كميل بن زياد النخعي في مدرسة الإمام علي (عليه السلام)
التقوى والاستقامة على الطريق
كتبه: ابراهيم حسين
حرر في: 2015/07/26
القراءات: 923

مدرسة علي، عليه السلام، مدرسة المكارم والعطاء، مدرسة النماذج، فلابد أن يكون لكل شيء في الحياة انموذج يكون ثمرة ونتاجاً للجهد المبذول في تحصيله. ولأمير المؤمنين علي، عليه السلام، السبق في ذلك، فمدرسته لها شواهد ونماذج عدة من الرجال الذين تربوا على  الإيثار والعطاء، والذين وطنوا انفسهم ببذل الغالي والنفيس، و جميع ما يملكون في سبيل مرضاة الله -عز وجل- فقد باعوا انفسهم واموالهم لله تعالى والثمن هو الجنة فكان البيع رابحاً والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. (سورة التوبة، الآية:111)

نعم، اننا في رحاب مستبشر ببيعه، ونموذج لفائز عظيم، انه من كبار صحابة أمير المؤمنين، عليه السلام، ذو علم وفصاحة وبلاغة وشجاعة، خطّ التاريخ اسمه بأحرف من نور تتشرف صفحاته عند ذكر اسمه، ذلك لأنه تمسك واعتصم بحبل الله المتين الذي أمرنا بأن لا نتفرق عنه، وربنا -عز وجل- يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. (سورة آل عمران، الآية:103)

 

 كميل الامانة:

قال الله - عزّوجل- واصفاً عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ}. (سورة المؤمنون، الآية:8-10)

ان عدالة  وأمانة كميل بن زياد، مما تتحدث به المخدرات في حجالهن، واعترف بذلك المؤالف والمخالف، فكما لا يمكن لأحد ان ينكر ضوء الشمس، ونور القمر، كذلك لا يمكن ان ينكر عدالة وأمانة كميل بن زياد النخعي.

فكفاه فخراً وعزاً وتاريخاً مشرفاً  أن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال لكاتبه:  وهو عبيد الله بن أبي رافع: «أدخل عليّ عشرة من الثقات»، فقال عبيد الله: سمهم لي يا أمير المؤمنين، فسمى جمعاً من أصحابه الثقات، أحدهم؛ كميل بن زياد النخعي الكوفي.

حريٌ بنا، وبالقائمين على الشؤون المالية للعباد تحديداً، الاهتمام بدروس الامانة من سيرة هذا الصحابي الجليل. فهذا الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، يخاطبنا بقوله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، مما يدعونا الى توخي الحذر في التعامل بما يناقض العدالة والمساواة والانصاف، والترف على حساب المحرومين، واتخاذ القصور الفارهة على حساب المشردين.

ولنا عبرة بسيرة صاحب امير المؤمنين، و أمينه وموضع سره ايضا، الذي خصه بالمسؤولية الكبيرة، فولاه ايضا على مدينة «هيت»، وقيل سُميت بذلك لأنها في هوة من الارض. وذكر أهل الأثر أنها سُميت باسم بانيها، وهو «هيت بن السندي»، ومعلومٌ ما لهيت في ذلك الحين من الأهمية الكبرى لمجاورتها الصحراء الشاسعة التي تفصل بين العراق وبين الشام أولاً، ولقربها من أعمال معاوية ثانياً، كقرقيسيا وغيرها من البلدان التي كانت ولا تزال بعضها قائمة على ضفة الفرات، والتي خضعت لحكم معاوية حينذاك، على كلا الحالتين خوفاً أو طمعاً.

أضف إلى أن العرب الرحالة في تلك البادية، كانت تتردد على هيت لتتمون منها، وكما كانت تتردد على الانبار وعلى هيت وغيرها من البلدان العراقية المطيعة لحكم ابن عم الرسول، كل هذه الأمور جعلت علياً يختار كميلاً والياً على هيت، لعلمه عليه السلام بحزمه وسياسته وحنكته حيث هو صفوة النخع وبطل من أبطالها. وله مواقف عظيمة منها :

1- وقف مع مالك الأشتر وجماعة من أهل الكوفة بوجه سعيد بن العاص والي الكوفة يستنكرون عليه قوله: «إن السواد بستان قريش».

2-  كان من الذين نفاهم والي الكوفة، سعيد بن العاص، إلى الشام بأمر عثمان، ومن الشام أعيدوا إلى الكوفة، ومنها نفوا إلى حمص، ثم عادوا إلى الكوفة، بعد خروج واليها منها.

3- دخل كميل بن زياد، ومن كان معه بقيادة مالك الاشتر إلى قصر الإمارة فور عودتهم، وأخرجوا ثابت بن قيس خليفة الوالي عليه، واستطاع أهل الكوفة على أثر ذلك منع سعيد بن العاص والي الكوفة من العودة إليها.

 

 وفاته 

بعد تولي الحجاج ولاية العراق من قبل مروان بن الحكم، جدّ في طلبه سعياً إلى قتله، فأخفى كميل نفسه عن الحجاج فترة من الزمن، إلا أن الحجاج قطع العطاء من قبيلة كميل وقد كانت بأمس الحاجة إليه، مما اضطر كميلاً لتسليم نفسه إلى الحجاج وقال: «أنا شيخ كبير قد نفد عمري، لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم» فضرب الحجاج عنقه، ودفن في ظهر الكوفة في منطقة تدعى الثوية، وكان ذلك في عام 82 هـ.

 

 الامام يحذر كميلاً من الدواعش

قد ينخدع عامة الناس بالمظاهر، وقد تسحر العيون بعض التصرفات، وكثير من تستر بلباس شريح وبعمامة قضائه، وجعل في الدين ما ليس فيه، والدواعش شذاذ الآفاق ولَعنة التأريخ، يريدون ان يغيروا معالم الدين وثوابت السماء، وما دفعهم لذلك وجود آذان صاغية ومطيعة مكنتهم من القيام بجرائمهم. والامام علي يعطي تلميذه كميلاً، درساً في الحذر من هؤلاء وعدم الانجرار وراء مؤامراتهم الخبيثة.

فخرج أمير المؤمنين، عليه السلام، ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجهاً إلى داره، وقد مضى ربع من الليل ومعه كميل بن زياد، فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ويقرأ قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً...}، بصوت شجيّ وحزين، فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفت الامام، عليه السلام إليه، وقال: «يا كميل لا يعجبك طنطنة الرجل أنه من أهل النار سأنبئك فيما بعد»، فتحير كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ولشهادة الامام على الرجل بدخول النار مع كونه قارئاً للقرآن. ومضت السنين إلى أن آل أمر الخوارج إلى ما آل اليه، وقاتلهم أمير المؤمنين، عليه السلام، وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل فالتفت أمير المؤمنين، إلى كميل وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً و رؤوس أولئك الكفرة الفجرة موزعة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس، وقال: «يا كميل أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً...».

أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة، فأعجبك حاله، فقبل كميل قدمي الإمام واستغفر الله - تعالى-. ولا غرو إذا ظهرت مثل هذه الفضائل والأخبار بالمغيبات من بطل المسلمين ويعسوب الدين، أمير المؤمنين، عليه السلام، فإن هذا العلم هو من العلم الذي علمه إياه ابن عمه، سيد الرسل وخاتم الأنبياء، صلى الله عليه وآله، ولقد صرح به مراراً على رؤوس الأشهاد بمرأى ومسمع من جلة الصحابة، قوله: عليه السلام: «علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب»، كما ان رسول الله، صلى الله عليه وآله، شهد له بأنه أعلم الصحابة، إذ قال، صلى الله عليه وآله في حشد من أصحابه مخاطباً لهم: «علي أقضاكم»، والقضاء يستوجب غزارة العلم، فعلي أعلم الصحابة قاطبة، لشهادة الرسول الأعظم، وأقر بذلك كل من أصحاب رسول الله والتابعين، وسلسلة طبقات الفقهاء حتى عصرنا الحاضر وإلى يوم الانقضاء.

ومن أجل ان يقدم لنا أمير المؤمنين، عليه السلام، البديل الناصع للفكر التكفيري والارهابي الدموي الذي لا يمت الى الانسانية بصلة، فانه يعلّم صاحبه المقرّب، كميل ابن زياد، دعاءً هو من أعظم الأدعية الموجودة في كتبنا، وهو دعاء يربي الانسان على أن يكون قريباً من الله - تعالى- ليكون الله قريباً منه. ويحذر الانسان من الغفلة والانحراف والتفاخر بما لديه، فصار لدينا «دعاء كميل»، فكما ربّى الامام، كميلاً في مدرسة التقوى والشجاعة والإباء، فان «دعاء كميل» يربي الاجيال على المعرفة الحقيقية لله -تعالى- وكيفية الحفاظ على الاستقامة في الطريق اليه.


ارسل لصديق