحزاب /40) ويؤكد (النص) أيضا على الأخذ منه، من دون اسقاط ولو كلمة، فيقول العليُّ تبارك وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" (الحشر /7)

ومن جملة ما جاء به التأكيد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: الإذعان للقيادة الرسالية المنصوص عليها في خطبة الغدير الغراء، و إقرار ولايته كولاية الأصيل، "فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه"[4]، بل عدّها جزءاً حيوياً من الرسالة وبها تمامها، "وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ" (المائدة /67).

 

شروط القيادة في زمن الغيبة

وهكذا استمرت السلسلة الذهبية لهذه القيادة، كونها مشروع رباني متصلة أجزائها بعضها ببعض، منتقلةً من وصي الى خليفته بالنص أيضا. ومن آخرها عجل الله تعالى فرجه الشريف، انتقلت بشروط الى من يستطيع أن يقود الأمة في زمن الغيبة الكبرى.

ومن ابرز شروطها إلتزام الموكَّل بأصالة فعل الوكيل ومواقفه الحكيمة، وهي القائمةُ أساساً على ركن العصمة المحصور بالنبي والمعصومين عليهم الصلاة والسلام. ومنها قُدرة المجتهد في استنباط التشريع منها بالاستدلال النقلي والعقلي. وبذا يُحفظ حق الطاعة لهُ والانصياع لأوامره لكونه حارساً لحمى الشريعة متبعاً للمُشرِّع.

والسؤال الذي تجب الاجابة عليه: بعد معرفة القيادة الرسالية وحدود الطاعة لها، وطبيعتها. أين تبدأ والى اين تنتهي ؟

الحقيقة ان هذا السؤال هو المحور في رسم حدود الطاعة وتعامل الافراد مع ولات أمرهم.

وبما أن القيادة الإسلامية أو القيادة الرسالية تحديداً، تختلف عن باقي القيادات والزعامات الأخرى على أكثر من صعيد ومستوى، كونها تستوحي تعاليمها من الباري عزوجل، وتسعى لتطبيق شريعته وأحكامه بين الخلق إعتقاداً منها بهذه الشريعة والأحكام، وسعياً لنيل الرضا الإلهي وبلوغه، فإن حدود الطاعة لها أيضا منوط بهذه الأسس.

فما كان فيه سعياً لتطبيق الشريعة ورغبة فيه لنيل الرضا الالهي فهو أساس ثابت للطاعة والانقياد للأوامر. ولذا نرى الرساليون دوماً توَّاقون، يدأبون على أمرين هو شغلهم الشاغل بعد معرفة القيادة:

الأول: بناء الذات من خلال تزكية النفس.

الثاني: إصلاح الغير.

إنهم ينهلون الفكر من القيادة الرشيدة التي عرفوها عن يقين، فيصلحون بها ذواتهم، كونها قدوة صالحة لهم، ويصبحون بالتالي سواعدها في نشر القيم بالمجتمع وانتشاله من مشاكله وازماته الى بر الامان، ويذكر القرآن الكريم أهمية دور الرساليين بقوله:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران /104)

والتاريخ بدوره يكشف أن الحضارات لم تُنتَج ويرتفع قوامها إلا من خلال قيام هؤلاء الرساليين بدورهم الفعال، فهم المحرك الأساس لمواصلة مسيرة الرسل والأنبياء والأوصياء في الأمة الاسلامية. والمجتمع الذي يفتقر إلى وجودهم يعيش قطعاً حالة التقهقر والتخلف الحضاري، وسيصاب بالانحراف الفكري، وسيبتلى بالكثير من الأمراض الإجتماعية المستعصية والمعقدة، وكل هذا ليس مجرد افتراض، إنما هو نتيجة طبيعية لغياب الشخصية الرسالية العاملة فيها.

إذن ؛ ترتبط "الطاعة" بالمعرفة أولاً، وحدودها بـحجم المسؤولية و المشروع ثانياً.


[1] - بحار الأنوار / جزء 8 / صفحة[ 175 ]

[2] - القيادة الاسلامية – سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله).

[3] - نفس المصدر.

[4] - موسوعة الغدير – العلامة الأميني


ارسل لصديق