المُنتَظَر والمنتَظِر
كتبه: محمد حسن مرتضى
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 103

{أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ}.

غار الماء المعين وأصبحنا ننهل من كل عين كدرة!

غاب الصبح المضيء وأمسينا نهيم في ليل سرمد1، إن أخرج أحدنا يده لم يكد يراها!

هذا حالنا في غياب المهدي - عجل الله فرجه الشريف -، لقد غاب عن عيون الشيعة حتى يقضي الله أمر ظهوره ونصرة دينه ليُظهره على الدين كلِّه ولو كره الكافرون، إلا أنّه لم يغب يوماً عن قلوبنا، فهو الحاضر مع الموالي في صبيحة كل يوم يجدد معه البيعة بدعاء العهد، ويختم يومه بالدعاء لفرجه، ويندبه في نهار كل جمعة بدعاء الندبة.

كما أنه، سلام الله عليه، حاضر عند شيعته وفي مسيرتهم، يرعاهم بعينه، يعينهم في شدائدهم، يلهم عقولهم، ويسدد علماءهم، ويشحذ هممهم، هذا وهو - روحي فداه - يظهر لخواصهم وبعض المخلصين منهم، يشدّ بظهوره أزرهم ويزيدهم يقيناً بحضوره وحياته ورعايته لهم.

وهكذا تجد قلوب الشيعة مشتاقة الى فرحة لقائه يطمعون بنظرة منهم إليه، تلك النظرة التي تفيض على قلوبهم ماءً معيناً، وينظر اليهم نظرة رضىً تبعث الدفء في ليالي غيابه الباردة، وتكسر عتمتها بفجر أمل لقائه الصادق، فهو حاضر رغم غيابه، وشيعته كذلك حاضرون غير غائبين عنه، تفرح عيناه عند رؤيتهم في حال الطاعة، وتحزنان إن وقعوا  - والعياذ بالله - في حبائل المعصية.

يقول - عجل الله فرجه الشريف -: «نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين. حسب الذي أراناه الله - تعالى- من الصلاح لنا ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين. فإنّا نُحيط علماً بأنبائكم. ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم».

هكذا هو، عليه السلام، مع شيعته بعقله وقلبه وعنايته وبركاته، وهو الإمام المبين الذي أحصى الله أعمالنا عنده، وهو المقرّب الذي يطلع على الكتاب المرقوم.

ومن هنا يرى الموالي له الذائب في حبه أنه لابد وأن يكون من أهل الطاعة والاعتصام والصبر، فلا يزل قدماً؛ لأنه يرى عيني مولاه تراقبه أينما كان، أما لو وقع في أحابيل الشيطان وضعف عند مواجهة الشهوات ـ لا سمح الله ـ فتراه مشفقاً خائفاً باكياً راجياً رحمة ربه، يستحي منه، سلام الله عليه، فيقوم في الأسحار معتذراً لربه ولمولاه.

وهكذا يصف الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، لولده المهدي - عجل الله فرجه الشريف - شيعته فيقول: «واعلم أنَّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص نُزّع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها. وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة، وهم عند الله بررة أعزّاء، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد، خصّهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العزّ في دار القرار، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى».

-----------------

1. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ..}، (سورة القصص: 71).


ارسل لصديق