هل يمكن أن تسبق الآحاد، العشرات؟!
كتبه: السيد طاهر القزويني
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1871

هل فكرت يوماً بأن تفعل كل يوم حسنة..؟ هذا السؤال قد يكون مثيراً لكنه يتداعى إلى الذهن عندما يقرأ أحدنا هذا الحديث عن الإمام السجاد عليه السلام، وهو حديث رهيب لأنه يضع الانسان أمام حقيقة مرّة للغاية، والحديث يقول: «يا سوأتاه لمن غلبت أحداته عشراته يريد أن السيئة بواحدة والحسنة بعشرة» (تحف العقول ص203).
الحقيقة المُرّة والمؤلمة، أن سيئاتنا الأحادية ربما تغلب حسناتنا العشراتية، وهذا سيكون حال أكثر البشرية كما يذكر ذلك القرآن الكريم، والذي يوبخنا، في أكثر من موضع، وهو ما يدل على أن الآحاد ستغلب العشرات.
لكن الإمام السجاد عليه السلام نفسه، يرشدنا إلى برنامج قد يفيدنا وينقذنا من هذه الورطة التي نحن فيها، فالإمام وفي إطار تفسيره لقوله تعالى، «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» (106/ الانعام)، يقول عليه السلام: فالحسنة الواحدة إذا عملها كتبت له عشراً، والسيئة الواحدة إذا عملها كتبت له واحدة، فنعوذ بالله ممن يرتكب في يوم واحد عشر سيّئات ولا تكون له حسنة واحدة فتغلب حسناته سيئاته» (بحار الانوار ج71، ص243).
لاتستغرب إذا حدثتك عن التخطيط للقيام بالحسنات، ذلك إنه حتى وإن لم تخطط لذلك، فإن هناك من يخطط ليوقعك في الخطيئة، وذاك يبدع أفضل الطرق والوسائل لكي يجرك إلى ارتكاب الخطأ، ولديه جيش جرار من المستشارين الذين يدرسون خصائصك النفسية والعقلية ويضعون لك مخططاً شاملاً ليوقعوك في شراكهم. فإزاء ذلك ما أنت صانع ؟
هل فكرت بالعدو الذي يخطط ليل نهار لكي يوقعك في نار جهنم؟ هل فكرت بالخطط الجهنمية التي يعدها وينفذها ليستميلك إلى جانبه؟ هل عرفت نقاط الضعف التي يدخل منها إليك؟ وهل فكرت بمخطط لمنعه من التغلغل إلى فكرك ونفسك؟
إذا كنت عاجزاً عن مواجهة مخططات هذا العدو، فعلى أقل التقادير ضع لنفسك مخططاً لأداء الحسنات، بأن تنوي أن تفعل هذه الحسنة أو تلك كل يوم، ثم تزيد عليها يوماً بعد آخر، وأنت تفرضها على نفسك حتى وإن كانت متسحبة، وهكذا سيزيد ميزان حسناتك لتوازي زيادة ميزان سيئاتك.
لكن المشكلة تكمن في تصورات الناس، فهم يريدون أن يقيّموا الأفراد على أساس لونين: أما أسود أو أبيض، وهذا تصور غير واقعي، ولا يمكن تقييم الناس على اساس إنهم إما «ملائكة» أو «شياطين». وكان لدي صديق يحمل مثل هذه الافكار الخاطئة، فهو يعتقد انه إذا إنجرف نحو الطريق المنحرف، عندها لا معنى لالتزامه ببقية الفرائض والواجبات، ويظن أن المرء إذا إرتكب إثماً معيناً فيجب أن يتخلى عن بقية دينه ويترك الصلاة والصوم وبقية الفرائض..!
بالطبع نحن لانقول أن التغيير يحدث بسرعة كبيرة، لكنه يحدث عند المؤمنين وعند غيرهم، وزمن التغيير وسرعته تحدده طبيعة الشخص والمؤثرات البيئية والاجتماعية.
وكلما صقل المؤمن إرادته في مواجهة المغريات والتحديات كان أقدر على الاستمرار في نهجه وطريقه المستقيم. وكلما حسّن عمله، ضاعف الله له حسناته بحيث يُؤجره على كل حسنة أضعافاً مضاعفة، جاء في حديث الإمام الصادق عليه السلام: «إذا أحسن المؤمن عمله، ضاعف الله عمله لكل حسنة سبعمائة، وذلك قول الله تبارك وتعالى: «والله يضاعف لمن يشاء». (بحارالانوار، ج71، ص247).
وهنا سنجري اختباراً لنكتشف أنفسنا، هل نحن من زمرة المؤمنين أم لا؟ والاختبار يضعه أمامنا رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يقول: «من ساءته سيئة وسرته حسنة فهو مؤمن»، ذلك أن أناساً يرتكبون المعاصي ولا يحسبون أنهم فعلوا شيئاً، ولا يراجعون أنفسهم في ذلك، فيحرمون حتى من الاستغفار.
وبخلاف التصورات الخاطئة لدى الناس بأن المؤمنين لا يرتكبون الذنب، فهم ربما يقعون في بعض الهفوات، لكن الفرق بينهم وبين الآخرين، أنهم ينتبهون بأسرع ما يمكن إلى الخطأ الذي ارتكبوه، ويستغفرون الله منه ويعاهدونه عزوجل على أن لايعودوا إليه مرة أخرى، وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام قوله: «المؤمن الذي إذا أحسن استبشر، وإذا أساء استغفر» (بحارالانوار، ج71، ص259)، فالفرق هنا بين المؤمن وغير المؤمن في أن المؤمن يستغفر من ذنبه والآخر لايستغفر.
ذلك الصديق الذي تحدثت عنه، لديه أفكار خاطئة أخرى، وهي أنه من كان لديه ماضٍ سيئ، وتاريخ أسوأ، مليء بصفحات الذنوب، لا يحق له أن يغير نفسه ويبدأ صفحة ايمان جديدة، فهذا الصديق يسخر دوماً من ظاهرة توبة البعض من مشاهير السينما وغيرهم، أو إرتداء الحجاب من قبل بعض الممثلات، ويصف هذا التحول بأنه نوع من النفاق!
مع أن الجواب على هذه القضية ليست من الأمور المستصعبة، لكننا سنأخذ جوابنا من القرآن الكريم حتى يكون داعماً لحجتنا في ما نذهب إليه، فالقرآن الكريم يقول: «إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (النمل /11). فالله سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم، وهو الذي فتح بابه الواسعة للتوابين، والتوبة هي درجة رفيعة من درجات المؤمنين.


ارسل لصديق