الحوزة العلمية ودورها في التغيير الاجتماعي
كتبه: الشيخ طالب مجيد الخفاجي
حرر في: 2016/03/20
القراءات: 669

جاء في المعاجم اللغوية: حَوْز: اسم، يُجمع: أَحْواز، مصدر حَازَ، كما يقال: «سوقٌ حَوزٌ»، رُوَيد أو شديدٌ ، وأرضٌ حَوزٌ: أي: أَرضٌ أُقِيمَ حَوْلَهَا حَاجِزٌ، وَحَوْزٌ: الطَبِيعَةِ بَينَ خَيرٍ أوشَر، وَحَوْزَةٌ: جمع حَوْزَات، وَحَوْزَةُ الإسْلامِ: حُدُودُهُ ونَوَاهِيهْ، كما تقول: فُلان يَحْمِي حَوْزَةَ الإسْلامِ، وحوزة الرجل ملكه، وحوزة الشيخ: مجلسه الذي يلقي على مريديه من العلم. وحوزة البلد ترابه.1

إن واجبات الحوزة العلمية؛ إحداث تغيير في الواقع الفاسد، واجتثاثه من جذوره التي تأصلت في العقول والقلوب والنفوس الشريرة، وإقامة البديل الإسلامي الحقيقي.

والتغيير في المجتمع البشري لا يتحقق إلا في إصلاح النفوس، إي: إحداث تغيير في المحتوى الداخلي للإنسان، وهذا الدور مناط بالحوزة العلمية بالدرجة الأساس، لأنه الشريان الرئيسي الذي يغذي العقول البشرية يرفدها بالعلم والمعرفة، وهما السلاح الأقوى والمؤثر في الصراع والعراك مع أعداء الإسلام والمسلمين وهما قوة من القوى وسلاح من الأسلحة ننزل به إلى الميدان.

فحاجتنا إلى العلم والمعرفة أشد وأكبر من حاجتنا إلى الطعام والشراب، ولا يستطيع البشر الاستغناء عنهما، لأن الإنسان خلق ليعيش سعيداً، وقد هيئت له كُل وسائل العيش وأسباب الرفاهية.

والسعادة لا تأتي عن طريق المعجزة، ولا تعرض على الإنسان، وإنما تأتي بالسعي وبذل الجهد والمثابرة، وبالأدوات النافعة، ومن أهم هذه الأدوات، العقل؛ فهو يحتاج إلى من يضيء له الطريق ليصل إلى الخير، لأن في كل نفس إنسان قوتين متصارعتين، واحدة تدعو إلى الخير والأخرى إلى الشر.

 

أول درس من الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله

أول حوزة علمية تأسست في الإسلام، هي حوزة المصطفى، صلى الله عليه وآله، وكان هو عميدها، وقد أعقبتها حوزات الأئمة الأطهار، عليهم السلام، ثم ورثهم العلماء من التابعين ويطلب منهم أن يحدثوا الناس بنصوصه، صلى الله عليه وأله وماذا قال في حق الإمام علي عليه السلام وهكذا الأئمة الأطهار من بعده.

وكذلك أسس الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، أكبر جامعة إسلامية عرفها التاريخ، من حيث منهاجها المتنوع، وقد تتلمذ على يد عميدها الإمام الصادق، من أئمة المذاهب الأربعة2، وغيرهم من العلماء، وقد تخرج منها كذلك الكثير من المحدثين والقادة الإسلاميين.

فالحوزات العلمية هي الممول الرئيسي للأمة، بالعلم والمعرفة والعقيدة الصحيحة، وقد تحملت أعباء المسؤولية الشرعية والأخلاقية والوطنية في توحيد الناس وإرشادهم وتصحيح أفكارهم، وقد أثبتت جدارتها في المواقف الصعبة التي مرت بها الأمة، فكانت الملاذ الآمن للمؤمنين إذا اشتبهت عليهم الأمور، فكانت كالطبيب الحاذق الذي يشخص المرض بدقة ويصف العلاج المناسب لكل حالة مرضية، فهي التي تعطي الجرعة الملائمة للمريض، فأحياناً يحتاج المريض بعض أقراص الأسبرين وأحياناً يحتاج إلى تدخل جراحي. سواء على مستوى العضو الواحد من الجسد أو الجسد كله.

 

الامر بالمعروف والنهي عن المنكر- الحصانة

فالحوزة هي التي تشخص الحالة ونوع الدواء، ومن الأساليب التي اعتمدتها الحوزة في اصلاح المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقد وصف الإمام الباقر عليه السلام في حديث مروي عنه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنها، أسمى الفرائض واشرفها، جاء هذا في رواية الكافي، وفي التهذيب، أتم الفرائض، وجاء فيه: «إنَّ الأمُر بالمَعرُوفِ والنَهي عَن المُنكرِ سَبِيل الأنْبِياء ومِنهاجُ العُلمَاء، فَرِيضَةٌ عظيمةٌ، بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحل المكاسب وترد المظالم وتعمر الأرض ويُنتَصَفُ من الأعداء ويستقيم الأرض».3

وقد عرّف المحقق الحلّي - قدس سره- «المعروف» بقوله: «هو كل فعل حسن اختصّ بوصف زائد على حُسنه، اذا عرف فاعله ذلك، أو دُلّ عليه. والمنكر كل فعل قبيح عرف فاعله قبحه أو دُلّ عليه».4

و روي في فضل هذه الفريضة وشرفها عن أمير المؤمنين، عليه السلام، قوله: «ما أعمال البر كلها، والجهاد في سبيل الله عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كَنَفْثَةٍ في بحر لجيّ».5

والنفثة، هي: ما يُمازج النفس من الريق عند النفخ، بالنسبة إلى البحر العميق الواسع.

لذا كانت هذه الفريضة هدف الامام الحسين، عليه السلام، في نهضته وثورته الخالدة التي قلعت جذور التحريف والتزييف اللذين أحدثهما الأمويون في الاسلام الاصيل، فدفع دمه الشريف ودماء أهل بيته، وسبي عقائل النبوة ثمناً لإحيائها كما عبر، عليه السلام، صريحاً: «وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي محمد، صلى الله عليه وآله، أريد أن أأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بي أبي طالب». وقال، عليه السلام: «ألا تَرونَ أنَّ الحَقَ لا يُعمَلَ بِه وأنَّ البَاطِلَ لا يُتنَاهى عَنه، لَيرغَبُ المُؤمِن في لِقَاءِ رَبِهِ مُحِقاً».

ومن الطبيعي أن تحظى هذه الفريضة بهذه الاهمية والمكانة العظيمة عند الشارع المقدس، لأن كل أمة - والأمة هي الجماعة التي يجمعها أمر تشترك به ويكون محور اجتماعها ومحط أنظارها - لا يكتب لها البقاء والاستمرار إلا اذا حصّنت نفسها بالتدابير اللازمة من الداخل والخارج ضد الاعداء الذين يريدون القضاء عليها من الخارج.

وما وجود وزارتي الداخلية والدفاع في الانظمة السياسية المعاصرة، إلا انعكاس لهذه الحاجة الحضارية التي تحمي مصالح الافراد والجماعة في الداخل، كما تحمي الوطن من التجاوزات والاعتداءات الخارجية.

إذن؛ فعملية الاصلاح التي هي رسالة الانبياء ومنهج الأئمة، عليهم السلام، {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}، (سورة هود: 88)، إنما تفعل وتطبق على أرض الواقع من خلال هذه الفريضة المباركة والدعوة الى الخير.

ومن دواعي الأسف أن القائمين بهذه الفريضة قليلون في المجتمع، بينما نجد الحاجة كبيرة لإصلاح الفساد. فهذه المعطيات تلزم الجميع وبخاصة أهل العلم والمعرفة ببذل جهد إضافي وبكل ما أوتينا من قوة لإحياء هذه الفريضة المقدسة، سيما وقد تكالب الاعداء علينا من كل صوب ومكان، ولو تتطلب بذل الانفس والمال، من أجل دفع الخطر عن وطننا ومقدساتنا، وعلينا أن نتحمل المسؤولية الشرعية والوطنية والاخلاقية.

وقد حذر النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، في حديث «صعدة بن صدقة»، عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: «قال النبي: كيف بكم اذا فسدت نساؤكم وفسق رجالكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ فقيل له: ويكون هذا يا رسول الله! فقال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم اذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ فقيل له: يا رسول الله، ويكون ذلك! قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم اذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً».6

 

مواقف بطولية لا تنتهي

لقد خرجت الحوزات العلمية منذ عهد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، الى يومنا هذا، علماء ومفكرين وقادة أخذوا - ومازالوا - على عاتقهم ارشاد الناس والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقدمت للأمة عطاءً ثَرَّاً سواء ببذل الانفس، وقد حمل العلماء خشبتهم على ظهورهم من اجل إقامة التوحيد والعدل وتحقيق المساواة والقيم السامية، ولا يسعنا الحيّز المحدود من استعراض مواقفهم وملاحمهم البطولية، ودفاعهم عن عقيدتهم وعن كرامة المجتمع والامة، سواء بالنفس أم المال أو القلم.

هذه الدروس في الجهاد، تعلمها علماؤنا من الامام الحسين، عليه السلام، صاحب مدرسة التضحية والفداء والإباء، فأضحى النموذج المشرق لأهل العلم والمعرفة ممن يروم التغيير الحقيقي في مجتمعه وأمته، حيث أسس لنا مدرسة عريقة في الايمان والصبر والايثار والشجاعة والسماحة حتى مع العدو، ولذا نجد اسماء لامعة في تاريخ الحوزة العلمية لعلماء أفذاذ مضوا على طريق الحسين، عليه السلام. وبذلك تحول العلم والجهاد صنوين لا ينفصلان في مدرسة الامام الحسين، عليه السلام.

وهذا يدعونا للإشارة الى مواقف تاريخية لكبار العلماء أحدثت انعطافات كبيرة في التاريخ الحديث، منها الفتوى المدوية التي أصدرها المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي من سامراء بتحريم التبغ المنتج بريطانياً، والفتوى الاخرى التي اصدرها المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي من كربلاء المقدسة، بتحريم التعامل مع المستعمر البريطاني، وقاد بها ثورة جماهيرية مسلحة عُرفت بـ «ثورة العشرين». ثم استمرت المسيرة مع مواجهة شجاعة للتيارات الفكرية الضالة بهدف حصانة المجتمع من الضياع، وقد واكب علماؤنا بمواقفهم الشجاعة مسيرة الشعب العراقي في مواجهة ظلم وطغيان الحكام، ولم يتوقف الامر بسقوط «صنم بغداد»، إنما استمرت المرجعية الدينية في التصدّي للتحديات الجديدة بثوب «الطائفية» والتكفير، فجاءت فتوى الجهاد الكفائي لتكون القبضة الحديدية التي قصمت ظهر أقوى جماعة إرهابية في العالم الآن، وهي الجماعة التي يجتمع عليها العالم الغربي والشرقي بأسلحته الفتاكة، واجراءاته السياسية وخططه المخابراتية للقضاء عليه دون جدوى. في حين نلاحظ روح التضحية والشجاعة في عروق المؤمنين، هي التي كسرت شوكة «داعش» في معظم المناطق التي احتلها في غرب وشمال العراق.

إن مشاهد التصدّي الشجاع للحوزة العلمية وعلماء الدين للمخاطر التي تحدق بالعراق، جديرة بأن تعطي صورة متكاملة لكل منصف يتحدث عن علماء الدين ودور الحوزة العلمية، والحقائق على الارض، تؤكد ذلك، إذ لولا العلاقة الوثيقة بين جماهير الشعب وبين علماء الدين، لما بقي لنا شيء يذكر من العقيدة والامن والاستقرار.

---------

 * استاذ في الحوزة العلمية

---------

1- معجم اللغة العربية، المعجم الغني

2- المذاهب الأربعة: هم المالكية والحنبلية والشافعية والحنفية

3- وسائل الشيعة/ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

4- كتاب شرائع الإسلام، للمحقق الحلي

5- وسائل الشيعة/ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

6- نفس المصدر أعلاه


ارسل لصديق