الانقلابيون والتكفيريون في ذكرى أبرز ضحاياهم
كتبه: صالح ابو الحسن
حرر في: 2014/07/16
القراءات: 939

في كتابٍ لأمير المؤمنين، الإمام علي بن ابي طالب، عليهما السلام، جواباً على كتابٍ لمعاوية، قال: «،وأما قولك إنّا عبد مناف، فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب».

لا يحتاج الضياء الى أدلة على وجوده، ولا يحتاج إيمان ابي طالب، عليه السلام، الى أدلة، إلاّ ان الدعاية الاموية المنظمّة كانت تستهدفه بالذات لانه والد امير المؤمنين، عليه السلام. تلك الدعاية المستمرة منذ (14) قرناً وحتى اليوم والمنطلقة من الحقد على الاسلام وقادته العظام، والمستندة الى المصالح السياسية والطائفية لاعداء الاسلام.

اعلنوا الحرب على ابي طالب، الذي نعيش ذكرى وفاته، عليه السلام، في السابع من شهر رمضان من عام حزن النبي، صلى الله عليه وآله. انهم بذلك يتعاملون مع الآخرين على الهوية، فكل ما يرتبط بعلي، عليه السلام، فهو محارب عندهم، فالذبح على الهوية ليست قضية جديدة نعيشها في العراق وغيره على ايدي الارهابيين التكفيريين الطائفيين، بل ان هؤلاء انما هم امتداد لأولئك الذين قلبوا لك الامور، وابتغوها عوجاً، ليصبح احد اعظم رجالات الاسلام - ابو طالب- كافراً حسب زعمهم..! ولم يقفوا عند هذا الحد بل كفروا خليفة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ووصيه الشرعي والامام المنصب من الله تعالى، وهكذا أيضاً من الناحية الزمنية والسياسية حيث انتخبته الامة وبايعته والزمت طاعته في عنقها، لكنهم مرقوا وخرجوا عليه وقاتلوه وكفّروه، ومن ثم قتلوه في شهر رمضان، وفي ليالي القدر، وهو ساجد في محرابه، فهل نعجب اليوم من داعش واخواتها من خوارج العصر، وممن يدعمون ويمولون ويسلحون هذه الجماعات الارهابية التي باتت ادوات شيطانية تخدم مشروع واهداف الصهيونية واذنابها من اجهزة وحكام وانظمة خبيثة تعمل على تمزيق وشرذمة الامة وتشويه صورة الدين الحنيف.

هم الكفرة، الذين ما دخلوا في الاسلام الا بعد هزيمتهم، وحقناً لدمائهم، ولكنهم يتهمون اهل الدين وحماة الايمان بالكفر، تماماً كما يفعل اليوم الطائفيون القتلة والانظمة التي تقف خلفهم و المنغمسون في احقادهم وطائفيتهم حتى النخاع، ثم يتهمون ضحاياهم بالطائفية!

هذا التجرؤ على امير المؤمنين، عليه السلام، ووالده الكريم المضحي هي ذاتها التي مارسوها ضد رسول الله، صلى الله عليه وآله نفسه، عندما يدعون بان والديه عليهما السلام -عبد الله وآمنة- لم يكونا موحدين مؤمنين! إنكاراً ومخالفة لنص آيات القرآن الكريم التي تؤكد ان جميع آباء الانبياء، عليهم السلام، موحدين مؤمنين بالله، يقول تعالى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، وقال تعالى {إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

وهم ذاتهم الذين يعدّون والد النبي ابراهيم، عليهما السلام، كافراً ايضاً، ومن خلال فهمهم السطحي لآيات القرآن التي يرددونها ولا تتجاوز حناجرهم، لا يفهمون - مثلاً- ان الأب تطلق على كلمة العم بعد وفاة الاب الحقيقي، وانما كان آزر عم ابراهيم وليس أباه.

 

* عبرة من بيعة

الإمام الحسن ﴿عليه السلام

ومن الاحداث الهامة في تاريخ الامة والتي جرى اهمالها وتحاشيها، ما حدث في (23) من شهر رمضان المبارك عام 40 هجرية، عندما بايعت الامة، الامام الحسن، عليه السلام، خليفة لها بعد استشهاد أمير المؤمنين، عليه السلام. ذلك ان التوقف عند هذا الحدث يثير الكثير من القضايا الخطيرة التي يجري التستر عليها، لانها تفضح الانظمة والقوى التي ترفع زورا ونفاقا اليوم وكل يوم، شعارات براقة هي كلمة حق يراد بها باطل، كالتعايش ونبذ الفرقة والقبول بالحاكم أياً كان، في حين أن أسس وجودها -هذه الانظمة والقوى- قائمة على التنافر والتآمر والتمرد وتفريق الامة وكلمتها.

فقد بايعت الامة الامام الحسن، عليه السلام، إماماً وخليفة لها، فكان هو الخليفة على مدى عدة اشهر، وهي فترة الخلافة الحسنية المباركة، التي كثيراً ما يبخل البعض بالاشارة اليها، وقد انقلبت قوى التكفير والتمرد والعصيان الاموي بقيادة معاوية بن ابي سفيان، على الخليفة الشرعي، وتجاوزت بيعة الامة وانتخابها لقائدها واعلنت التمرد وشجعت الفرقة واثارت الفتن والقلاقل امام الحكم الحسني الشرعي، ثم توجت كل ذلك بالانقلاب على خليفة المسلمين الشرعي من الناحية الالهية، حيث ان الامام الحسن، عليه السلام، امام مفترض الطاعة معيّن من قبل الله سبحانه وتعالى، ومن الناحية الزمنية والسياسية حيث انتخبته الامة وبايعته وتم الانتقال السلمي والشرعي للحكم وبرضى الامة.

ولكن هذا ما رفضته قوى التمرد والانقلاب في الامة التي قادت انقلابها الثاني ضد القيادة الالهية بعد انقلابها الاول بعد استشهاد رسول الله، صلى الله عليه وآله، ويبدو ان القوى الانقلابية هي ذاتها في كلا الانقلابين، وان الحزب الاموي هو الذي كان يخطط للانقلاب الاول رغم انه لم يشارك فيه ظاهرياً، نظراً لانه حزب مرفوض من قبل المسلمين، فقادته وزعماؤه كانوا بالامس القريب الحربة الرئيسة التي كانت تحارب الاسلام وتتآمر على رسول الله، صلى الله عليه وآله، فاستتر الحزب الاموي وقدّم الوجوه الانقلابية المقبولة في ذلك الوقت نظراً لصحبتها للنبي، صلى الله عليه وآله، وقدراتها النفاقية الهائلة، وإلاّ، فحسب الموازين القبلية من المستحيل ان تقبل العشيرة الاموية، التي تعد نفسها الاولى في قريش، بهيمنة وحكم عشائر هامشية تأتي في نهاية التسلسل القبلي القائم يومئذ في قريش كعشيرة «تيم» و «عدي»، التي ينتمي اليهما من هو معروف لدى الجميع. لذلك، ورغم ان العشيرة الاموية لم تكن في الظاهر مشاركة في الانقلاب الاول على الاسلام، الا انها كانت حاضرة من خلال التعيينات السريعة لرجالاتها، كولاة على مناطق هامة وحساسة في الدولة الاسلامية.

 كما يرى البعض ان هناك اتفاقاً سرياً بين بني امية، وبين «تيم» و «عدي»، على ان يكون الرأس منهما، بينما يظل الحكم الفعلي بيد بني امية، لذلك لم نرَ الاول ثم الثاني يعينان حكاماً ومسؤولين من عشيرتهما، لاسيما انهما عشيرتان خاملتان من ناحية العدد والكفاءات، اذا ما قورنت بالعشيرة الاموية التي كانت عشيرة قيادية في العهد الجاهلي، وبالتالي تمتلك العديد من الكفاءات والخبرات القيادية. بل كان الوالي الاموي له صلاحيات استثنائية لم تتوفر للولاة الآخرين، فقد كان معاوية على سبيل المثال والي الحكم الانقلابي على الشام مستثنى من المحاسبة التي كان يجريها الخليفة على ولاته بين فترة واخرى، بل كان يقبل منه ما لا يقبل منهم، وقد وصف عمر معاوية بانه «كسرى العرب» في اشارة ضمنية الى قبوله بوضعه الاستثنائي كوالي يحب البذخ.

وبمجرد ان تولى الخليفة الاموي عثمان ابن عفان الخلافة، كان الحزب الاموي قد أتم استعداده للاستيلاء الرسمي على السلطة الاسلامية، وقد مرت فترة ونشأ جيل جديد لم يعاصر الحرب الاموية ضد الاسلام ورسوله الكريم، وظهر قرن الشيطان الاموي على حقيقته، فسلّم البلاد والعباد لبني امية، وأباحهم الثروة والجاه والمناصب بكل وضوح وصراحة. وجاءت الثورة على عثمان، والاجهاز على حكمه الذي لم يعد يُحتمل، وعادت الامور الى نصابها بولاية امير المؤمنين، عليه السلام، ثم اشهر معدودات من ولاية الامام الحسن عليه السلام، حيث جرى الانقلاب الاموي الثاني ضد القيادة الاسلامية الشرعية التي عادت لفترة وجيزة، ولكنها سرعان ما أفلت، لا بسبب لؤم الحزب الاموي وقادته وعدائهم للاسلام وقادته الميامين فحسب، بل لان الامة ايضاً كانت تُخدع بالشعارات الاموية، وتفرط في البيعة الحسنية، لاسيما في فترات التعب، حيث تخدعها الدعاية الاموية بوعود الرفاه وبشعارات الراحة بعد ازاحة قادتها الشرعيين والقبول بقوى الانقلاب. إلا ان شيئاً من ذلك لم يحدث، بل على العكس، فالنتيجة كما سجلها التاريخ بكل وضوح، لم تنل الامة من عودة الحزب الاموي، إلا الدمار والخسران المبين على مختلف الاصعدة الدنيوية والاخروية.

 

* «لُمّة الشيطان في العراق»!

وفي ظل ما تمر به المنطقة اليوم وبالذات بلدنا العراق من احداث وتحديات كبرى، ومخاطر الزمر الارهابية والتكفيرية، حيث يبرز التحالف الداعشي - البعثي فيما جرى في الموصل والانبار وصلاح الدين وغيرها من المناطق، ربما تجري محاولات من داعمي وممولي ومُسلِحي «تحالف لـُمّـة الشيطان» هذا، لاعادة الماضي البعثي وتسويقه وفرضه من جديد على المعادلة في العراق، عبر ضغوط سياسية دولية واقليمية، وغض الطرف في هذا عما ارتكبه ويرتكبه هذا التحالف البغيض من جرائم، ومن ناحية اخرى عبر اساليب وشعارات مخادعة كنبذ الفرقة، والمصالحة ورفض الطائفية و إشراك البعض في السلطة والقرار، وإن كان صدامياً!،

لذا فالمطلوب ان نضع سوءة البعث التي يندى لها تاريخ الانسانية، نصب اعيننا باستمرار ولا نسمح بان نُخدع بوجوه جديدة لذات السوءة القديمة، تماماً كما سوّقوا لمعاوية الذي سرعان ما اعاد حكم الجاهلية بعد فترة حكم اسلامية رائعة و قصيرة.

فالحذر من قوى النفاق والضلال، التي تتلون حسب ما تقتضيه مصالحها الضيقة، وعلى حساب مصالح العراق وشعبه الذي ذاق الامّرين من تسلطها، ومن عملياتها التخريبية المستمرة. يوصينا امير المؤمنين، عليه السلام، بالحذر من امثال هذه القوى والاستعداد بالتالي لمواجهة فتنها، فيقول: «أوصيكم عباد الله و احذركم اهل النفاق الضالون المضلون، والزالون المزلّون، يتلونون الواناً، ويفتنون افتناناً، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية وصفاحهم نقية، يمشون الخفاء، ويدبون الضراء، وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء. حسدة الرخاء ومؤكدو البلاء، ومقنطو الرجاء، وان حكموا اسرفوا، قد اعدوا لكل حق باطلاً، ولكل قائم مائلا، ولكل حي قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل صباحا ، فهم لُمّة الشيطان، وحمة النيران، {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.


ارسل لصديق