الانتماء والتخلص من العشوائية
كتبه: علي الحسيني
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 114

مطلق العلوم الإدارية تؤطر بالأطر النظامية لتبتعد عن طاعون العشوائية ابتعاداً تاماً، وتضع الهياكل التنظيمية لتدير الحياة الشخصية للإنسان، حتى قيل: «حيث النظام تجد الطعام وحيث الفوضى تجد الجوع والانتقام».

ويُعد الاهتمام بالنظام من الامور الاساسية في التقدم والنجاح، لأن الفوضى والتخبط والعشوائية - على الأغلب - لا تؤدي الى نتائج مرضية بشكل تام، فحتى لو نجح شخص ذكي على أساس الفرص السانحة، فانه مع الاستمرار سيتعرض الى الفشل عندما يبتلع فرصة غبية معطرة بريح العشوائية وخالية من نسب النظام القوية.

فلو اسقطنا نظرة تأملية للنمل لوجدناها تسير بخطوط مستقيمة ونظامية، كالجنود في المعسكر، لا تتصادم نملة مع أخرى مهما كثرت اعدادها.

يقول الرب الرحمن - تعالى- عن النبي سليمان في قصته، عندما كان يقود جحفلاً ضخماً من قواته وجنوده، واقترب الى وادي النمل: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، بمعنى أن احدى النملات تعمل كشرطي المرور لتنظم السير والعبور وتوجه الانذارات لدى وجود مخاطر في الطريق.

الحال ذاته بالنسبة للنحل؛ حيث تعيش أنواع عديدة في مستعمرات كثيرة تتكون من ثلاث طبقات؛ الشغالة، والذكور، والملكات، حيث يوجد مئات من الذكور واكثر من الشغالات وأنثى واحدة تُعد من الملكات.

فإذا النمل والنحل تعيشان حالة النظام وبهذه الدقّة المتناهية، فما يجب عليه أن يكون حال الانسان، وقد كرّمه الله - تعالى- على من خلق؟ فهل يصحّ له العيش بعشوائية وحالة اللانظام.

ولطالما أكد الاسلام على مبدأ النظام في حياة الانسان من خلال التأكيد على خروج الانسان من قوقعة الذات والانطلاق في رحاب التعاون مع افراد المجتمع على البر والتقوى.

يقول أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، عليه السلام، في آخر وصية له لأولاده: «أوصيكم بتقوى الله، ونظم أمركم» أي اتقوا الله في تنظيم اموركم ولا تدعوها فوضى فتدمركم.

لذا ومن أجل التخلص من سرطان الفوضى والدخول الى جنة الحياة النظامية، على كل فرد في المجتمع بالانتماء الى تجمعات ايمانية تكون كنواة يدور حولها الأفراد، فكلما حاول الفرد ان يعيش حالة العشوائية في حياته ليحمل شحنة سالبة، سوف يجذبه التجمع الإيماني (النواة) الحامل للشحنة الموجبة القوية، وبهذا يعود الفرد الى مساره النظامي تحت تأثير قوة جذب التجمع له.

إن الفرد ضمن التجمعات الايمانية كالسفينة في المياه القوية، إذ لا تستطيع السفينة شق طريقها بعكس اتجاه الماء، كذلك الفرد لا يستطيع الخروج عن مسار التجمع الايماني بذريعة البحث عن دور مميّز له، فهذا ربما يسقطه في مستنقع الذات ومن الأهواء والنزوات.

لذا فان التجمع الايماني يخرج الانسان من قوقعة الانغلاق والتمحور حول الذات الى الانفتاح على الآخرين، ومن ثَم يخرجه من ظلمات نفسه الى نور الحق ومن سجن أنانيته الى رحاب الواقع، ومن ظلام الانغلاق الى بصيرة الانفتاح، ومن ثم ينفتح السبيل امام تكميل كل فرد نواقصه بما لدى الآخرين من جواهر الصفات.


ارسل لصديق