مسيرة (السبايا) وإماطة اللثام عن زيف الإعلام
كتبه: علي عبد الخالق
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 510

بعد تحقيق النصر العسكري للجيش الأموي في واقعة الطف، عقد عبيد الله بن زياد اجتماعاً خاصاً في قصر الإمارة، ضمّ شمراً وشبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، تداولوا فيه كيفية إرسال عيال الإمام الحسين، عليه السلام، وما يعرف بـ «السبايا»، الى الشام، عاصمة الدولة الأموية، وتحديداً الى يزيد بن معاوية.

هكذا الأعراف الجاهلية؛ حيث ترسل سبايا الخاسرين في الحروب الى الملك أو رئيس القبيلة والسلطة العليا، وهي تضم أولاً: رؤوس القتلى، ثم حريمه والمتعلقين به، ثم يُسارع الذيليون والمتزلفون الى الفتات من الهدايا والجوائز والامتيازات.

لكن الأمويين كانوا يبيتون أمراً آخر غير الظهور منتصرين، كما هو عهدهم في الجاهلية، وبسبب حنينهم الى تلك الجاهلية، وكونهم «طلقاء»، فقد مهدوا لترميم الواجهة السياسية القبيحة بالتضليل والخداع منذ عهد معاوية، الذي عكف على نشر الاحاديث الموضوعة للإساءة الى أهل البيت، عليهم السلام، حتى تمكن الى حدٍ كبير من السيطرة على عقول وأذهان أهل الشام،وفصلهم عن رموزهم الدينية الحقيقية، فبقيت بلاد وأمصار اسلامية أخرى بحاجة الى تغطيات دعائية وتضليلية مكثفة، برزت الحاجة اليها قبل وبعد واقعة الطف، لذا أشاع الأمويون، وبتأييد وشرعية من فقهاء السلطة والمال، بأن (الحسين، شقّ عصا المسلمين).

 

 «المنازل»، إضاءات للتاريخ

وهكذا؛ كان موكب «السبايا» وسيلة أراد لها الأمويون أن تساعدهم على تكريس الحقائق المزيفة عما جرى في يوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة، لذا يقول المؤرخون أن ابن زياد اختار لقيادة الموكب ثلاثة من أشد رجال الكوفة فضاضة وقسوة، وهم: زجر بن قيس، وأبو بردة بن عوف، وطارق بن أبي ذبيان، وأمّر على الموكب، شمر بن ذي الجوشن. وقد تعمّد ابن زياد اختيار، طريق يكون الأطول والأكثر عُسرة على أهل البيت عليهم السلام، من أجل التعريف بهم بين أهل البلاد التي يمرون بها، على أنهم من بقايا الخارجين عن الطاعة، ومن ثم يوفّر على سيّده في الشام - يزيد- الشرعية لجريمته المهولة ضد الدين والإنسانية.

وحسب المصادر فان ابن ذي الجوشن، كلما مرّ ببلد، سبق اليه موفد إعلامي يروّج للموكب القادم على أنه يعود الى (رجل خارجي خرج على أمير المؤمنين...). فإن جازت الكذبة على القوم مرّ بالبلد، وإذا لم تجز، أو خيف من أهله وفطنتهم ووعيهم، مال عنهم، وطالما مال الركب عن الطريق التي تسلكها الإبل، خوفاً من غضب الناس واستنكارهم، حينما يعلمون أن الركب يعود الى عترة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله.

تذكر المصادر التاريخية حوادث عديدة وقعت في البلاد الاسلامية إثر دخول موكب الرسالة، ومعهم الرأس الشريف للإمام ورؤوس اصحابه.

يذكر المؤرخ، ابن شهر آشوب في (المناقب): «ومن مناقبه - الإمام الحسين- ما ظهر من المشاهد التي يُقال لها مشهد الرأس من كربلاء الى عسقلان، وما بينهما في الموصل، ونصيبين، وحماة، وحمص، ودمشق». وبناءً على ما ذكره، فان الآثار التي تركتها مسيرة (السبايا) أصبحت معلماً تاريخياً يوضح خط السير الذي سلكوه، منها ما حصل في الموصل، حيث أمر الشمر، الوالي الأموي هناك، وقبل دخولها، أن يهيئ لهم احتياجاتهم من الغذاء والأعلاف، وايضاً أن يزين لهم البلدة، فاتفق أهل الموصل ان يهيئوا لهم ما أرادوا، وان يستدعوا منهم ان لا يدخلوا البلدة بل ينزلون خارجها، ويسيرون من غير أن يدخلوا فيها، فنزلوا خارج البلدة على فرسخ منها، ووضعوا الرأس الشريف على صخرة فقطرت عليها قطرة دم، فصارت تشعّ ويغلي منها الدم كل سنة في يوم عاشوراء، وبقي هذا الحال الى أيام عبد الملك بن مروان، فأمر بنقل الحجر، فلم يُر بعد ذلك منه أثر، ولكن بني على ذلك المقام قبة سُميت (مشهد النقطة)، وهذا ما ذكره بنفس المعنى السيد المقرم - رحمه الله -.

وفي مدينة نصيبين، ينقل الشيخ البهائي في «الكامل»، انهم لما وصلوا قرب نصيبين، امر المنصور بن الياس بتزيين البلدة، فزينوها بأكثر من ألف مرآة، فأراد اللعين الذي كان معه رأس الإمام، عليه السلام، أن يدخل البلدة، فلم يطعه فرسه، فبدل له بفرس آخر فلم يطعه، وهكذا؛ وإذا بالرأس الشريف قد سقط الى الارض فأخذه شخص يدعى «إبراهيم الموصلي»، وإذ ابه يجده رأس الحسين، عليه السلام، فلامهم ووبخهم، وقد دفع هذا الانسان حياته ثمناً لموقفه الرافض والمبدئي، فقتله أهل الشام لهذا السبب.

وخوفاً من ظهور المزيد من المعارضين وأصحاب الضمائر الحيّة، لم يدخلوا نصيبين، وإنما مروا بالقرب منها، وهذا ما ذكر في بعض المصادر من مرور السبي منها، ومن «رأس العين»، و»حران»، و"قنسرين"، و"كفر طابا"، و"شيزر"، و"بعلبك".

وعن مدينة «حماة» السورية، يروي المحدث القمي - رضوان الله عليه - يقول: «لما سافرت الى الحج، وصلت الى حماة، رأيت بين بساتينها مسجداً يسمى مسجد الحسين، قال: فدخلت المسجد ورأيت في بعض عمارته ستراً مسبلاً من الجدار، فرفعته ورأيت حجراً منصوباً في جدار، وكان الحجر مورباً، فيه موضع عنق رأسه أثر فيه، وكان عليه دم متجمد، فسألت من بعض خدام المسجد عن هذا الحجر والأثر والدم؟ فقيل لي هذا الحجر، هو موضع رأس الحسين، عليه السلام، وضعه القوم الذين كانوا يسيرون به الى دمشق...».

ومن ابرز الآثار التي تركها موكب «السبايا» في مدينة حلب، ليكون في ذاكرة الأجيال والتاريخ والإنسانية، هو مقام «السقط» الذي تقول المصادر إن إحدى نساء الإمام الحسين، عليه السلام، أسقطت حملها لشدة الإجهاد والتعب، وقد سُمي بـ «المحسن» تيمنّاً باسم المحسن الأول الذي أسقطته الصديقة الزهراء، عليها السلام في الحادثة المعروفة، وقد وجد اسم الحاكم الحمداني، علي سيف الدولة، على القبر، ربما يكون دليلاً على أنه باني القبر. حيث كانت هناك صخرة كُتب عليها «هذا قبر المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام».

 

 الانتصار الاعلامي في عاصمة الأمويين

ولكن عندما وصل الموكب الى الشام، عاصمة الدولة الأموية، اختلف الوضع تماماً لصالح أسرة الامام الحسين، عليه السلام، لأنهم باتوا على مقربة من تحقيق هدف كبير في معركتهم الإعلامية والثقافية، حيث كان في الشام من يدّعي نفسه خليفةً للمسلمين، وكانت الساعات واللحظات التي قضاها موكب السبايا في الشام كافية لافتضاح أمر يزيد وادعاءاته أمام الناس، الذين كانوا يتصورون أنهم ينتظرون سبايا من الخوارج او من غير ملّة الإسلام، وهذا ما تجلّى في دور الإمام زين العابدين، وعمته العقيلة زينب، عليهما السلام، عندما كشفوا كل شيء لأهل الشام، وفي داخل مجلس يزيد نفسه، ومن أبرز تلكم الأدوار، ما جرى في مجلس يزيد، عندما بيّن الامام السجّاد، عليه السلام، هويته وجذوره، ولمن يعود؟ ثم بين حقيقة يزيد وجذوره، ومن يكون؟! كما فعلت من قبل عمته زينب، عليها السلام، في خطبتها الشهيرة والمدوية أمام ذلك الطاغية، وقد أفرغته من كبريائه المصطنع وهيبته الكارتونية:

«أظننت يا يزيد..! حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا على الله هوانا، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده! فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ]».

ثم قالت في نهاية خطبتها:

«ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعول.. فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين».

هنا؛ خشي يزيد انقلاب الأمر عليه، فسارع الى إخراج الموكب سريعاً من الشام، وتوجيههم الى المدينة، لينهي بذلك أول فصول المواجهة بين معسكر التضليل والتحريف، وبين معسكر الحق والحقيقة، لتبدأ فصول أخرى لم يدركها يزيد، لأن دوي النهضة الحسينية، وهتافات «هيهات منّا الذلة» عصفت بالبلاد الاسلامية، فأنهت حالة السبات والغفلة، وأعطت دفعاً قوياً لحركة الوعي والثقافة، فأطاحت بأمراء وحكام، حتى النهاية الأبدية للحكم الأموي.

-----------

1- ابن شهر آشوب/ مناقب آل أبي طالب/ ج 3/ ص235.


ارسل لصديق