المرأة حرة؛ إذن هي مسؤولة
كتبه: خديجة ضياء الدين
حرر في: 2013/12/16
القراءات: 888

تؤكد آيات القرآن الكريم على الشخصيات العظيمة التي غيرت مسار التأريخ، وقد أكدت في قسم منها على مدرسة الأمهات الفاضلات لتلك الشخصيات. فيذكر لنا مقاومة أم النبي موسى ،عليه السلام، لإرهاب فرعون وسلطته، وتحديها لقراراته الجائرة. كما يذكر لنا قصة الصديقة مريم بنت عمران ،عليها السلام، ومعجزة ولادتها للنبي عيسى، عليه السلام. وغيرهن، ممن كان لهن أدوار مهمّة في تأريخ رسالات السماء، وهذه الأدوار تتمثل في بناء وتربية جيل من الابطال الذين يصنعون التأريـخ.

وللأسف فان البعض منا يتصور ان المرأة يجب ان تلازم بيتها ولا تفارقه ابداً، لان الله تعالى قد أوجب عليها الحجاب؛ ولان الحجاب واجب عليها، فيجب ان تبقى في بيتها، ويجب ان تتحـدّد مسؤوليتها في أداء أمور وواجبات معينة لا تتعداها.

وهنـا لابـد ان نقول: ان المرأة حرّة، ولانها حرّة ومريدة ومختارة، فهي مسؤولة عن كل خطأ يصدر منها، وعن جزء من الفساد الذي يظهر في المجتمع؛ وهي مسؤولة عن إصلاح و ازالة هذا الفساد، لان المسؤولية مرتبطة بالحرية، وحيثما كانت الحرية والقدرة على الاختيار تكن هناك ايضاً المسؤولية.

وعلى هذا يجدر بالمرأة في مثل هذه الاحوال ان تقوم بأي دور مـن الادوار، التي تسهم في عملية الاصلاح الاجتماعي. إلاّ اننا - للاسف- لانهتم بهذا الجانب، الذي هو من أهمّ الجوانب التربويــة والاجتماعية. فالمـرأة بإمكانها ان تعلّم اولادهـا الكثير مـن دروس التربيـة السليمـة.

بيد أن المرأة المشغولة بسفاسف الأمور، فانها في هذه الحالة سوف لن تخرّج إلا أجيـالاً متقاعسة، كسولة، لا همّ لها سوى اثارة الفتن والمشاكل الاجتماعية، والانغماس في الامور الجزئية التافهة.

ان مثل هذه الافكار والسلوكيات، يجب ان تحذف من حياتنا، لنبدأ حياة جديدة؛ حياة المرأة الرسالية كما يريدها الاسلام، وان لا نفرق بين الرجل والمرأة، إلاّ في الامور التي نصّ عليها الاسلام؛ كالحجاب، والتبرّج، وما الى ذلك.

ومن هنا نعود لنؤكد على ان دور المرأة في المسؤولية هو كدور الرجل، لان المسؤولية - كما أسلفنا- مرتبطة بحرّية الانسان، والمرأة حرّة. فهي - إذن- مسؤولة تمامـاً، كما هو الحال بالنسبة الى الرجل.

 

* المرأة و العمل العام

ان النظرة الاسلامية الى الحياة هي نظرة شاملة؛ فالاسلام لا يرى أي فرق بين أبناء البشر مهما كانت انتماءاتهم العنصرية والاجتماعية، اللهم إلا بعض الفوارق التي ترتبط بطبيعة التنظيم الاجتماعي؛ مثل قانون الولاية، حيث للأب - على سبيل المثال- الولاية على أسرته، والامتيازات التي أعطيت للرجل على المرأة، او للمرأة على الرجل.

ومع ذلك فان ابتعاد المسلمين عن الثقافة الاسلامية الأصيلة، وسوء فهمهم لها، كان لهما الأثر الأكبر في ترسّخ الكثير من المفاهيم المغلوطة حول الاسلام في اذهانهم. فقد توغلوا في بعض الافكار والعادات الجاهلية، فقالـوا: ان المـرأة «شرّ لابد منه»! وفضلوا الرجل عليها... وكل ذلك كان نوعاً من الابتعاد عن الاسلام، اعقبتـه موجة غربية حوّلت هـذا الفعـل الى ردّ فعـل. فظهـرت فئـات تطالب بـ «حقـوق» المرأة، للإيحاء بأن حقوق المرأة مهضومة في الاسلام.

ومما أفرزته حالة الابتعاد عن الاسلام فيما يخص المرأة؛ اقتصار الكثير من الاعمال و المسؤوليات بالرجال، سواء السياسية منها، أم الاقتصادية أم الدينية. ومثل هذه الثقافة ما تزال رواسبها في نفوس الكثير من الرجال والنساء الذين يرون ان دخول المرأة في مجالات العمل الاسلامي انما يعني تجاوز حدودها، والخروج من تعاليم الاسلام. وهذا النوع من التفكير ينسجم مع الطبيعة التبريرية لشعوبنا؛ فالمرأة ليس من حقها التدخل في السياسة، كما ليس من حقها ان تدخل في أي مشروع اجتماعي.

هذه الثقافة التبريرية هي التي أدت الى ظهور الانحراف والاستبداد. فشعوبنا تتهرب من المسؤولية باسم او بآخر؛ فالبعض يتذرعون بأنهم طاعنون في السن، وآخرون يبررون عزوفهم عن المسؤوليات الاجتماعية العامة لصغر سنهم. اما النساء فيتذرعن بأنهن أمهات او زوجات، وآخرون يقولون اننا آباء. وبذلك يتضخم الفساد. اما اذا شارك الجميع في تحمل المسؤولية، واندفعوا في مجالات العمل والنشاط الثقافي، فحينئذ سوف لا يعود بامكان أي أحد ان يختلق الاعذار والتبريرات، وبالتالي فان مداميك الانحراف سوف تتساقط الواحدة تلو الاخرى.

لقد أقمنا المجالس الحسينية مئات السنين، وذرفنا الدموع على علي الاصغر، وهذه الدموع يجب ان تكون ذات جدوى وفائدة، وان تتحول الى مواقف سلوكية وعملية.

وفائدتها تتمثل في ان يدفعنا موقف أبي عبد الله، عليه السلام، الى تحويل صغارنا، بمن فيهم الرضّع، الى رسالة اجتماعية وإعلامية للنهضة الحسينية، وأن جميع افراد المجتمع كان لهم حضورٌ في نهضة الحق ضد الباطل.

وهكذا فان المسؤولية الكبرى الملقاة الآن على عاتق المرأة المسلمة؛ ان تدخل ساحة العمل العام. فالاسلام لا تقتصر احكامه على الصلاة والصوم والحج والزكاة وما الى ذلك من عبادات، بل يجب ان نضيف الى ذلك التقوى التي هي شرط قبول تلك العبادات، كما يقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} (المائدة/27). والتقوى تعني تطبيق جميع الاحكام الاسلامية، ومن اهم هذه الاحكام اليوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون فيما ينفع الناس.

والمرأة باستطاعتها ان تقوم باعمال رسالية كثيرة؛ كالتوجيه الديني والاجتماعي، والمشاركة في المشاريع الخيرية والاجتماعية، ولكن - وللاسف الشديد- نجد أن مشاركة المرأة المسلمة ضئيلة حتى في هذه المجالات، رغم ان باستطاعتها ان تجمع بين عملية ادارة شؤون البيت والقيام بتلك الاعمال. أما ان تجلس وتنثر الكلمات والعبارات التبريرية السلبية، فان كل انسان من السهولة عليه ان يفعل ذلك، فيلغي قدرته، ويجمّد مواهبه وطاقاته. وهذا هو ما أراده الاستعمار لنا. فلقد استهدف ان يسلب ايماننا بأنفسنا، وقدراتنا ونشاطنا.

وهكذا فان على المرأة المسلمة ان تفجر طاقاتها، وان لا تكون حبيسة بيتها، وتقيّد نفسها بالاوهام والمخاوف من اقتحام الساحة الاجتماعية والسياسية؛ وذلك من خلال الإقدام، وتدريب نفسها على تلك الاعمال، وتنمية مواهبها. فعليها ان لا تنتظر احداً ليعظها ويوجّهها، فالانسان يجب ان يكون المربي الاول لنفسه.

وها هو ذا القرآن موجود بين ايديهن، وبامكانهن ان يربين أنفسهن في هذه المدرسة العظيمة، بالاضافة الى الاحاديث الشريفة والادعـية. وبعد هذه المرحلة؛ أي مرحلة التنمية الذاتية، عليهن حينئذ، ان يتوجهن الى النساء الأخريات من خلال اقناعهن بضرورة العودة الى ساحات العمل عبر الاساليب المختلفة، وخصوصاً الأمهات، ذلك أن المرأة عندما تصبح أمّاً، فانها تجد لنفسها مجالاً اكبر للتبرير والتملّص من المسؤولية بحجة ان مسؤولية ادارة شؤون البيت، و اداء حقوق الزوج، وتربية الاطفال تقع عليها. في حين ان بامكانها ان توفق بين هذه الاعمال، وبين اداء العمل لدينها ورسالتها.

وبهذا الاسلوب عـلى المرأة ان تدخل الساحة، فتخرج بذلك من جمودها. وبالتالي من اطار الثقافة التي حددتها وسلبت منها ثقتها بنفسها، و ايمانها بطاقاتها وقدراتها. وعندما ينوي الانسان المساهمة والمشاركة في العمل الرسالي فان اللـه جـلّ اسمه، سوف يوفّقه ويهديه بدوره كما وعد بذلك قائلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وحينئذ ستكتشف المرأة ان امامها سبلاً كثيرة ومختلفة بامكانها ان تقتحمها، وان تقوم بدورها فيها. فهي تستطيع ان تمارس الكتابة، والخطابة، وان تسهم في دعم الثورات وتفجيرها، وحثّ الجيل الجديد على الإصلاح والتغيير. وهذا ما يشهد به التأريخ القديم والحديث. فقد كان للمرأة الدور الفاعل في تأريخ صدر الاسلام، بل وفي التأريخ الاسلامي برمته. فلماذا -إذن- لا تشترك المرأة المسلمة المعاصرة في العمل الرسالي أسوة بالرجل، وهذا تاريخنا الاسلامي المشرق قد لعبت فيه المرأة دوراً فاعلاً في تسجيل ملاحمه وبطولاته وصوره المضيئة المشرقة؟

ترى اين المرأة المسلمة المعاصرة من النساء اللاتي سطّرن الملاحم والبطولات الخالدة عبر التأريخ الاسلامي المديد، مثل الصديقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، وزينب، وخديجة الكبرى، وأم سلمة..؟ انها للأسف الشديد جـالسة في البيت، منطوية على نفسهـا، منشغلة بالامور التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

ان على المرأة ان تجرب العمل الرسالي يوما، وحينئذ سوف تكتشف كيف انه سينقذها من الفراغ الثقافي واللاهدفية في الحياة، كما انه سيجعلها تعكف على تربية نفسها، وتنمية مواهبها، وتفجير طاقات النساء الأخريات اللاتي يعشن في الوسط الذي تعيش فيه، وتعبئة هذه الطاقات في طريق العمل الاسلامي جنباً الى جنب طاقات الرجل. وبذلك سوف تشعر بوجودها في الحياة، لأنها ربطت نفسها بمسيرة الاسلام الصاعدة، وهي نفس المسيرة التي مضى عليها سيد الشهداء، عليه السلام، وأهل بيته، الذين أعطونا وأعطوا الاسلام الحياة والمستقبل البعيد الى يوم القيامة.


ارسل لصديق