شهداء العقيدة والإيمان ... تضحيات على طريق الحسين، عليه السلام
كتبه: محمد علي جواد - قاسم مظلوم الكرعاوي
حرر في: 2015/11/21
القراءات: 1368

الحديث عن «الشهيد»، ليس كالحديث عن أي انسان آخر، للمواصفات التي يتميز بها والمكانة التي بلغها، وقبل ذلك؛ للدوافع والاهداف التي انطلق منها للتضحية بدمه والاقدام على الموت بكل ثقة واطمئنان، ولذا نلاحظ الشعوب والأمم الناهضة تحتفي بشهدائها، لأنهم إنما استرخصوا دماءهم وضحوا بأرواحهم لتستمر الحياة ويعيش الآخرون بكرامة وسعادة في ظل قيم ومبادئ سامية.

واذا كان الأمر كذلك، فنحن في العراق، أحرى وأجدر من أن نسلط الضوء على شخصية الشهيد، لأن الارض التي أريق عليها دمه، والقضية التي دفعته، لأن يسترخص نفسه من أجلها، تختلف كثيراً عما جرى في سائر بقاع العالم. ففي العراق، بقاع مقدسة، وشعب مؤمن بقيم حضارية ومفاهيم انسانية، الى جانب الارض - التراب- والعرض والكرامة الانسانية، كلها تعرضت لتهديد ماحق من جماعات ارهابية وتكفيرية.

وحتى نعطي الجانب الانساني حقّه - بما نستطيع- كان لزاماً علينا إجراء هذا التحقيق، حتى نقف - ولو للحظة- عند هذه الشريحة المتميزة والاجواء الاجتماعية التي نشأوا فيها، من أب وأم وزوجة، و أسرة وعشيرة، ومعرفة دورهم الكبير والمباشر في مجمل التحولات التي يشهدها العراق وايضاً دول المنطقة، بل العالم بأسره.

 

 الانطلاق تحت رايات «يا حسين»

في أول خطوة رفعناها باتجاه بيوت عوائل الشهداء في كربلاء المقدسة، قفزت أمامنا الحقيقة التي طالما تغيب عن البعض، وهي حالة الغنى التي عليها هؤلاء، رغم ما يروج له البعض، من أن «الفقر هو الذي يدفع بأبناء المناطق الفقيرة والمحرومة خدمياً، لأن يتوجهوا الى جبهات القتال. فقد شاهدنا الغنى ولمسناه لمس اليد، عندما وجدنا الاجماع بين آباء وأشقاء الشهداء على أن العقيدة والايمان، والولاء لأهل البيت، عليهم السلام، والغيرة على الارض والعرض، هو الذي يبعث الشجاعة وروح التضحية في نفوس الآلاف من الشباب اليافع، وفي مقتبل العمر، لأن يرصّوا الصفوف ويواجهوا الجماعات التكفيرية، فمنهم من يستشهد ومنهم من ينتظر...

الشهيد البطل علاء عبد محسن الجحيشي، الشاب في العقد الثالث من العمر، غادر زوجته وخمسة أطفال، أكبرهم سنّاً في الصف الثالث الابتدائي، متوجهاً الى جبهات الحرب ضد الارهاب التكفيري، ليس هذه الايام، إنما في الايام الاولى من الهجمة الشرسة والغادرة التي تعرض لها العراق العام الماضي، وعندما حللنا ضيوفاً في بيته، وجلسنا للحديث مع شقيقه؛ الاخ حيدر، كان قد مرت الذكرى السنوية الاولى لاستشهاده، فقد كان مع شقيقه الشهيد، ضمن الطلائع الاولى من «الحشد الشعبي» الذين أمّنوا على المقدسات وعلى الاعراض، في ناحية «جرف الصخر» شمال كربلاء المقدسة، والتي كانت تمثل رأس حربة الارهاب التكفيري منذ سقوط الطاغية، لقربها من المدينة المقدسة، وبعد التحرير حملت اسم «جرف النصر».

«...كنّا سوية في قاطع واحد، وفي نفس الفوج، وفي نفس المكان، نقاتل في ضوء فتوى الجهاد التي أصدرتها المرجعية الدينية. فكانت له إجازة لزيارة عائلته، لكن قبل الموعد المقرر، فجأة غيّر رأيه وقال: لن اذهب الى الاجازة، إنما اريد الشهادة...! وما هي إلا ايام، ونخوض معركة شرسة، كان شقيقي علاء بين شهداء هذه المعركة».

هنا، تتوجه الانظار الى موقف الأب من ابنه الثاني الموجود في الجبهة. فعندما اراد الانسحاب بهدف رعاية العائلة، منعه الوالد وقال: لن تعود الى بيتك، إنما تواصل القتال وتستمر على الطريق الذي مضى عليه أخوك». وما يزال هو المشجّع - يضيف- «ويحثنا على القتال في سبيل الله، وشكراً لله على ان قدمنا القليل دفاعاً عن العقيدة وعن المقدسات، فاذا لم تكن هذه التضحيات والدماء، فمن الذي يدافع ويحمي الارض والعرض، وهذا بحد ذاته شرفٌ لنا، والشهيد علاء، مفخرة لنا ورفعةً لرؤوسنا». ويكشف هذا الشاب المؤمن عن حقيقة هامة للغاية بأن «الشهادة لا ينالها أي شخص، فهي درجة عالية تختص بمن يرتقون الى العلا، ونحن، انشاء الله، مستمرون في القتال في صفوف الحشد الشعبي حتى النصر».

وعن مصدر القوة التي يتسلّح بها ابطال الحشد الشعبي والقوات المسلحة في حربهم ضد قوى التكفير والضلال، قال الاخ حيدر: «ان العزم والقوة نأخذها من أهل البيت، عليهم السلام، وإلا فنحن في بداية الأمر لم نكن نملك سوى بنادق «كلاشنكوف»، وكل واحد منّا كان لديه بندقية مع مخزنَي رصاص فقط! ومن دون خوذة ولا تجهيزات عسكرية ولا دروع، بينما الطرف المقابل كان مستعداً بالعدّة والعدد والتخطيط الكامل، بمعنى أن الدخول الى الجرف، كان يمثل الدخول الى الموت، ولكن كان الوضع آنذاك، عبارة عن سباق بين المجاهدين الابطال على القتال والشهادة، وهذا هو الذي حقق الانتصار الكبير على الارهابيين وتمكنا من اجتثاثهم نهائياً من هذه المنطقة».

هذا الشعور كان متطابقاً مع ما بينه لنا والد الشهيد السيد علي تحصيل الزاملي، الذي استشهد في منطقة الكرمة بقضاء الفلوجة، حيث أبدى لنا إعجابه الكبير بالمعنويات العالية التي وجدها عند ابنه الشهيد، فقد رآه يهرول نحو الشهادة ولا يطيق الحياة، علماً أنه متزوج وله طفلٌ عمره ثلاث سنوات. يقول هذا الرجل الصبور: «ان الدافع الاساس لانطلاق الشهيد، هو العقيدة والايمان والالتزام بفتوى المرجعية، و أن يلقى الله بطيب خاطر وقد أدى واجباً انسانياً. وبفضل دمائهم تعيش الناس اليوم بآمان».

ومشاعر مماثلة وجدناها لدى والد الشهيد ثامر كامل الكركوشي الذي كان بنفس الهيئة المتزنة والصلبة التي وجدناها في آباء الشهداء الآخرين، وهو يتحدث بلغة المربي والناصح، عن ولده الشاب في الثلاثين من العمر، وكان قد هيأ له مقدمات الزواج، على أمل تحديد موعد لعقد القرآن. ثم بين لنا بكثير من الاعجاب، ان ابنه تحول الى عالم آخر؛ عالم التضحية والفداء في سبيل القيم والمبادئ، فلم يهدأ له بال - يقول الوالد الكريم- وهو في فترة اجازة بيننا، إلا ان يعود الى وحدته العسكرية، وقد اكتسب خبرة عالية في سلاح المدفعية، ويتولى مسؤولية «معين مدفعية»، في صفوف الجيش العراقي البطل، وكان شديد الحرص على عمله، وأن لا يتأخر ساعة عن وحدته العسكرية، وفي اللقاء الاخير، قطع اجازته وقرر العودة فجأة، والسبب؛ إن احد اخوانه يحتاج الى اجازة ضرورية لمتابعة أمر معالجة زوجته المريضة.

وعندما نعرف أن الشهيد ثامراً، هو أحد مؤسسي موكب الامامين الكاظمين في «حي الوفاء» بكربلاء المقدسة، تنبلج امامنا دروس التضحية والايثار التي اقتبسها هذا الشهيد السعيد من واقعة الطف، ومن سيد الشهداء الامام الحسين، عليه السلام.

شقيقه الاكبر؛ الأخ ابو كرار، كان الى جانبنا، وأكد هذه الحقيقة بالقول: «إن منزلة الشهيد عظيمة جداً وهي فوق كل شيء، لذا فان بلوغ شهيدنا الغالي هذه المنزلة تُعد مفخرة لنا، لأنه مضى على طريق الحسين».

 

 السبيل الى تعميم ثقافة التضحية والشهادة

لمن يبحث عن سر الاقدام والاندفاع العجيب لدى الشباب المقاتل في جبهات الحق ضد الباطل، ما عليه إلا أن يلقي نظرة عميقة على المحيط الاجتماعي الذي ينشأ فيه هؤلاء الشباب الابطال، وأول علامة ترتفع امامنا رايات «لبيك ياحسين»، ومظاهر الفعاليات الحسينية من هيئات وتكيات ومواكب تنشط في ايام عاشوراء وأربعين الامام الحسين، عليه السلام، حيث خدمة الزائرين بالطعام والماء والمأوى والطبابة وكل شيء. وإلا ما الذي يجعل والد الشهيد علاء الجحيشي، يحثّ ابنه الثاني على مواصلة القتال رغم استشهاد ابنه الاول؟! ينقل لنا الاخ حيدر- شقيق الشهيد-: «لهذا السبب رجعت الى جبهات القتال بعد عشرة أيام فقط من استشهاد أخي، في منطقة  الرمادي، ومنها انتقلنا الى المعتصم، بسامراء، ومازلت مستمراً في هذا الطريق».

والد الشهيد ثامر الكركوشي كان واضحاً ودقيقاً في هذا الجانب، عندما دعا خطباء المنبر الحسيني وعقد الندوات والملتقيات لتثقيف الناس على التضحية والشهادة ودورها في صيانة المقدسات والاعراض، بل وأكد بأنّه «يرى قابلية لدى الشباب على استيعاب هذه التوجيهات، فإنّ لديهم تفاعلاً واندفاعاً كبيرين، لذا علينا أن نحثّ الشباب و أبناء البلد على هذه الثقافة ليندفعوا الى القتال والدفاع عن البلد بكل قناعة و إيمان. لان القضية اصبحت، قضية حق وباطل».

وأضاف الاخ ابو كرار في هذا السياق: «ثقافة الشهادة تأتي من خلال التربية الأسرية، بأن يعلم الاب ابنه، كما يعلمه كيفية المشاركة في الشعائر الحسينية ونصب التكيات، ومن خلال التواصي بين الاصدقاء وأبناء المجتمع، والتأكيد للجميع بأن الشهيد لا يذهب من اجل المادة والمكاسب الدنيوية انما يقاتل في سبيل الله». واشار الى دور فتوى المرجعية الدينية في انطلاق العاصفة الجماهيرية وتشكل القوى العسكرية لمواجهة «داعش»، موضحاً انه لم يكن يتوقع حصول كل هذا التطوع الواسع في العام الماضي، إلا أن الاستجابة السريعة لفتوى المرجعية غيّرت نظرته، وجعلته يفكر هو ايضاً بأن ينضم الى القوات المسلحة لمقاتلة قوى الارهاب والتكفير. «فأنا لست بأفضل من الذاهبين الى سوح الجهاد ويضحون بأرواحهم».

من جانبه دعا شقيق الشهيد علاء الجحيشي الى «الانتناه أولاً؛ الى وسائل الاعلام التي تبث سمومها نحو الشباب بالدرجة الاولى. ثم الاسرة، مما يتوجب عقد ندوات ومهرجانات جماهيرية تشجع على ثقافة التضحية والشهادة في سبيل الله، على خطى الامام الحسين، عليه السلام، فهو لم ينهض من اجل الدنيا والسلطة، إنما ليواصل مسيرة جده النبي الأكرم، لذا علينا أن نُسمع صوتنا الى الناس جميعاً، من خلال عمليات تثقيف جماهيرية في كل مكان».

 

 عوائل الشهداء.. أمانة

قبل أن نتحدث بشيء عن هذا الموضوع في سياق الحديث عن شهدائنا الكرام، أفضّل تذكير القارئ بما صنعه أمير المؤمنين، عليه السلام، مع تلك المرأة الأرملة مع ايتامها، بعد معركة خاضها، وكان معيل هذه العائلة بين الشهداء. لقد طرق الباب، وهو وحده دون احد يرافقه، كأي انسان آخر، ولما فتحت المرأة له الباب، قدم لها كيساً من الدقيق من باب المساعدة، فقالت - مضمون القصة- جزاك الله خيراً، وهذا ما لم يفعله علي بن أبي طالب...! فلم يعبأ الامام بهذا الانتقاد الجارح، انما واصل مهمته، بأن يساعدها على شؤونها في البيت، فقالت له: انت اشغل الاطفال وانا اسجر التنور لصنع الخبز. وهكذا؛ قام الامام، عليه السلام، بوضع لقمة الخبز بيده الكريمة، في أفواه الايتام، وهو يردد بصوت منخفض: «كل يا بني واغفر لعلي بن أبي طالب...»!

ان الامام أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو ذلك الشخص - الرمز والمتكامل، والقائد الفذّ، لم يكن السبب في ترمل تلك المرأة او غيرها، ولم يسئ الى أحد قطعاً، إنما هي الفتن المظلمة التي خلقها آباء وأجداد «الدواعش» آنذاك، مع ذلك، لا يترك هؤلاء نهباً للجوع والحاجة وخطر هدر الكرامة الانسانية.

كل من التقيناهم اتفقوا على كلمة واحدة في هذا السياق، وهي: مسؤولية الدولة والمعنيين بأمر القوات المسلحة، بأن تلتفت بقوة الى عوائل الشهداء والمضحين، فالشهيد الذي بذل دمه في المعارك، يمثل جزءاً من المجتمع، فهنالك أب وأم وزوجة واطفال، وبعض الشهداء الذين سقطوا في جبهات القتال كانوا معيلين لعوائلهم، وللحقيقة نقول: بين الوضع الذي تعيشه هذه العوائل الكريمة والمتعففة، وبين ما يفترض ان تقدمه الحكومة والدولة بشكل عام، بونٌ شاسع وخطير في آن. فأول ما يستحقه الشهيد، ليس المال والامتيازات المادية، إنما التكريم والدعم المعنوي، وهذا أمر واضح للجميع، فمن يغيّب الموت عزيزاً عليه، يصَبْ بانهيار نفسي وانتكاسة وضغط شديد، حتى وإن أخفى ذلك تجلّداً. فالزيارة البسيطة لنائب مجلس المحافظة او حتى المحافظ او النائب او الوزير، وأي مسؤول آخر للخيام التي تنصب لمجالس الفاتحة على أرواح الشهداء في كربلاء المقدسة، وسائر المدن العراقية، هي بالحقيقة بلسم شافٍ للجرح وتسكين للألم وتطييب للخاطر، اضافة الى الشعور العارم لدى الأب والشقيق والأم ايضاً، بل جميع الاقرباء والاصدقاء، بأن شهيدهم كان ذا قيمة عالية في المجتمع والدولة، وفقدانه له تأثير كبير ولابد من سد هذه الثغرة وهكذا... بل وأضيف على ذلك؛ امكانية تشكيل وفود نسائية من قبل المؤسسات الثقافية والخيرية، لزيارة أمهات الشهداء وتطييب خواطرهن وتذكيرهن بالمنزلة التي لديهنّ كونهن يكررن نفس المشهد الذي جرى على نساء الامام الحسين واصحابه يوم عاشوراء، وايضاً جميع النساء اللاتي شاركن رجالهن في الجهاد ضد حكام الجور والظلم.

لكن لنتساءل؛ ماذا يحدث لو لم يحصل كل ذلك بالشكل المطلوب...؟!

نعم؛ «أهل الخير موجودون». وهذا شعار نرفعه عالياً في كل مكان، نظراً لتأصل القيم الاخلاقية والدينية في اوساطنا، بيد ان المسؤولية كبيرة - حقاً- إزاء الارامل والايتام والامهات الثكالى. وقد سمعنا من والد شهيد، كيف أن اصدقاء الشهيد (ابنه) متمسكون بإحياء ذكراه رغم مرور فترة طويلة على الاستشهاد، كما يأتونه بين فترة واخرى ويسألون عن احواله واوضاعه، وفي مبادرة جميلة من هؤلاء الشباب، دعوا هذا الرجل الكريم، في اليوم الخاص بالقاسم، عليه السلام، في محرم الحرام، حيث أعدوا للشهيد وسط الشارع، «سفرة القاسم» الشهيرة، والتي تحوي على قطع الحلوى والازهار والحناء والشموع المضاءة وغيرها مما يوحي الى قضية «العرس» الرمزية، انها عبارة عن عمل رمزي بسيط في «حي الغدير» بكربلاء المقدسة، حيث دُعي الأب وحفيده (ابن الشهيد) ليكونوا وسط الشموع الخاصة بالقاسم، وفي نفس الوقت استذكار الشهيد البطل الذي ضحى بشبابه وبدمه على خطى القاسم وابطال الطف.

إن قضية حقوق عوائل الشهداء، والمطالبة بها ليس من شأن هذه العوائل، إنما الدولة هي التي يجب ان تبادر لتثمين تضحيات الشهداء، باجراءات خاصة تطيّب الخاطر وتهدئ النفوس وتكرّم الآباء والاشقاء، لا أن يشهد هؤلاء حالات التعقيد والتعجيز في متابعة الامور الرسمية للشهيد، من شهادة الوفاة والراتب التقاعدي والحقوق الاخرى المنصوص عليها. ولا أن يكون والد الشهيد او شقيقه متابعاً للقضايا الرسمية لشهيدهم، كما لو كانوا، كأي مراجع آخر حول الماء والكهرباء والمحاكم والدوائر الرسمية الاخرى!

 

 الشهداء على لسان العلماء

الى جانب الحديث مع عوائل الشهداء، وجدنا من اللازم زيارة العلماء والخطباء لبلورة الفكرة وإغنائها اكثر، لتكون الصورة واضحة للمجتمع والامة، ويعرف الجميع مسؤوليتهم إزاء مفهوم الشهداء والتضحية، وايضاً منزلتها واهميتها الحياتية. كانت لنا زيارة لسماحة الخطيب، آية الله السيد مرتضى القزويني - حفظ الله- وطرحنا بين يديه جملة اسئلة تتعلق بالشهادة والشهداء، كما فعلنا الشيء نفسه مع سماحة الشيخ طالب الخفاجي، أحد اساتذة الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، وهو أب لشهيد ايضاً. فكانت أجوبة سماحة السيد القزويني كما يلي:

 

 ما هي العوامل  التي كرست ثقافة التضحية والشهادة في نفوس افراد القوات المسلحة العراقية، حتى باتوا يتقدمون الى ساحات القتال ويضحون بأرواحهم؟

 

- يقول الله - تعالى- في كتابه المجيد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

هنالك عدة عوامل منها:

1- وجود الآيات العديدة والأحاديث الشريفة عن الجهاد والقتال في سبيل الله، ولاسيما فيما يتعلق بنهضة الامام الحسين، عليه السلام، وغيرها من النصوص والتطبيقات العملية على أرض الواقع، والتي جسدها أبطال الاسلام، وفي طليعتهم أمير المؤمنين، وشهداء صدر الاسلام، من الصحابة الابرار، كل هؤلاء، يمثلون لوحة كبيرة من التضحية امام شبابنا و أبنائنا، فعندما يقرأون التاريخ ويسمعون من الخطباء سيرة هؤلاء الابطال، وما قدموه في سبيل الله، يبعث في نفوسهم الشوق الى الشهادة.

2- رؤية الشهيد قبل استشهاده، قصره في الجنة، ومنزلته الرفيعة، كما فعل الامام الحسين، عليه السلام، مع اصحابه قبل استشهادهم، عندما كشف لهم عن منازلهم في الجنة. لذا فانهم لايخافون من الموت، بل يشتاقون اليها. لان الموت عند الشهيد هو لقاء الله تعالى.

3- جاء في الحديث المروي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله - ما مضمونه-: أن الله اعطى الشهيد سبع خصال لم يعطها لأحد منها: انه عندما تسقط اول قطرة دم على الارض يغفر له الله ذنوبه كلها، والخصلة الثانية: انه ما أن يسقط على الارض حتى يجد رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين في الجنة. والثالثة: ان الله - تعالى- هو الذي يتولّى بقبض روح الشهيد وليس ملك الموت.

 

 كيف نعمم هذه الثقافة في المجتمع؟

 

- انها مسؤولية وسائل الاعلام وايضاً الخطباء والكادر التدريسي والتعليمي ابتداءً من الثانوية والاعدادية وحتى الجامعات. كما هو واجب الآباء والأمهات، أن يشجعوا جميعاً على هذه الثقافة، استلهاماً من شهداء الطف. لدينا امثلة عديدة منها: ذلك الشاب النصراني الذي شجعته أمه على القتال والاستشهاد بين يدي الامام الحسين، عليه السلام، فهي لم تقبل منه إلا ان تراه شهيداً بين يدي الامام، وهذا ما نشهده في العراق، لذا نرى توافد المقاتلين الى جبهات القتال بفضل التعبئة الاعلامية والاجواء الاجتماعية والثقافية المشجّعة.

 

 رعاية عوائل الشهداء مسؤولية من؟

 

- الدولة؛ بالدرجة الاولى، فهي تتولى قيادة المعارك، وهي التي تنظم وتسلح. ثم ان الجماعات والتنظيمات التي تجنّد المتطوعين، عليها مسؤولية رعاية عوائل الشباب الذين يذهبون الى الجبهات ضمن تشكيلاتهم وتنظيماتهم، بأن يضعوا ميزانية خاصة لرعاية عوائل الشهداء. كما هي مسؤولية جميع فئات المجتمع، ومنها الهيئات الحسينية والمواكب التي تنشط هذه الايام، بامكانها ان تسهم في هذا المجال ايضاً، وان يتم توجيه الناس لمساعدة ودعم عوائل الشهداء، فاذا كانوا يخدمون الزائر الذي يخاطر ويضحي من اجل الزيارة والوصول الى مرقد الامام الحسين، فمن الحري بهم ان يرعوا ايضاً من ضحى بدمه من اجل الاسلام وقيم النهضة الحسينية. 

 

 هل تعطي ثقافة التضحية روح الأمل في النفوس لتغيير الواقع الفاسد؟

 

- يقول الله في كتابه المجيد: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، بمعنى أن الله وعد المؤمنين الذين يقاتلون من سبيله، بالنصر. بشرط أن يكون القتال والجهاد خالصاً لوجه الله - تعالى- لا لمقاصد سياسية او مكاسب مادية، حينئذ تذلل جميع المشاكل والصعوبات الموجودة في الحياة.

وأما سماحة الشيخ طالب الخفاجي فكانت إجاباته كما يلي:

 

 ما هي العوامل  التي كرست ثقافة التضحية والشهادة في نفوس افراد القوات المسلحة العراقية؟

 

- من أهم العوامل التي غرست العقيدة والإيمان في نفوس المقاتلين هي:

أولاً: حقّانية وعقلانية المبدأ (الرسالة).

ثانياً: القدوة الصالحة والفاعلة في المجتمع، والمتمثلة بأهل البيت، عليهم السلام.

ثالثاً: الوعد الإلهي للشهداء بالأجر والثواب.

 

  كيف نعمم ثقافة الشهادة والتضحية في المجتمع؟

 

- يمكن ذلك من خلال الفكر الناهض، والقدوة الصالحة، وهما بحاجة إلى وسائل وأدوات حديثة، لايصال الفكرة الى المجتمع، كالقنوات الفضائية، والانترنيت والكتابة و الخطابة والمحاضرة، ويشترط بهذه الأدوات والوسائل أن تكون مشروعة. فلا يجوز لنا أن نقول: ما دام هدفنا مقدساً (الشهادة في سبيل الله)، فإنّه يجوز لنا استخدام الوسائل والأدوات كيفما اتفق، سواءٌ أ كانت مشروعة أم غير مشروعة، فلا يجوز لنا أن نردد: «الغاية تبرر الوسيلة».

ومن الوسائل المشروعة؛ المنبر الحسيني الواعي والهادف، لأن الامام الحسين، عليه السلام، قام بثورته لإصلاح ما أدخله بنو أمية في الدين من تزييف وتحريف. ولأن ثورته، عليه السلام، استهدفت تحرير الانسان، فكراً وسلوكاً و إرادة، ولأنها من مقومات الفكر الاسلامي القائم على العدل الخالص والحق المحض، فحريٌّ بنا أن نقتدي بها في معركتنا مع «داعش» من خلال تضحياتنا بالأموال والأنفس والثمرات حتى تحقيق النصر أو الشهادة.

 

 رعاية عوائل الشهداء مسؤولية من؟

 

- إنها مسؤولية الجميع، وكلٌ بحسب موقعه، وبالأخص الدولة، فهي المسؤولة عن رعايتهم وتوفير السكن اللائق لهم، وايضاً توفير لقمة العيش التي يحفظون بها كرامتهم أمام الناس، وهذا أبسط حقوق المواطن على الدولة.

 

 كيف ترى تأثير دماء الشهداء على سلوك وثقافة المجتمع؟

 

- إن الشهادة في سبيل الله، تسبب حالة نورانية في المجتمع، وفي قلب الافراد، وإن القلب الذي يدخل إليه الصفاء وتحصل له عملية الجلاء، تزول عنه الظلمات والشكوك، كما سيتضح أمامه الطريق إلى الشهادة. ثم إن كلمة «الشهيد»، بحد ذاتها، تحيط بها حالة من القدسية والتعالي والسّمو، وبذلك يكون عاملاً فاعلاً قوياً ومؤثراً في أثارة دفائن العقول، وأحاسيس ومشاعر المؤمنين، وروح التحدي والدفاع دون العقيدة والمقدسات والعرض والوطن والأرض.

 

 هل تعطي ثقافة التضحية روح الأمل في النفوس لتغيير الواقع الفاسد؟

 

- نعم؛ إنه من المتيقّن أن الله سبحانهُ وتعالى، حينما شرع الجهاد والقتال حيث قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا}،(سورة البقرة/190)، كان يعلم أن فيه مصلحةً لعموم الناس، من استتباب أمنهم وحماية ممتلكاتهم.

ونحنُ في العراق قد أبتلينا ومن زمن بعيد، بعدو لا يعرف منطق العقل، ولا لغة العدل والانسانية، متمثلاً بالجماعات الارهابية والتكفيرية وعلى رأسها «داعش»، التي تنفذ مهمة الفتك بالمسلمين وتصفية كل من يتعارض مع منهجها الفاسد، فصار واجباً علينا أن نقاتلهم دون عقيدتنا وأعراضنا ومقدساتنا.

في الوقت ذاته، نشير الى أن الحرب مكروهة وغير محببة في سيرة النبي الأكرم وأهل بيته، صلوات الله عليهم، فهم دعاة السلم والسلام، إلا بعد استنفاد كل المساعي مع الاعداء.

ونحن في العراق الجريح قد فشلت مساعي السلم كلها، مع الطرف الآخر، ولم يبق لنا خيار إلا القتال والتضحية بالأموال والاولاد، متوكلين على الله، ومستلهمين الدروس والعبر من الامام الحسين، عليه السلام، وأهل بيته وأصحابه، وببركته فقد حققنا النصر على أنفسنا وعلى الأعداء، والدليل على ذلك، ما حققه حشدنا وقواتنا الامنية من الانتصارات الساحقة في سوح القتال على «داعش».


ارسل لصديق