كيف نعالج هجران التدبر في القرآن؟
كتبه: العلوية أم جعفر
حرر في: 2015/05/10
القراءات: 1038

نلاحظ يوماً بعد يوم اشتداد البلايا المحيطة بالأمة الإسلامية، و الانتكاسات التي تمنى بها، ليس اليوم، إنما يعود التقهقر والانتكاسة، منذ رحيل النبي الأعظم محمد، صلى الله عليه وآله، عن دار الدنيا، فبعد أن كانت الأمة الاسلامية، خير أمة أخرجت للناس، أمةٌ نهضت من شبه الجزيرة العربية و ألقت بشعاعها على العالم أجمع، و حملت رسالة السلام و الأمن و الحرية و التقدم لكافة البشر، نراها اليوم تشهد التراجع والويلات والمحن.

فيا ترى ما هي الأسباب التي أدت الى كل هذا الضعف الذي أدى الى نزولها عن مرتبة الدول المتحضرة، والسقوط الى مرتبة التخلف و التطرف؟

 

* الظلم الذي لحق بالقرآن الكريم

في عملية البحث عن الأسباب، فإن أهم نتيجة يصل اليها الباحث، هي الابتعاد عن روح الرسالة السماوية و جوهرها السامي و هي ما عبر عنها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، بالثقلين ... حينما قال: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا»

ما حدث في التاريخ من اجحاف و ظلامة بحق عترة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، هو أمر ظاهر و لا يخفى على طالب حق، ولسنا في هذا المقال بوارد التطرق الى هذا الموضوع، لكن ما خفي على أغلب الباحثين و المحققين هو الظلم الذي تعرض له  القران الكريم بعد رحيل النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكره الله تعالى على لسان نبيه قائلاً {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان /30).

فقد وصلنا الى زمن لم يبق من القرآن إلا رسمه ، و قد انقسم المسلمون تجاهه الى عدة أقسام ، فقسم منهم تركوا القرآن نهائياً و ذهبوا الى البدائل من الأساطير أو الفلسفة و منطق الاغريق وغيره، تحت شعارات التحضّر والعصرنة والعولمة.

و القسم الآخر تمسك بحروفه دون معانيه فأصبح يعلق آياته للرزق أو يتلوه عند المرض أو لثواب الموتى ، و قسم درسوا تعددية قراءاته و حفظوه عن ظهر القلب و لكن لم يتعدوا هذا الحد للوصول الى الغاية الأساس التي نزل من أجلها هذا الكتاب العظيم، فقرأوه حروفاً بلا معانٍ و كلمات بلا مفاهيم أو كتمائم سحرية و طلسمات غيبية لا يمكن للإنسان العادي ان يفهمها  .

 

* الاستعانة بالقرآن للعمل ضده!

لقد أنزل الله تبارك و تعالى القرآن العظيم ليكون هادياً و منقذاً للبشرية ، و أرسله على يد خير خلقه النبي المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، فهل يعقل أن يرسل الله تعالى رسالة لتوضيح المسار لا يفهمها المعني بها من البشر؟ من جهة ثانية نجد ان طلائع المسلمين  استقبلوا القرآن خير استقبال حيث جعلوه دستوراً و منهجاً يبنون حياتهم على أساسه و يتعاملون فيما بينهم بحدوده و أحكامه و بالمحصلة كان كتاب الحياة بين أيديهم لا يسمعون آية من آياته إلا و يتسابقون على العمل بها و تطبيقها لينالوا ما يعدهم الله تعالى من الثواب في الدنيا و الآخرة.

ولكن يد التحريف التي قصرت عن المساس بآياته و لم تستطع تغيير سوره كما فعلت بالكتب السماوية السابقة ، امتدت الى مقاصد سوره و ثقافة أبناء القرآن لتثنيهم عن الطريق و قد استعان البعض بروايات من ائمة أهل البيت عليهم السلام لتبرير تقاعسه و تخاذله في التعامل مع القرآن ، فخلط بين تفسير آيات الكتاب بالرأي و التدبر في معانيه!

يقول المرجع الديني السيد محمد الشيرازي- رحمة الله عليه- : وفي مواجهة هذا المنطق نقول:

إنّ «التفسیر بالرأي» لا یعني «التدبر في القرآن» إذ إن هذه الروایات لا یمكن أن تنهى عن نفس

ما أمر به القرآن الكریم والروایات الأخرى.. بل إنها تعني أحد المحتملات التالیة:

اولاً- أن يحمل الفرد آراءه الشخصیة على تفسیر معاني آیات القرآن بأحد الأشكال التالیة:

أ- حمل اللفظ على خلاف ظاهره.

ب- حمل اللفظ القرآني على أحد احتمالیه دون دلیل.

ثانیا: المسبقات الفكریة المترسبة في عقلیة الفرد..

فهنالك كثیرون یقرأون القرآن وأدمغتهم مشحونة بالأفكار، والرؤى والمفاهیم المسبقة، لذلك فهم لا یرون القرآن إلا من خلال أفكارهم، ولا یجدون في القرآن إلا ما یؤید هذه الأفكار تماماً، كالذي یضع على عینیه نظارة سوداء، إنه یرى الأشیاء بلون نظارته.

كذلك هؤلاء، فهم یرون آیات القرآن بلون المفاهیم القابعة في عقولهم.

إنهم یحاولون فهم القرآن كما تقتضي اتجاهاتهم وأفكارهم، بدل أن یكونوا تلامذة متواضعین بین یدیه.

إنهم یحاولون توجیه القرآن على حسب ما تقتضیه أفكارهم، بدلاً من أن یحاولوا تهذیب أفكارهم على حسب ما تقتضیه مفاهیم القرآن الرفیعة.

وهذا عین الخطأ، وهذا هو أیضاً «أحد مصادیق التفسیر بالرأي المنهي عنه».

أما الاحتمال الثالث في معنى التفسیر بالرأي فهو: التسرع في تفسیر الآیات القرآنیة على حسب ما یظهر للفرد في بادئ الرأي، و وفق ما توحي إلیه ظنونه الأولیة من دون الاستیقان ومن دون الرجوع إلى سائر الآیات والروایات الواردة في ذلك الموضوع، ذلك لأن الرأي في اللغة یعني: «الظن» و»التخمین» كما تشیر إلیه بعض المصادر، فالتفسیر بالرأي - وفقا لهذا الاحتمال- یعني؛ أن یفسر القرآن بسبب بعض الظنون النیئة، التي لم تنضج بعد، رغم { إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً}،(سورة يونس/36).

 

* التدبّر و التفكّر المنطقي

و التدبّر يعني فيما يعنيه : التفكر المنطقي في المعنى الحقيقي للآية ، بينما يعني التفسير بالرأي اختلاق معنى للآية و الاستغناء عن هذا التفكر، و التدبر واجب و التفسير بالرأي حرام.

ويقتصر محور التدبر على الحقائق التي يصل اليها فكر المتدبر «ويسمى بالمحكم» أما ما لا يفقهه المتدبر «و يسمى المتشابه» فيدعه لمن يفهمه أو لحين يفهمه.

و يبين سماحة المرجع المدرسي - دام ظله- في كتابه «بحوث في القرآن الكريم» الغاية الأصلية من التدبر فيقول: «لأن القرآن لا يفيد إلاّ من عمل به.. ولا يعمل به سوى الذي يتدبر فيه فيفهم.

  بل ان التدبر في القرآن هو الوسيلة الوحيدة للعمل به، إذإن اللـه تعالى أودع كتابه الكريم نوراً يهدي الانسان إلى ربه العظيم، فيؤمن به، وبعد الإيمان يطبق شرائعه.

من هنا ليس على الإنسان سوى أمر واحد هو الانفتاح على القرآن، واستعداد التفهم له، وهذا يكون بالتدبر فيه.

يقول الله سبحانه: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (سورة المائدة/15-16)

ان القرآن ذاته نور، وليس علينا امام النور إلا أن نفتح أبصارنا لنراه، ونرى به الأشياء جميعاً.»

و اذا ما تأملنا في آيات القرآن نجد أنها لا تأمرنا بالتدبر فحسب بل تدعونا للتعمق في آياته، فكما ذكر العلامة الطباطبائي -رحمة الله عليه- في كتابه تفسير الميزان و في تفسير الآية الكريمة {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً}،(سورة النساء/82) الآية تحضيض في صورة الاستفهام التدبير هو أخذ الشي‏ء بعد الشي‏ء و هو في مورد الآية التأمل في الآية عقيب الآية أو التأمل بعد التأمل في الآية لكن لما كان الغرض بيان أن القرآن لا اختلاف فيه و ذلك إنما يكون بين أزيد من آية واحدة كان المعنى الأول أعني التأمل في الآية عقيب الآية هو العمدة و إن كان ذلك لا ينفي المعنى الثاني أيضا.

فالمراد ترغيبهم أن يتدبروا في الآيات القرآنية و يراجعوا في كل حكم نازل أو حكمة مبينة أو قصة أو عظة أو غير ذلك جميع الآيات المرتبطة به مما نزلت مكيتها و مدنيتها و محكمها و متشابهها و يضموا البعض إلى البعض حتى يظهر لهم أنه لا اختلاف بينها فالآيات يصدق قديمها حديثها و يشهد بعضها على بعض من غير أن يكون بينها أي اختلاف. فارتفاع هذه الاختلافات من القرآن يهديهم إلى أنه كتاب منزل من الله و ليس من عند غيره»

و لكن يجب على المتدبر أن يلتزم بأصول التدبر فتنكشف له الحقائق؛ لأن الله تعالى قد يَّسر القرآن للذكر، و لا يسترسل بهواه و أن يحمل القرآن ما لا يحتمل فيقع في المحظور الذي قال عنه النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، : «من فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب « فلا يحمل القرآن افكاره السابقة ، و اذا ما واجه غموضاً في الآيات تأنّى و رجع الى أهل الذكر من الأئمة، عليهم السلام، و من يقوم مقامهم لامتلاكه مقومات تؤهله لهذا المقام و لا يكون متكالباً على الدنيا أو تلهيه تجارة أو بيع عن ذكر الله و عن معرفته و معرفة أحكامه، إذ إنه لا يمكن في حال من الأحوال الاستغناء عن المبين لكتاب الله.

و قد حثت الروايات على فهم القرآن و استيعاب معانيه للعمل به و أكدت بأن القرآن لم ينزل لأناس مضوا و انتهوا بل ان آياته تتكرر في كل وقت و زمان و المؤمن الواعي هو من يستفيد من قصص و اعمال السابقين حتى لا يصاب بما اصيبوا به فقد جاء عن الامام الباقر، عليه السلام، : «... و لو أن الآية اذا نزلت في قوم ثم مات أولئك ماتت الآية ، لما بقي من القرآن شيء و لكن القرآن يجري أوله على آخره مادامت السماوات و الأرض»

و عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : «إن القرآن حي لم يمت و انه يجري كما يجري الليل و النهار  و كما تجري الشمس و القمر و يجري على آخرنا كما يجري على أولنا»

اذن من الخطأ التسمر في فهم القرآن على أفراد معينين أو على حقب معينة ، بل يجب أن نطبق القرآن تطبيقاً حياً على الواقع الذي نعيش فيه و على الأفراد الذين نتعامل معهم كما فعل طلائع المسلمين لننهض بواقع أمتنا الى أفق جديد بعيداً عن التخلف و الضلال.

-------------------

* أستاذة في الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة


ارسل لصديق