ديكتاتوريات في القصور وأخرى في النفوس
كتبه: مراقب
حرر في: 2012/05/03
القراءات: 1246

تواصل النخبة السياسية في مجتمعاتنا مساعيها لقطف ثمار "الربيع العربي"، فمنها من وصل قمة  السلطة أسرع من غيره، مثل ليبيا، ومنهم من يسعى لذلك كما هو الحال في اليمن وتونس ومصر، ومنهم من ينتظر في سوريا والبحرين. بينما تبحث الشعوب – ليس اليوم إنما دائماً- عن ثمار "حراكها" وثورتها وتضحياتها، في الشارع وفي وضح النهار، او تحت أقبية السجون المظلمة. فهل التظاهرات الاحتجاجية التي اسقطت هذا الصنم و ذاك، كانت بهدف إقامة صنم آخر؟! أم لتحقيق تغيير أساس يقتلع جذور الاضطهاد والظلم، علماً إن أهم مميزات "الربيع العربي"، تقدم الشعوب الى صف الطليعة في قيادة الثورة، فالتغييرات الكبيرة التي شهدتها مصر وتونس واليمن وليبيا، إنما قادتها "فيسبوك"، وليس حزب جماهيري، ولا حتى شخصية قيادية معروفة، لتسجل الشعوب هنا سابقة تاريخية، بعد ان كانت منقادة خلف هذا الحزب وذاك الزعيم في العهود الماضية.

واذا القينا نظرة سريعة على الواقع الاجتماعي في بلادنا، نجد ان معظم المشاكل والازمات لا ترتبط كليةً بالنظام السياسي الحاكم، إنما هو يقوم بتكريس الامر الواقع الذي يخدمه، سواء على الصعيد الاقتصادي، حيث السباق للإثراء، و على الصعيد الاجتماعي نجد حالة الميوعة والتحلل الاخلاقي، حتى وان كان ذلك على حساب الآخرين، وتجاوزاً على القيم الدينية والمفاهيم الانسانية.

واذا كان ثمة مواجهة بين الانظمة الديكتاتورية وبين المعارضين يوماً ما، فهي حول هذه النقطة تحديداً، لانها تعلم جيداً ان مسألة القيم والمبادئ والامور المعنوية في المجتمع، تعد القاعدة الاساس لقناعات الناس وثقافتهم التي تنظم حياتهم، فان كانت الثقافة، دينية – اخلاقية مستمدة من أصول الدين والعقيدة السمحاء، فان الجماهير لن تكون مستعدة بأي حال من الاحوال الانصياع للقوانين والاوامر المناقضة لثقافتهم وعقيدتهم. وأصدق مثال على ذلك، النظام البعثي – الصدامي البائد في العراق، فقد كان اكثر ما يخشاه ومنذ أيامه الاولى، من الصوت الرفيع النافذ الى القلوب والمحبب الى النفوس، بحيث يجعل الانسان امام واقعه وذاته، ويدعوه للبدء بعملية التغيير الداخلي، وفي خطوة لاحقة التغيير الخارجي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن هذا الصوت، لا يستهدف النظام الحاكم وحسب، إنما يقتلع جذوره الفكرية والثقافية في المجتمع، فالعراق لم يكن يحكمه شخص "صدام"، كذلك مصر وسائر البلاد، إنما هناك عقول وافكار تخطط بصمت.

وهنا يكمن دور النخبة في اجواء الثورة والتغيير، فظواهر سلبية من قبيل الفساد الاداري والمالي وحتى الجنسي، او المظالم في التعاملات المختلفة، لم يأت بها الرئيس الديكتاتوري او الملك الطاغية والظالم. نعم؛ انهما مسؤولان عن سيادة البلاد وأمنه وثرواته والسياسات الداخلية العامة، تبقى التفاصيل يتداولها الناس فيما بينهم. لذا فان الجماعة او التنظيم او الشخصية القيادية الناجحة في عملية التغيير، تلك التي تدعو الناس الى تحمل مسؤولية التغيير الشامل، وليس فقط التغيير السطحي والظاهري، وإلا فان عمر الثورات العارمة والكبيرة ليس بالطويل، إنها فترة محدودة تتخللها التظاهرات والمصادمات، ثم يحصل التغيير وكلٌ يذهب الى حال سبيله، تبقى خارطة الطريق التي يجب ان يسير عليها الناس على وقع هذه الثورات. الى ذلك أشار سماحة المرجع الديني آية الله السيد محمد تقي المدرسي "دام ظله" في حديث له، حيث حذر من مغبة الانقياد خلف الجهة او الشخص الذي يرفع عن الانسان المسؤولية في الحياة، ويبعد الناس عن واقعهم، تطبيقاً للمقولة الشائعة: "ليس بالامكان أحسن مما كان".

لقد رفع المتظاهرون وما يزالون في البلاد العربية الشعار الذكي: "الشعب يريد إسقاط النظام"، وعلى النخبة ان تكون ذكية هي الاخرى، وأن تطالب باسقاط كل المظاهر السلبية في المجتمع، من صغيرها، الى كبيرها، دون استثناء او استصغار، فالتجارب علمتنا أن الحكام الطغاة والظلمة والمستبدين، لم يدوموا على كرسي الحكم، لولا سكوت الناس عليهم، ولولا سكوتهم ايضاً على التعديات والتجاوزات التي تقع فيما بينهم، وكذلك التجاوزات التي تطال القيم والمبادئ التي ترتكز عليها حياة الانسان، ليس في بلادنا، بل بلاد العالم كلها، ولعل نسائم التغيير هذه، تكون خير مناسبة لتعيدنا الى أصولنا وجذورنا الدينية. أما اذا سقطت الديكتاتوريات في القصور الرئاسية ولم تسقط في النفوس، فان ثوراتنا، ورغم التضحيات الجسام التي يقدمها اخواننا واخواتنا، ستكون عامل منتج لديكتاتوريات جديدة وصغيرة. وهكذا تبقى الشعوب في دوامة الديكتاتوريات، ولن تكسب سوى الازمات والمشاكل والمحن.


ارسل لصديق