في مدرسة كربلاء.. الشباب ينشدون الأمل ويرسمون طريق التغيير
كتبه: علي جواد - قاسم مظلوم
حرر في: 2015/11/23
القراءات: 813

الجميع يحثّ الخطى نحو الحسين، عليه السلام، لا صوب مشهده على الارض - كربلاء المقدسة- وحول ضريحه المقدس، وحسب، وإنما باتجاه اشعاعاته المضيئة التي تهب الحياة للنفوس، وتساعد على التغيير تارةً والاصلاح تارة اخرى. وهذا ما نلاحظه على صعيد الافراد، كما نلاحظه في الجماعات، في اطار المجتمع والشعب والامة بأسرها. وبين هؤلاء الافراد، تبدو للعيان، شريحة غضّة وطرية في تركيبتها البدنية والذهنية والنفسية، فهي في قمة الحيوية، وهي تتحرك بنشاط ملحوظ في أيام محرم الحرام وصفر الخير، لتشارك الآخرين في استقطاب شيء من هذا الشعاع الساطع. إنهم الشباب... حيوية، ونشاط، وطموح و إبداع وتطلع نحو المستقبل... وسمات عديدة اخرى تغري القلم بحسنها وجدارتها. كل ذلك نلاحظه يتجسد في الفعاليات المختلفة لإحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، من مواكب عزاء، وهيئات خدمية، وتجمعات ثقافية وغيرها كثير. فكان لابد من استجلاء الرؤى والافكار من هذه الشريحة الحيوية، للوقوف على نشاطها من جهة، ومكتسباتها من النهضة الحسينية، من جهة أخرى، فكان هذا التحقيق.

 

أينما تجولت وجلست وجالست خلال شهري محرم الحرام وصفر الخير، وجدت الشباب أمامك، بفئات عمرية مختلفة، ربما من مرحلة ما دون الشباب، وفي سن المراهقة، وحتى سن الرجولة، وهم في حالة من الغليان والحيوية قلّ نظيرها في أية مراسيم عامة، او طقوس اجتماعية او دينية في العالم كله. وهو ما يستحضر الحالة النفسية الكامنة في نفس الانسان لدى تفاعله الشديد الى درجة الحب العميق والصادق، بأن يكون في صميم ذلك الشيء، وأن يكون ذلك الشيء في صميمه ايضاً، بمعنى أننا امام محاولة صادقة للتجانس... لكن لماذا كل هذا الجهد؟ وما هي الاهداف والمقاصد؟ فقد جلسنا مع طلبة مدارس وجامعات، ومع كسبة في السوق. الجميع يهتفون بالخدمة للحسين، عليه السلام، فما هي الحكاية...؟!

 

 الفرصة الذهبية للإصلاح والتغيير  

كانت لنا جولة على تجمع الرحمة الرسالي في كربلاء المقدسة، وهو أحد التشكيلات الشبابية التي تعمل تحت رعاية المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- فوجدنا العشرات من الشباب، من فئات عمرية مختلفة، وهم في نشاط دؤوب وعمل واسع النطاق؛ سواء في المحافل القرآنية او اقامة المجالس الحسينية، وايضاً قراءة الأدعية المأثورة اسبوعياً وبشكل منتظم، أو في تنظيم الرحلات التثقيفية، هذا كله الى جانب النشاط الحسيني في هذه الايام تحديداً، الذي حوّل التجمع الى شجرة يانعة تتفرع منها عشرات الهيئات والفعاليات الحسينية، تعمل ليل نهار في كل مكان.

السيد مهدي الأعرجي، المشرف على هذا التجمع، أجاب على ما كنا نبحث عنه بين زوايا التجمعات الشبابية، حول علاقة الشباب بالنهضة الحسينية، وما الذي يكسبونه من الامام الحسين، عليه السلام، فقال بالحرف الواحد: «إنها فرصة ذهبية للشباب لأن يستفيدوا من هذه الاجواء المعنوية في طريق التغيير والإصلاح، فالشاب بطبعه العاطفي، معرّض لمغريات النفس، لذا فان مراسيم إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، تمثل «الطريق السريع للوصول الى المراتب الراقية للشخصية الانسانية، ومثالنا في ذلك الحر الرياحي». 

وكان الى جانبنا، عالم دين آخر وهو شاب يافع ايضاً، عرّف نفسه بأنه السيد حسين الاعرجي، وهو يتولّى مسؤولية إمامة الجماعة في مسجد أمير المؤمنين، عليه السلام، حيث مقر التجمع، أضاف في هذا السياق بالقول: «ان ما يتعلمه الشاب من الامام الحسين؛ تحمل المسؤولية في المجتمع الذي يعيش فيه، وتحديداً؛ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومتابعة أوضاع الناس واحتياجاتهم، الى جانب التحلّي بصفات العطاء والتضحية، ثم يكون قدوة المجتمع في هذه الصفات وغيرها.

وفي هذه الاثناء انضم الينا شاب يافع آخر يواصل دراسته في المرحلة الاعدادية، وفي نفس الوقت، يتولّى مسؤولية ادارة «هيئة كشافة الرحمة»، وقد عرّف نفسه بانه «ليث - أبو بصير المرادي»، وقال: «الامام الحسين، عليه السلام، شعلة في قلوب الشباب وهي تضيء لهم الطريق، بشرط استفادتهم من هذه الفرصة من خلال المشاركة في البرامج الثقافية والاجتماعية». واتفق معه، أمير، وهو طالب جامعي، يعمل ضمن هيئة «عابس الشاكري» الحسينية، فيؤكد باننا نلاحظ العديد من الشباب غير الملتزمين دينياً واخلاقياً، يحصل لديهم تغيير عجيب في سلوكهم في أيام عاشوراء والاربعين».

أما دور هذا الشاب المتوثّب والحسيني في نقل هذه الرسالة الى أسرته ومجتمعه، فأجاب السيد مهدي الأعرجي مبيناً عدة نقاط في هذا المجال:

1- المنبر الحسيني «الشبابي»، بمعنى أن يكون الخطيب شاباً يافعاً، فهذا يترك بالغ الأثر في نفوس الشباب المستمعين.

2- تكوين الصداقات والعلاقات الطيبة والبناءة.

3- توسيع المجاميع الصغيرة، من خلال برامج متعددة، مثل إقامة الرحلات والزيارات وغيرها.

4- التربية الفكرية والروحية، متمثلة في إقامة الأدعية المأثورة بشكل منتظم، مثل دعاء كميل، ودعاء الندبة ودعاء التوسل، وايضاً في المناسبات الدينية مثل؛ الغدير والاربعين ويوم عرفة وغيرها.

وأما عن النشاطات الحسينية هذه الايام؟ فقد أوضح السيد مهدي الأعرجي بأن تجمع الرحمة الرسالي، يرعى مجموعة هيئات وفعاليات حسينية وهي: هيئة الامام الحسن، عليه السلام، وهيئة برير بن خضير، وهيئة علي الأكبر، وهيئة وهب النصراني، وهيئة حبيب بن مظاهر، وهيئة عابس الشاكري، وهيئة كشافة الرحمة، وهذه الهيئة حصراً - يضيف السيد موضحاً- ينشط فيها الشباب اليافعون من طلبة المتوسطة.

الجميع أكدوا لنا تفاعل المجتمع بشكل كبير مع المجالس الحسينية ومختلف الفعاليات الحسينية والثقافية التي تقيمها هذه الهيئات، بل ان بعض الكسبة يتبرعون بما تحتاجه الهيئات من الشاي والسكر والماء المعقم وغيره. واشار الاخ محمد الرحيمي، من هيئة علي الأكبر، باننا سمعنا من بعض الناس، أنهم لم يشهدوا مجالس حسينية في حيّهم السكني منذ سنوات...! لذا فهم ممتنون من هذه المبادرة. علماً أن المجالس الحسينية التي تقيمها هذه الهيئات، هي بالحقيقة، أشبه بالسفراء الحسينيين، حيث ينطلق الشباب من مساجدهم وجوامعهم الى مناطق سكنية بعيدة عنهم بغية إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام.

 

 الحسين، عليه السلام، يساعدنا على الاختيار الصحيح

وفي مكان آخر كان لقاءٌ مع، مصطفى فواز محمد، المتخرّج حديثاً من كلية الهندسة، جامعة كربلاء، حدثنا عن تأثير النهضة الحسينية على منظومة الاخلاق والسلوك لدى الشباب، وقال: ان «الشاب يجد في المواكب الحسينية والتجمعات الموجودة خلال هذه الفترة، مجموعة من القيم ومنظومة اخلاقية عظيمة، ولأن هذه المنظومة الاخلاقية متصلة بأهل البيت، عليهم السلام، فانها تؤثر في أخلاق الشاب وتهديه الى الطريق الصحيح. لذا علينا الاستفادة من هذه الاجواء لفائدة الشباب من خلال المجالس الحسينية التي تقدم مواضيع عقائدية عن التوحيد وعن الولاية و أهل البيت، حتى يعرف الشاب طريقه في الحياة، وطبيعة الشباب في هذه المرحلة العمرية، بحثه عن الطريق الذي يجب ان يختاره في حياته. وهذه الموضوعات هي التي تدله على الطريق الصحيح، وكيفية الوصول اليه، كما في فريضة الصلاة، فهي واجبة، والجميع يدعو اليها، لكن ما هي كيفيتها وطريقتها...؟

وكان الى جانبي أحمد محمد، الطالب في كلية الطب، جامعة كربلاء. اتفق مع صديقه في تأثير المنبر الحسيني في ترسيخ القيم الاخلاقية والانسانية للنهضة الحسينية في نفوس الشباب، ودعا خطباء المنبر الحسيني الى تسليط الضوء على المواقف الاخلاقية والانسانية التي شهدتها واقعة الطف، مثل سقي الحر وجنوده بالماء، وقضية الامام العباس، عليه السلام، مع الماء، وغيرها من المواقف، لها تأثير عميق في نفوس الشباب، وتجعلهم يتغيرون، ليس فقط خلال الشهرين؛ وإنما طول أشهر السنة، وبشكل دائم في حياتهم.

هذا ما كان من المجالس الحسينية، و أجواء عاشوراء والاربعين، لكن؛ هل للإمام الحسين، عليه السلام، تأثير مباشر على حياة الشباب هذه الايام؟

أجاب أحمد بدعوته الشباب لإجراء مقارنة بين الوضع الذي يعيشونه حالياً، وبين الوضع الذي كان عليه اصحاب الامام الحسين، عليه السلام، في تلك الفترة، وكيف وصلوا الى المرتبة السامية والمنزلة العظيمة، يكتشف حقيقة وضعه وما عليه صنعه، كما لو أنه «وسط المعركة، بين جيش الامام الحسين، عليه السلام، وجيش عمر بن سعد»، لاسيما وأن في يوم عاشوراء، هنالك أمثلة و قدوات للشباب في التضحية والوفاء والوعي العميق للأمور. مثل علي الاكبر والقاسم ابن الامام الحسن، عليهما السلام، وبذلك يسهل عليه الحصول على الدروس والعبر.

أما الطالب الجامعي الآخر؛ مجتبى طالب عبد العزيز، من كلية الطب جامعة كربلاء المقدسة، فقد أكد هو الآخر على قدرة الشباب على الاستفادة ما أمكنهم، من النهضة الحسينية لحياتهم ولمجتمعهم ايضاً، فالطالب الجامعي «بامكانه أخذ الكثير من النهضة الحسينية الخالدة، فمن روح التدين التي تبثها مصيبة الإمام الحسين، عليه السلام، إلى قيمة المسؤولية تجاه واقع المجتمع، إلى أهمية بث روح التغيير فيه، يشعر الطالب الجامعي إذا ما عاش في الأجواء العاشورائية، فانه بحق سيكون إنساناً آخر».

 

 ماذا تقول البراعم عن الحسين، عليه السلام؟!

بعد الاستماع الى الطلبة الشباب، كان لابد من أن نعرج على المواكب الشبابية التي تضم ثلّة من اليافعين والبراعم من طلبة المتوسطة والاعدادية، وما هي احوالهم في أجواء النهضة الحسينية، وما الذي وجدوه خلال مراسيم إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام. فكانت لنا جولة قصيرة مع موكب شباب المرتضى الرسالي، ومقره في حي الغدير، وهو الآخر، من التجمعات الشبابية التي تعمل برعاية المرجع المدرسي، في مدينة كربلاء المقدسة والأحياء المحيطة بها.

سجاد رياض، الطالب في المرحلة المتوسطة، تحدث لنا عما يكسبه الشاب من النهضة الحسينية، فانطلق في الحديث من الآية القرآنية: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. وأن على «الشاب أن تتوفر لديه إرادة التغيير، حتى يتغير فعلاً. و اذا اردنا التأثير في الشباب، لابد ان تتوفر الاخلاق الحميدة التي تترك تأثيرها في الشباب، وهكذا فعل رسول الله، صلى الله عليه وآله». واقترح هذا الشاب اليافع على المعنيين على أمر التربية والتعليم في الدولة، ومن اجل تكريس مفاهيم وقيم النهضة الحسينية، أن تكون هنالك حصّة دراسية خاصة في مدارسنا عن منهج الامام الحسين، عليه السلام».

أما الرادود الشاب، عباس الساعدي، فقد أشار الى مسألة مهمة أخرى في هذا السياق، وهي ان يكون التفاعل مع قضية الامام الحسين، عليه السلام، جوهرياً وليس فقط ظاهرياً، باستبدال الملابس الملونة الى الملابس السوداء اللون، لأن «أيام عاشوراء ليست بداية لتغيير الملابس من الملونة الى السوداء، إنما هي مدرسة و منهج، بل محاولة لتغيير النفوس وتنقية القلوب».

وعن تأثير النهضة الحسينية على اخلاق وسلوك الشباب، قال سجاد سرحان: «عندما نعرف لماذا قدم الامام الحسين، عليه السلام، طفله الرضيع، ونعرف انه قدم كل شيء في سبيل الله، نعرف سر الخلود الذي منحه إياه الله - تعالى- .

أما ستار؛ الطالب الآخر في المرحلة الاعدادية، فتحدث لنا عن كيفية صياغة الثقافة والفكر من النهضة الحسينية فقال: «يمكننا التركيز على الحوار الذي دار بين الامام الحسين، عليه السلام، وبين اصحابه. وكذلك خلال مواجهته أعداءه، فهو لم يبادرهم بالقتال، انما حرص على إرشادهم و إصلاحهم على أمل تغييرهم. و أن يعودوا الى صوابهم».

وأيده منتظر غانم، الطالب في المرحلة المتوسطة، بـ «نعم؛ نتمكن من ذلك. عندما نغيّر من واقعنا وواقع أهلنا ومجتمعنا، ولابد من الاشارة الى السر في انتصار النهضة الحسينية، وتتمثل في النية الخالصة لله -تعالى- وهذا ما مكّن الامام الحسين، عليه السلام، من تغيير الحر الرياحي، كما مارست مهمة التغيير من بعده، اخته العقيلة زينب، عليها السلام، من خلال استخدامها اسلوب الاعلام الرسالي».

فيما رأى أحمد عادل، الطالب في المرحلة المتوسطة، بأن «علينا ان نعرف بدايةً؛ لماذا خرج الامام الحسين، عليه السلام، فهو لم يكن يريد إثارة الاضطراب في المجتمع، وإنما لمواجهة طغيان يزيد، وسوء حكمه، ولإعلاء كلمة الاسلام، و راية «لا اله الا الله».

 

 الهيئات و"التكيات" ومسيرة الأجيال

تسعى الهيئات الحسينية في كربلاء المقدسة، بل في كل مكان، الى أن تؤرخ لنشاطها، وتعطيه بعداً تاريخياً عميقاً، فتحرص على تسجيل تاريخ تأسيسها الذي يعود البعض منه الى نحو قرن من الزمن، او يعود الى عقد الاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وبهذا تكتسب هيبة ومكانة لما لها من قصب السبق في الخدمة الحسينية. أما الهيئات الحسينية الشبابية فانها لا تحتاج الى تاريخ، إنما لديها دليل ملموس من العمق التاريخي، وهو حيّ يُرزق، ينبض بالحيوية والعطاء، فمع كبر سنّه وغزو الشيب لشعر رأسه، لا نجد ما يحجب قوة القلب وروح الشباب الكامنة في نفوس من التقينا بهم في أيام عاشوراء الامام الحسين، عليه السلام، وما أكثرهم في المدينة المقدسة.

جلسنا في هيئة شباب القاسم، عليه السلام، وهي عبارة عن خيمة في شارع بين الحرمين، ولكن الهمّة العالية والنشاط الدؤوب، جعل منها مركز استقطاب للزائرين. ومن ابرز نشاطها تسيير موكب القاسم، عليه السلام، على شكل «زفّة عرس» رمزية، بقالب حزين، تقرّب صورة ذلك الشاب الذي ضحى بحياته بين يدي عمّه الحسين، عليه السلام، في سبيل الله. وقد تحدث لنا عن هذه الفعالية الحاج «عبودي» المسؤول عن الهيئة، والذي اشار الى تاريخ تأسيسها في سنة 1980، وفي بلاد المهجر (ايران).

أما عن تجربته في ابتكار موكب «الزفّة»، فقال: «كانت بالحقيقة نوعاً من التحدي، لعدم مراسيم هكذا، ضمن الشعائر الحسينية المعروفة قديماً في كربلاء المقدسة، مثل اللطم والزنجيل والمشاعل ومواكب الهتافات الحسينية وغيرها. إن مجرد وجود شباب يلبسون الابيض في موكب مميز في أيام عاشوراء، بحد ذاته يثير التساؤل والاستغراب. ولكن بعد تجربتين، لعامين متواليين، وبعد أن سمعت اصوات الاعتراض من البعض - يقول الحاج عبودي- «توجهت الى سماحة آية الله السيد كاظم القزويني - طاب ثراه- وأخبرته بالقضية، فقال: شاهدت الموكب بنفسي، ولاحظت أنه استنزل الدمعة من الناس، وهذا يكفي لنا، فدع كلام هذا وذاك، وامض في طريقك...».

وعن دور هذه الهيئات الحسينية في التأثير على الشاب والمجتمع يقول: «نعم؛ من دخل في هيئتنا من الشباب أبصر نور الهداية، فاقلع عن ارتياد المقاهي والعادات السيئة الاخرى. ليس فقط في محرم وصفر وإنما في سائر ايام السنة. لذا نلاحظ أنه في هذه الايام، ما أن ندعو احداً من الشباب حتى يسرع للعمل والمشاركة». و اضاف موضحاً: «ان كربلاء تمثل مدرسة للعالم في العطاء والنشاط والعمل لاحياء النهضة الحسينية. ثم ان المجلس الحسيني يمثل جامعة تقدم القيم والمفاهيم و الدروس والعبر».

وللحديث عن الهيئات الحسينية باسم الشباب، نحتاج الى صفحات كثيرة لايسعها هذا الحيّز المحدود، لكن تجدر الاشارة الى كثرة هذه الهيئات من خلال اللافتات التي يراها الزائر هنا وهناك، وهي تعكس نشاطات كبيرة وهمماً عالية لشباب يجدون شخصيتهم الحقيقية في خدمة القضية الحسينية. فهذه هيئة شباب كربلاء، وتلك هيئة شباب الامام الحسن، عليه السلام، وهناك، هيئة شباب أم البنين، وهكذا الاسماء متعددة وهي تتشح باسماء الأئمة الاطهار وأولياء الله الصالحين. ومن هذه الهيئات التي استوقفتنا في شارع الامام صاحب الزمان، عجل الله فرجه، وهي هيئة شباب الامام الحسن، وقد علّق المشرف عليه، صورة قديمة، اتضح لنا فيما بعد أنها تعود الى الستينات من القرن الماضي، فقد تأسست الهيئة عام 1961، على يد الحاج المرحوم حبيب عليوي علوش، واليوم يتولى الاحفاد مسؤولية إدارة هذه الهيئة ويستمرون في أمر الخدمة الحسينية، من تقديم الطعام والشراب للزائرين.

والمحصلة من هذه الجولة السريعة، أن هذه الهيئات تمكنت من شق طريق الخدمة الحسينية امام الجيل الجديد، مما يمكن القول معه، بأنها تحولت الى مسيرة متواصلة للأجيال، ربما بعد عشر سنوات او عشرين سنة، يأتي شباب جُدد، ويقفون الى جانب آبائهم وهم شباب الوقت الحاضر. وهكذا المسيرة متواصلة دون توقف.

 

 تنظيم الهيئات الشبابية 

من المعروف، أن في الساحة الثقافية في العراق، كيانات وفعاليات ثقافية خاصة بالشباب، تحت مسمّيات عديدة، مثل المنتديات والاتحادات والجمعيات وغيرها. وهذه تعمل على طول السنة، والى جانبها، كيانات وتجمعات شبابية تنشط بشكل ملحوظ في ايام محرم الحرام وصفر الخير، ومنها منتدى القرآن الكريم الذي شارك في تأسيسه، السيد صادق المدرسي، نجل السيد المرجع المدرسي، ومن أجل الوقوف على طريقة عمل هذه التجمعات الشبابية - الحسينية، التقينا سماحته وأجرينا معه هذا الحوار السريع، وسألناه عن الطرق الناجحة لنشر الثقافة الحسينية بين الشباب؟ فقال:

هناك طريقان:

الاول: في تطوير الاساليب. إذ لابد من تدارك الشعور بالملل لدى الشباب من طرح نفس الافكار بأساليب تقليدية، ونحن نعتقد ان الخطاب الديني بشكل عام، بحاجة الى تطوير حتى يلامس واقع الشباب و أفكارهم. والتطوير يكون؛ سواءً في نفس الخطاب او المحاضرة او الدرس وغيرها، او في الخطاب بشكل عام، من خلال الاستفادة من الجانب الفني في طرح الافكار، مثل عرض بعض الافلام الوثائقية وغير ذلك.

الثاني: يرتبط في التركيز على الامور التي تناغم المرحلة العمرية للشباب. فالقضية الحسينية تمثل منظومة متكاملة من المفاهيم والافكار، فما يحتاجه الشباب هو المساعدة على اختيار القدوة من واقعة كربلاء والتأكيد على الربط بين الدروس المستقاة من الواقعة، وبين الواقع الذي يعيشه، والمشحون بالمشاكل و الازمات، سواء في داخل نفسه، من مشاكل روحية واخلاقية، او مشاكل في الواقع الخارجي، من مشاكل الحياة المختلفة. وبذلك تكون له تلك الدروس والعبر وسيلة مساعدة لحل هذه المشاكل.

وعن مسألة الكم والكيف في عمل هذه الهيئات الحسينية، أوضح سماحته بأن «الكم في هذه القضية مطلوب لعدة اسباب:

1- اختلاف الجغرافيا، فعندما تكون في كل منطقة، هيئة حسينية فانها تحيي تلك المنطقة، ومن ثم تكسب الشباب وتربطهم بالهيئة.

2- تعدد الهيئات يكون عاملاً وسبباً في بروز الطاقات والمواهب الشبابية، مثل الرواديد والاداريين وتخصصات اخرى. فقضية الامام الحسين، كلما كانت منتشرة اكثر كان افضل و اكثر فائدة لشريحة الشباب».

وعن رسالته الى الشباب في كل مكان، قال السيد صادق المدرسي: «كما قال سماحة المرجع المدرسي - حفظه الله- الشباب؛ إما ان يشارك في تأسيس هيئة حسينية، وإما ان ينتظم هو ضمن هيئة او حسينية، والمجتمع الذي يكون افراده منتيون في هيئات وتجمعات حسينية، فانه سيكسب الكثير من الفوائد، ثم ان هذه الهيئات لن تقتصر في نشاطها وعملها على الفعاليات الحسينية، إنما توجه اهتمامها الى الجوانب الانسانية، مثل مساعدة الفقراء والمحتاجين. وايضاً مساعدة الحشد الشعبي، فهنالك هيئات حسينية تبنت هذه القضية. كما هنالك تحديات ثقافية، والهيئات لها دور كبير في صد الهجمات الثقافية، كما في مجال تربية وإعداد الجيل القادر على تحمل مسؤولية مواجهة هذه الهجمات. وذلك من خلال الدورات والمنتديات وغيرها».

وعن برامجه للشباب الجامعي، قال سماحة السيد المدرسي: «نحن نعتقد أن المجتمع لن يتمكن من التحليق في سماء العلم والتقدم، إلا من خلال جانحي الحوزة العلمية والجامعة. وبما أن هنالك شريحة واسعة من طلبة الجامعات يحملون بذرة التديّن في النفوس، وهذه النسبة ربما تصل الى 90بالمئة، فنحن بحاجة الى برامج تحفيزية وتشجيعية لتنمية تلك البذور، لاسيما اذا عرفنا ان مفردة «التديّن» لدى كثير من الشباب مقرونة بالقيود والنواهي، فاذا كان هنالك شاب جامعي مُجد في دروسه ومتفوق، كما انه ملتزم دينياً، سيقدم للآخرين صورة عن امكانية إعادة اللحمة بين العلم والالتزامات الدينية. وعدم وجود أي تعارض بينهما. وهذا يتجسد خلال علاقاته الطيبة مع زملائه والاساتذة لإعطاء مزيد من الواقعية لهذا التقارب».

واضاف سماحته «بأننا نلمس حاجة شديدة لدى الشباب الجامعي، الى الجانب الروحي والمعنوي، فهو مفقود في نفوس الكثير منهم، وهؤلاء يشعرون بالحاجة لملء هذا الفراغ، لاسيما بعد اشتداد الازمات والمشاكل ذات البعد المادي، لذا فهو بحاجة الى ما ينفس عن نفسه وهمومه. ثم ان الجامعات لا تقدم للشباب الاجواء المعنوية والثقافية، انما همها إعطاء الدروس ضمن مناهج محددة يتخرج الطالب بجانب محدد ايضاً، لذا يكون الطالب فاقد للرؤية لما يحدث في الحياة، وهذه مهمة الهيئات والمنتديات والفعاليات الحسينية لمساعدة الشباب على تحديد هذه الرؤية وإغنائهم بالفكر والثقافة الاصيلة النابعة من القرآن والكريم والسنة الشريفة. بما يواكب التطورات والواقع الموجود.


ارسل لصديق