الحج وأبعاده الأربعة
كتبه: محمد حسن مرتضى
حرر في: 2015/09/29
القراءات: 538

ما هو الحج ولماذا كان الحج؟

اذا اردنا أن ننظر إلى الحج من أبعاده المختلفة كما نظر إليها الإسلام، فإننا نرى أربعة أبعاد لهذا العمل العبادي.

 

 البعد الأول: محطة التذكير بالخالق

في خضم الحياة التي يعيشها الإنسان بين الصحة والمرض، وبين الفقر والغنى، وبين السعادة والشقاء، ينسى الإنسان انه عبدٌ الله، ولهذا النسيان صورتان سلبيتان؛ الأولى: أن ينسى الإنسان ربه فيدّعي الربوبية على الآخرين. والثانية: أن ينسى نفسه فيتخذ عباد الله أرباباً من دون الله، وكلٌ من الحالتين تكمل الأخرى، فالمتجبرون والمتكبرون نسوا أن لهم خالقاً هو جبار السماوات والأرض، فادعوا الربوبية على الناس كما قال فرعون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي،(سورة، القصص:38).

أما الخانعون والأذلاء الذين يقبلون كل حاكم وكل طاغوت ويخضعون لكل متجبر ومتكبر فهم من النوع الثاني الذين نسوا أن المتكبرين والمتجبرين ليسوا إلا عباداً مخلوقين اقتداراً مقبوضين احتضاراً.

ولكي يتذكر الإنسان هذه الحقيقة سواء كان من الصنف الأول أم الثاني  أوجب الله على المسلم أن يحج مرة في العمر الى بيته، حيث يجد ذل العبودية لله على الجميع، فيكون الحج بذلك محطة للتذكير بأن لا رب، ولا خالق سوى الله في هذا الكون.

 

 البعد الثاني: محطة تزكية للنفس

ترى كم من الأدران ترين على قلب ابن آدم في تنافسه على الحطام؟ وكم تضيع عليه الرؤى في تقلبات الأحداث؟ أين ومتى يزكي الإنسان نفسه؟ أين ومتى ينبذ الأنانيات عن ذاته؟ أين يتعلم أنه واحد من الناس شأنه في ذلك شأن الآخرين، فلا سيد ولا عبد ولا غني ولا فقير ولا شريف ولا وضيع؟ متى يتذكر الإنسان: وجاء في الحديث «أن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيدا قرشيا».

الحج هي الفترة الزمنية المقدسة لتزكية النفس لأنها فترة التوبة إلى الله، ونبذ كل ما يميزك عن الآخرين، ففي رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام: «حق الحج أن تعلم انه وفادة إلى ربك وفرار إليه من ذنوبك وبه قبول توبتك وقضاء الفرض الذي أوجبه الله عليك». فتزكية النفس تبدأ من تزكية القلب ومن تزكية القلب تعبر إلى الجوارح، {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}،(سورة، البقرة:179).

ومن تزكية الأعضاء إلى تزكية العمل، ففي الحج لا يجوز لك أن تقتل حتى البعوضة، كما لا يجوز لك أن ترد السبيبة بمثلها فضلاً عن أن تقول كلمة نابية لغيرك، إنها حقاً محطة للتعود على نبذ العادات السيئة وتقوية الإرادة على فعل الخير. فأنت فيه لا تتزين للناس، لا تنظر في مرآة، لا تتدرع ثوباً، لا تقلع شعرة من جسمك ولا شيئا من الحرم، بل لا تكش الحمام حتى!

أنت هنا على حقيقتك عبدٌ لله لا تملك عن مولاك شيئا، حتى في جسمك وما يخصه وتلك هي قمة التسليم وهي في ذات الوقت قمة تخليص النفس من الأدران وذلك هو التطهير الحقيقي.

 

 البعد الثالث: تأكيد على الوحدة بين البشرية

من عهد آدم وحتى يومنا هذا لا تجد سوى تقسيم الناس بأصناف وطبقات متمايزة، فمن التمييز على أساس لون البشرة، حتى التمييز بالمناطقية الجغرافية، وحتى الانتماءات القبلية والعشائرية وغيرها، لكن في الحج لا تمايز بين البشرية أبداً، إنه الموقف الذي يقف فيه الجميع على اختلافهم من دون تمايز وتصنيف، وكما يقول الإمام الحسين، عليه السلام، في دعائه الموسوم بعرفة: «فَاِلَيْكَ عَجَّتِ الاَصْواتُ بِصُنُوفِ اللُّغاتِ».

 

 البعد الرابع: صد الانحراف في العمل والسلوك

في الحج تخليدٌ لإبراهيم خليل الرحمن، عليه السلام، ولذا فإننا نرمي الشيطان بحصيات سبع في مواضع ثلاث كما فعل هو، سلام الله عليه، حينما تجلى له الشيطان لينهاه عن ذبح ولده، وإننا نذبح الهدي كما أراد أن يذبح ولده في سبيل الله، وحيث طاف بالبيت نطوف، وحيث سعت زوجته أم إسماعيل نسعى، بل وحيث هرولت نهرول! إلا أن أهم ما قام به النبي إبراهيم عليه السلام هو صده الناس عن عبادة الأصنام، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ،(سورة، الصافات:93). محطماً تلك الآلهة المزيفة التي كانت تشكل الانحراف الأبرز في الأمة، إنه انحراف القيادة وقبول القيادة من غير الله تعالى.


ارسل لصديق