مريم؛ مثلٌ ضربه الله لفاطمة، عليها السلام
كتبه: الشيخ حسن الكاشاني
حرر في: 2015/04/06
القراءات: 739

كانت الأديان الإلهية تتعرض للتحريف بعد رحيل الانبياء، فهناك أناس تسلقوا الى سدة الزعامة الدينية و هم متواطئون مع اجهزة السلطة حيث تمت الصفقة فيما بين رجال الدين و رجال الحكم، و كانت النتائج خطيرة.

من تلك النماذج علماء بني اسرائيل الداخلون في البلاط الحكومي و الذين كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه و يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله،(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ‏). (سورة البقرة /79)

انهم كانوا يحظون بمقبولية واسعة لدى الجمهور مما اتاحت لهم فرصة اللعب بنواميس الدين فراجت بضاعتهم، و لم يقصروا في مهمتهم الشيطانية لحرف الدين الالهي الى أقصى مديات الانحراف، و أرادوا ان يُطفئوا نور الله بأفواههم، لكن (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، (سورة التوبة/32) فلابد من كشف قناع هؤلاء الدجالين وفضح حقيقتهم امام الناس.

* مريم ومهمة التصدّي لتحريف الدين

بيد أن السؤال المحوري هنا؛ من يقوم بهذا الدور؟

ان المتصدي لهذه المهمة العظيمة، هو شخص عظيم ذو مواصفات خاصة، ابرزها؛ التضحية والتحدي والصبر والايمان المطلق بالله تعالى. وهذا ما تجسد في شخصية السيدة مريم بنت عمران. هذه المرأة انتدبت لهذه المهمة لأنها قمة في الطهارة و العفة.

يكفي انها حَظيت بمديح القرآن الكريم وخصص لها الله - تعالى- سورة كاملة، بينت لنا قصتها بالكامل، فجاء عن تميزها بالطهر بين نساء قومها: (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ). (سورة آل عمران/42)

هذه هي مريم الطاهرة التي انتدبها الله لمهمة صعبة و حرجة للغاية، عليها ان تواجه ذلك البلاط الحاكم وايضاً علماء السوء الذين يسهل عليهم النيل من شرف الانسان لإرضاء الحاكم. فكان عليها ان تحمل الرسالة الالهية بين احشائها، و تخاطر بسمعتها امام كل أدعياء الدين، لان الله قدر ان لا يكون لهذا المولود والد.

انتدبها الله لتكشف دجل علماء اليهود المتآمرين على شريعة موسى و الداخلين في بلاط السلطان، وذلك من خلال التضحية بسمعتها وبأهم ما تعتز به المرأة وهو النقاء والعفة، وكانت القمة في ذلك، بل كانت معروفة بهذه المكانة عند الناس، الامر الذي جعل التحدي كبيراً والاختبار قاسياً لبني اسرائيل، سقط فيه علماء بني اسرائيل بعد ان سقطت الاقنعة التي اخفت زيفهم وانحرافهم.

فلولا هي - سلام الله عليها- وشجاعتها، لما أتيحت الفرصة لنبي الله عيسى، عليه السلام، ان يقوم بدوره، و لا تمكن من نشر رسالته ومواجهة سلاطين الجور ومعهم المتآمرين من علماء الدجل الذين حرفوا ديانة موسى و كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله.

* لماذا مريم وليس زكريا؟

انه سؤال جدير حقاً!

لماذا مريم بالذات و هي امرأة، ولم ينتدب لتلك المهمة، زكريا و هو رجل، وقد كان نبياً؟

ان التعرّض لنقاء وطهر امرأة مثل مريم بنت عمران، يكون أشبه باللغم الذي ينفجر ويكشف عن وجود المعتدين، لذا كانت المهمة شاقة وصعبة للغاية على مريم، ربما من الصعب على أي امرأة تصور مهمة كهذه وأن تفعل ما فعلته مريم، وهي فتاة صغيرة، وبين ليلة وضحاها تأتي بطفل وليد على يديها وتعرضه على الناس. لذا كان خطابها للسماء: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً). (سورة مريم/20) بيد ان الله تعالى هوّن عليها الخطب: ( قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً). (سورة مريم/21)

* الانقلاب في أمة سيد الرسل

رحلت السيدة مريم الى جوار ربها، كما رحل نبي الله عيسى الى السماء، لكن لم ترحل نزعة الانحراف في النفس الانسانية، وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة، و حذرنا من وقوع الانقلاب على الاعقاب فور رحيل سيد الرسل من دار الدنيا: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). (سورة آل عمران/144)، و ذلك على حذو سائر الانبياء و المرسلين الذين تعرضوا لانقلابات كهذه من قبل اتباعهم من بعد رحيلهم.

روى “البخاري” و غيره من اصحاب الصحاح، عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، انه قال: “بينا انا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم! فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقري. ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم! قلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقري. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم”. (1)

فهؤلاء المتسترون بقناع الاسلام و الورع و التقوى، الذين بلغ من شدة تسترهم و خفاء امرهم، أن التبس امرهم على المسلمين، لذا يقوم رسول الله، صلى الله عليه وآله، يوم القيامة و يقول مستنكرا حجبهم عن الحوض: «انهم مني...» او يقول: «يا رب اصحابي...»! مع علمه انهم مرتدون بمقتضى مقام شهادته على الخلق و على اعمالهم،  لكنه انما يقول ذلك يوم الحشر ليقف الآخرون على بواطن سرائرهم، من الذين لازالوا يعتقدون فيهم خيراً، لصحبتهم للرسول و سابقتهم في الاسلام، كما خاطب الله عيسى بن مريم: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ). (سورة المائدة/116)

و في صحيح مسلم، روى عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “يكون بعدي ائمة لايهتدون بهداي و لا يستنون بسنتي و سيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الانس”. (2)

* مريم، مَثلٌ للزهراء

هنا؛ انتدب الله امرأة في أمة محمد، صلى الله عليه وآله، هي سيدة هذه الأمة، والابنة البكر لنبيها، وخاتم الانبياء والمرسلين. لتكون هي من تواجه المنافقين والمنحرفين و تصد الباب في وجوههم وتحبط مخططهم الشيطاني الى الابد. هذا الدور هو المتمم لرسالة الخاتم، والممهد لإمامة أوصيائه المعصومين، كما كان دور مريم في الحفاظ على رسالة موسى وانقاذه من أيدي المنحرفين، و صيانة نبي الله عيسى و تهيئة الارضية لظهوره.

إذن؛ يمكن القول: ان مريم، مثلٌ ضربه الله لسيدة النساء، فاطمة الزهراء، سلام الله عليها، فعن أبي عبد الله، عليه السلام، في قوله عز و جل: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)، (سورة التحريم/12) قال: انه مثل ضربه الله لفاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه و آله‏. (3)

* لماذا فاطمة....؟!

يبقى السؤال؛ لِمَ اختيرت فاطمة الزهراء، عليها السلام، لهذه المهمة الصعبة والحساسة، و هي امرأة، وهي بنت رسول الله، ومن المتوقع ان يحدث أي شيء في ساحة المواجهة؟

ففي الهجوم الاخير على بيت الرسالة، و الذي تم فيه احراق الدار، حينما أرادوا اقتحامه، لم  يقم امير المؤمنين، صلوات الله عليه، بصد الباب في وجوههم، بعد ما قام، سلام الله عليه، بذلك في المرتين السابقتين، وإنما قامت فاطمة لتصد الباب و تحرج عليهم دخولهم من دون الاذن(4)، و بصدها، صدّت باب الضلال من ان يدخل بيت الاسلام و الايمان.

فلماذا فاطمة، عليها السلام، و هي امرأة و ليس علياً، عليه السلام، و هو رجل؟

انما فاطمة، سلام الله عليها، لأنها بنت رسول الله، و كانت تحظى بمكانة سامية عند الله و رسوله و في نفوس المسلمين، كما مريم ايضاً. و هتك حجاب المرأة اقرع و اشنع و اسرع لإفشال المخططات الشيطانية، واسرع في كشف القناع عن حقيقة دجلهم ونفاقهم وانحرافهم، فحتى اعراف الجاهلية، تراعي للمرأة حرمة و حشمة، و ان كانت امرأة عادية، فيتحرجون من الدخول عليها بغير اذن. فكيف اذا كانت هي فاطمة الزهراء، بنت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسيدة نساء اهل الجنة، و هي حامل؟!

نعم؛ تحول بيت فاطمة الى ساحة مواجهة تاريخية وملحمة بطولية لا نظير لها، بين الرسالة والايمان، وبين الانحراف والزيف والطغيان، وفي خضم المواجهة يحصل ان تتعرض الصديقة الى الخدش في وجهها و تلطم، و تخاطر بنفسها و بجنينها، لكن ذلك كله يسهل في جنب طاعة الله و الحفاظ على رسالة الخاتم من ان تندرس و تنحرف، كما خاطرت مريم بنفسها حفاظاً على رسالات الله.

فان كانت مريم قد تعرضت للأذى المعنوي والنفسي، فإن الصديقة الطاهرة، خاطرت بنفسها وضحت بجنينها، و صبرت على اجتماع الامة على هضمها حقها وحق بعلها امير المؤمنين.

و اذا خوطبت مريم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ)، (سورة آل عمران /42)، فقد خوطبت الصديقة بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، (سورة الأحزاب /33) و أين طهارة آية التطهير الشاملة لسيد الرسل، صلى الله عليه وآله، من طهارة مريم؟

و ان كانت مريم تحظى باحترام بالغ لدى بني اسرائيل، لذا اختيرت لتلك المهمة لتكون ابلغ في إفشال المخطط اليهودي، فإن فاطمة، سلام الله عليها، بلغت من حالها في نفوس الصحابة ان بيوتها تقاس عندهم ببيوت الانبياء. فحينما نزلت هذه الآية: (في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)، و اخبر النبی اصحابه بأن المراد منها بیوت الانبیاء، قاموا من فورهم الى الرسول سائلين: أو بيت علي و فاطمة منها؟

فنفس هذا السوال شاهد صريح على انه كان المرتكز عندهم، ان بيت فاطمة لا يقاس ببيوت الناس العاديين، بل هي على غرار بيوت رسل الله.

وروى السيوطي،  في تفسيره «الدر المنثور»، قال: «وأخرج ابن مردويه وبريدة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)، (سورة النور/36)، فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها، بيت علي وفاطمة ؟ قال : نعم من أفاضلها”. (5)

و اما بابها فهي الباب التي كان النبي، صلى الله عليه وآله، يقف عندها كل صباح فيسلم على اهلها و يقرأ آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وهذه الحالة طالت ستة اشهر و في بعض الاخبار تسعة اشهر. (6)

هذه الموقعية السامية التي كانت تحظى بها و مكانة بيتها، ادت الى نوع من التقهقر حتى في زمرة الداخلين على البتول و المقتحمين للدار، فحينما رأوه (....) و قد صمم على الاحراق سألوه مستنكرين: إن فيها فاطمة!

لكن ابت النفوس الجاهلية والقلوب القاسية، ان ترعى حرمة لبنت رسول الله، صلى الله عليه وآله، فرد عليهم قائلا: و إن...!! (7)

وهكذا بقيت الباب المحطمة والمحروقة، والضلع المكسور، وصمة عار أبدية على جرأة نفر من دعاة الاسلام، على حرمة نبي الاسلام وعلى ضمير الرسالة و ناموسها. وهكذا يتم الحفاظ على الرسالة المحمدية و على القرآن و العترة عن التحريف و التلاعب، فلولا تلك الدماء الطاهرة لم يبق من القرآن الا مثل ما بقي من التوراة و الانجيل.

فسلام الله عليها، يوم ولدت و يوم ضربت و لطمت و كسر ضلعها، وأسقط جنينها و يوم فارقت هذه الدنيا و هي شهيدة مظلومة ويوم تبعث حيّة.

هوامش:

1-(صحيح البخاري ج 7 ح 209)

والهمل بفتحتين: الإبل بلا راع قال الخطابي : الهمل ما لا يرعى ولا يستعمل ويطلق على الضوال  والمعنى أنه لا يرده منهم إلا القليل، لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره.

و في لسان العرب: وفي حديث الحوض : فلا يخلص منهم إلا مثل همل النعم ; الهمل : ضوال الإبل ، واحدها هامل ، أي إن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة.

2-(صحيح مسلم 717 ح 4806)

3-(تفسیر البرهان ج 5 ص 431)

4- لابد من الالتفات الى انها سلام الله عليها لم تقم لتفتح الباب للمهاجمين، و انما قامت لتصد و لتمنع من اقتحامهم للدار .

5-المستدرك على الصحيحين 3: 158 كان النبيّ يمر بباب فاطمة ستة أشهر..، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، أسد الغابة 5: 521 فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، مسند أحمد 3: 259 مسند أنس بن مالك ، تفسير الطبري 22: 9 (( وَقَرنَ في بيوتكنَّ...))، تفسير ابن كثير 3: 92 سورة الأحزاب، الدر المنثور 5: 199 سورة الأحزاب، مسند الطيالسي: 274 علي بن زيد بن الجدعان عن أنس, صحيح الترمذي 5: 31 سورة الأحزاب، كنز العمال 13: 646 فضائل أهل البيت، المصنف 7: 527 ما ذكر في فضائل فاطمة، عليها السلام، مسند أبي يعلى 7: 59 الحديث 3978.

6-بحار الانوار: ج 43 ص 82.

7-الامامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري: ج1 ص 19.


ارسل لصديق