لنبدأ من ذواتنا في مكافحة (الديكتاتورية)
كتبه: عبد الكريم الحافظ
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 1038

كشفنا السر في نشوء الديكتاتور وصعوده الى قمة السلطة.. فقد كتب ونظّر وتحدث الكثير طوال العقود الماضية عن الدور الأساس للشعب والأمة في صناعة الحالة الديكتاتورية في شخص ما. وقد ظهرت على الساحة تيارات ثقافية وفكرية تدعو الشعوب الى النهضة والتغيير والإصلاح، وتقبّل كل الفواتير، من تضحيات وآلام من اجل التخلص من الحاكم او النظام الديكتاتوري. بيد أن تحمّل الشعوب في غير بلد اسلامي هذه المسؤولية والمضي قدماً في التغيير الكبير والواسع، وتقديمه التضحيات الجسام، لم يحُل دون ظهور ونشوء ديكتاتوريات بأشكال ومظاهر جديدة، مما يعني الحاجة الى رؤية جديدة وثاقبة لهذه الظاهرة للتخلص منها الى الأبد، وليس القيام بعمليات ترقيعية او حلول سطحية.

وعندما نعرف أن الشعب له دور في نشوء الديكتاتورية، بمعنى أننا بصدد العلاج الجذري للديكتاتورية، ليست فقط كممارسة سياسية، إنما كحالة ونزعة انسانية. فالعبارة من الناحية اللغوية، تعني - على الأغلب- الاستبداد بالرأي، وعدم السماح للآخرين بالمشاركة في اتخاذ القرار. وهي حالة تستمد جذورها من النفس الانسانية، فكما ان الانسان تجتاحه احياناً نزعات الكِبر والغرور والغطرسة، فانه معرضٌ دائماً لحالة للاعتداد بالنفس والتسيّد على الآخري، فما الفائدة من مكافحة الديكتاتور في قالب الزعيم والرئيس، اذا كانت لدينا بذور الديكتاورية في نفوس افراد المجتمع؟

واذا ابتعدنا قليلاً عن الجهاز الحاكم، والقينا نظرة خاطفة على المجتمع بكل شرائحه، ومعه الطبقة المثقفة متمثلة في منظمات مجتمع مدني ومؤسسات ثقافية ودينية، نجد آثار وترسبات لحالة الديكتاتورية باشكال وكميات مختلفة. بدءاً بالمجتمع الصغير، وهو الأسرة، فان ثمة حالات لديكتاتورية مقيتة تتجسد احياناً في الأب او الأخر الأكبر، بل حتى في الأم وأي فرد يتولى دور القيمومة على الأسرة. ثم نخرج الى ميدان العمل، فنجد الحالات التي لا تعد ولا تحصى في الدوائر الحكومية او في محيط العمل بالقطاع الخاص بشكل عام. وانتقلت العدوى الى المحيط الثقافي الذي يفترض ان يكون المصدر والنبع المغذي للذهنية العامة بمفاهيم احترام الآخر والبناء وتحمل المسؤولية وسائر القيم والمفاهيم الاخلاقية والانسانية. وكما اسلفنا فان القضية تعود الى نزعة نفسية في كوامن الانسان، فعندما يجد البعض نفسه في موقع يحتاجه الناس، ويقفون امامه طلباً لقضاء اعمالهم وحوائجهم، يبدأ الاختبار العسير فيما اذا كان قادراً حقاً بأن يشارك في ذلك النضال الحقيقي لمكافحة الديكتاتورية، أم انه ضعيف امام نزعته النفسية الى حد الخضوع والانحناء امامها لتظهر الديكتاتورية بوجهها القبيح أمام الآخرين، فيما تغيب عنهم ملامحه الانسانية والاخلاقية.

وهناك اعتقاد سائد، بأن الجماعات والتيارات التي رفعت لواء مكافحة الديكتاتورية، كانت منشغلة بالهمّ السياسي ومقارعة النظام بالوسائل المختلفة، دون الهمّ الاجتماعي والتربية النفسية والاخلاقية، بيد أن هذا لن يكون بأي حال من الاحوال تبريراً معقولاً، لاسيما اذا كانت لا تجهل مساعي الديكتاتورية الحزبية أو الفردية التي شهدنا في بلادنا، في تكريس هذه الحالة الشاذة في النفوس، من خلال ترويج ثقافة القسوة ولغة العنف والاستفزاز والاستقواء على الآخرين. فعندما يتعرض الأب وهو رب الأسرة، او مدير الدائرة او الضابط أو المعلم ، الى الاهانة والتنكيل لاسباب تافهة على يد شخص متنفذ وذو قدرة سياسية وعسكرية فائقة، فانه طبقاً لنظرية الفعل ورد الفعل، سيبحث عن المجال الذي يفرغ فيه ذلك الرد، او ربما تتحول الى شحنات تذكي فيه - آجلاً- نار الاستبداد والكبرياء وقمع الطرف المقابل.

ولعل العراق يكون أبرز الأدلة على نجاح الانظمة الديكتاتورية في تكريس ثقافتها الهدامة في المجتمع مقابل تراجع ملحوظ في الدور الثقافي والتربوي من لدن الجماعات المعارضة للديكتاتورية.

من هنا؛ يبدو اننا امام استحقاق قديم - جديد لعملية تصفية ذاتية لترسبات الديكتاتورية  في النفوس، قبل البدء بعملية استئصال الديكتاتور من قصره او من على كرسي الحكم، حتى نضمن عدم وصول ديكتاتور آخر الى هذا الكرسي. هذا المشروع يراه بعض المفكرون أنه اصعب بكثير من عملية التصفية الجسدية للحاكم، لانه شخص واحد، بينما نحن أمام مجتمع وشعب بأكمله.. بمعنى أن المسؤولية تقع على الجميع، وتكون البداية من الأسرة والمدرسة والدوائر الحكومية وايضاً الجماعات السياسية والمؤسسات الثقافية، أما الآلية؛ فليس افضل من تقديم النموذج العملي من قبل الجميع، قبل الشروع بالقاء المحاضرات ونشر الافكار والنصائح، إنما تكون العملية على شكل «تواصي» متبادل، فالجميع يوصي الجميع بالمشاركة في اتخاذ القرار، واحترام الآخر وتحمل المسؤولية. 


ارسل لصديق