وقفة مع العقل
كتبه: الشيخ إبراهيم الميلاد
حرر في: 2015/11/27
القراءات: 611

عندما لا يتحرك العقل سيبدو للإنسان بأن كل شيء من حوله متوقف وساكن وهو الذي بدوره سيزيد الفكر جمودا والارادة ضعفا، وبالتالي سينتهي بالحياة الى التقهقر والتخلف ومن هنا تتكشف أهمية العقل ودوره في النظرة للكون والحياة والمجتمع ووظيفته في انبثاق الحضارة وتشييد دعائمها وإقامة صروحها.

ان العقل متى ما تحرك تحركت معه الحياة ومتى ما توقف توقفت، فكيف يمكن تفعيل العقل؟ وماهي العقبات التي يمكن ان تقف في طريق نموه وانطلاقته؟ وكيف يمكن الوقاية منها وتجاوزها؟

قبل الإجابة لابأس ان نذكر بالحقائق التالية:

- يشكل العقل جوهر الانسان وبه يكون التكليف وعلى مداره يدور وبه يتحقق الاتصال بالواقع الخارجي وما به من عوالم ومن دونه لا معنى للنمو والتكامل والبناء الحضاري.

- للعقل دفائن قد أودعت فيه تكوينا وهي رهينة آليات استخراجها وعلى رأسها التفكير والنظر والتجربة والتفاعل مع الحياة واحداثها.

- العقل جزء من كيان الانسان وقوة من قوى روحه وبالتالي فإنه في نشاطه وفاعليته يتوقف في الجملة على مجموع وضعية عناصر ذلك الكيان لما بينها من تداخل وتفاعل.

- لا يعرف العقل الا بالعقل من خلال ما له من آثار كالعلم وما اشبه ومن طلبه عن غير ذلك الطريق لم يجده وضل ضلالا بعيدا اذ انه لا شيء أوضح منه ليعرف به ثم كيف يكون هو الدليل لغيره ثم لا يكشف عن نفسه؟!

- انما تتجلى قيمة العقل من خلال فاعليته ونشاطه بالتفكير والتفقه والتذكر وما اشبه من عمليات ذهنية يراد بها التنبيه والتذكير والبحث والتحقيق واكتشاف المجهول.

هذه جملة حقائق ربما الالتفات اليها واستحضارها يجعل من هوية العقل اكثر وضوحا للمتأمل في هذا المجال.

والآن: وقبل ان نتعرف على السبيل لتفعيل العقل من الضروري ان نحيط علما بالموانع التي يمكن ان تقف امام فاعليته ونشاطه وأداء دوره على الوجه الأكمل في طلب المعرفة وتحقيقها:

الموانع والمعوقات

1/ الجهل

حقيقته عدم العلم «المعرفة»، وإذا ما علمنا بان وظائف العقل لا تُكَوِن ولا تُنتِج إلا بشرط؛ توفر المعلومات والمعطيات الضرورية في مادة التفكير، سهل لنا ادراك كيف يكون الجهل، احد معوقات نمو العقل ونشاطه وفاعليته.

وربما توفرت تلك المعطيات من خلال مبادئ العقل نفسه او من خلال المعنى والفكرة والعدد والتجربة والحس وما اشبه.

2/ الهوى

وهو هنا ميل النفس للشهوة وهو ما سيكون له نوع ضغط على الإرادة من جهة بحيث يمكن ان يصل الى درجة يصرف فيها اهتمامها او يضعفها عن ان تعطي العقل ما يكفي من الجهد والوقت لإدراك الحقائق وهو ما سيشل او يقلل من فاعلية العقل ونشاطه في المعالجة والإدراك.

وفي الحقيقة ان كل ما يمكن ان يكون من موانع الإدراك او معوّقاتها انما مرجعه في النتيجة الى احد هذينِ المعوقين «الجهل او الهوى» بل حتى الجهل ربما كان احد اسبابه اتباع الهوى.

وعليه فان بؤرة المشكلة تكمن في الهوى واتباعه والخضوع له والتحرك وفق إملاءاته مما يؤدي الى إقصاء العقل وحجب او اضعاف الإدراك نتيجة الضغط على الإرادة او مصادرتها وتوظيفها من قبل النفس وما تشتهيه.

وهذا ما يمكن استفادته من ظاهر القرآن الكريم حيث حذّر من خطر كل من الجهل واتباع الهوى وكيف أنهما مصدر الضلال والإضلال.

قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}، (سورة ص: 26)، والنهي عن اتباع الهوى انما هو لأضراره وأخطاره، وجاء مطلقا مع حذف المتعلق الذي يفيد بدوره العموم ليشمل ضرورة اجتنابه في كل شيء لأنه سيكون على نحو التأكيد سببا من أسباب الضلال الذي يمكن ان يتسع ليشمل ما هو بمساحة ﴿سبيل الله، ﴿فيضلك عن سبيل الله، وهو ما لا حدود له سعة، كما هو معلوم وهو ما يكشف عن سعة ما سينتهي اليه الهوى من ضلال في حالة اتباعه والانقياد له على حساب كل ما هو حق.

وقال تعالى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، (سورة الإسراء: 36)، وهو نهي عن اتباع الجهل بالحكم على الأشياء استنادا اليه في اي شيء كان فان المحذور في الكل واحد وهو ان الجهل لا يولّد الا جهلا وبالتالي لا يمكن ان يكون سببا للمعرفة والعلم لان «فاقد الشيء لا يعطيه».

وما ينبغي تأكيده هنا هو ان العلاقة بين الجهل والهوى علاقة جدلية بمعنى ان كل واحد منهما يمكن ان يكون سببا للتأثير في الآخر والسقوط في إشكاليته وهو ما نجده مجموعا في قوله تعالى: {إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}، (سورة الأنعام: 119)، وفي قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ}، (سورة القصص: 50). فالمشكلة في المعرفة البشرية مزدوجة ومركبة من هذه الثنائية «فكرية - الجهل ونفسية - الهوى» والتي يمكن ان يفضي احدهما الى آخر ولا تنافي في ان يكون احدهما اكثر خطورة من الآخر.

وليس المخرج من هذه الدائرة والوقاية منها إلا في قوله تعالى: {فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}، (سورة الجاثية: 18)، فالاتباع والسير وترتيب الآثار انما يكون للحق والعلم لا للهوى ولا للجهل سواء كانا منبعثينِ من الذات او من الغير لان حقيقة كل واحد منهما واحدة وحكم الأمثال واحد.

لذا ليس صدفة ان نجد القرآن الكريم يصرح بان المنهج القويم في ادراك الحقائق يقوم على كل من دعامتي: «التزكية والتعليم» وهو ما قد كلّف به الأنبياء وعملوا به وبلغوه، كل في زمانه {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ}، (سورة آل عمران: 164) و{وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}، (سورة البقرة: 129)، فعلمنا بالأمر بالتزكية ضرورة اجتناب الهوى اذ لا تكون تزكية الا بضبطه وتوجيهه وكذا علمنا بالأمر بالتعلم التحذير من الجهل وكيف انه من أسباب الجهل والضلال.

وهذا باب من أبواب العلم الذي تحدث عنه القرآن بإسهاب في الكثير الكثير من الآيات حيث امر بالعلم وحذر من اتباع الهوى كما لا يخفى على المتتبع لآياته الكريمة.

وبالتالي فان ما عدا الجهل والهوى من الموانع والمعوقات كالاتباع الأعمى للآباء والمجتمع والسلف والتعويل على الظن والغضب وما اشبه يكون مرجعه عند التحليل إليهما معا او لأحدهما منفردا بشكل او بآخر.

 

 آليات في تفعيل العقل

إضافة الى اجتناب كل ما هو معوق او مانع كما تقدم إجماله ثمة ممارسات جلها فكري من شأنها عند اتباعها ان ترتقي بحسب قوتها ودقتها وديمومتها بالعقل الى درجات الفاعلية والنشاط وبالتالي الإنتاجية المطلوبة من خلال كشفه للحقائق وأمره ونهيه!.

وأهمها ما قد ذكّرنا به القرآن ودَلّ عليه التنبه الذاتي بالوجدان:

- التعلم: وهو لا يكون الا بالتواضع والتلقي والنظر.

- التفكر: وبه تكون اثارة العقل والانتقال من المعلوم الى المجهول

- التفقه: ولا يكون الا بالفهم العميق وهو يتطلب المزيد من الرغبة والدقة والسعة والشمول.

- التدبر: وهو لا يكون الا بالنظر المتأني في ابعاد المعاني وما يمكن ان تنتهي اليه.

- النقد: وهو ما يكون بالتأمل لإدراك مواضع الحسن وضده.

- التذكر: وهو استحضار المعاني بعد غيابها لتحقيق ما لها من آثار.

- التعقل: محاولة ادراك المعاني كما هي في واقعها.

- الاستنباط: وهو عملية منطقية تتوقف على تفاعل مقدمات تفضي الى نتائج محددة.

- التشاور: مبادلة الآراء للاهتداء الى الأفضل من بينها.

- الاعتبار: الاتعاظ الناتج من الانتقال من المعلوم الى المجهول بعد التأمل والنظر في الآثار.

وليست هذه على تعددها الا بعض ما يمكن ان يكون عليه العقل والفكر والإدراك من حالات ووضعيات ومنهجيات عندما يتحرك بفاعلية وراء اكتساب الحقيقة والوصول الى المعرفة كما هو شأنه باعتباره قوة الإدراك ولا يكون شيء منها الا به علما بأنها درجات ومراتب تختلف وتتعدد باختلاف ظروف ذاتية وموضوعية يمكن ان يكون عليها الإدراك والاحوال التي يمكن ان تكتنفه. كما انها من حيث الشدة والضعف والجودة وعدمها والإتقان وعدمه ترتبط بمدى الممارسة والتعود والاستمرارية فهي كلها من هذه الجهة «ملكات» و«مهارات» ويجري عليها حكما ما يجري على مثيلاتها من المسميات حيث تكون وتتطور وتتكامل بمزيد من الممارسة والاداء.

 

 من تجليات العقل في الاجتماع السياسي

انما يعرف العقل به من خلال آثاره اذ لا سبيل لإدراك كنه ذاته تماما كما يمكن التعرف على النور من خلال كشفه للأشياء اذ ان ذلك من آثاره الواضحة فمن طلب العقل بغيره ضَل ومن أراد الاستدلال على وجود النور بغيره لم يهتدِ أبدا وضل ضلالا بعيدا. وللعقل البشري تجلياته التي تظهر من خلال السلوك اقوالا وأفعالا ازاء الأحداث والأقوال والافعال وهي «التجليات» تختلف «فعلا وانفعالا» باختلاف البشر فيما هم عليه من طباع وأمزجة وتربية وثقافة ومحيط.

ويمكن تأكيد تلك الحقيقة من خلال الشواهد المروية التالية:

- «العقل ما عبد به الرحمن». حيث ان العبادة هنا من آثار العقل حيث انه يدرك وجوب طاعة المولى وحسن الانقياد اليه وقبح المعصية والتمرد عليه.

- «اذا كمل العقل نقص الكلام». فقلة الكلام من جملة علامات العقل ودرجة من درجات كماله وهو ما يدركه العاقل لعلمه بان «من كثر لغطه كثر غلطه». فكثرة الكلام تستلزم بحسب العادة كثرة الغلط ومن جملة سبل تقليله الالتزام بقلة الكلام.

- «المرء مخبوء تحت لسانه تكلموا تعرفوا». فمن خلال الكلام يمكن معرفة ما عليه العقل من فطنة وكياسة ورجاحة عقل او على العكس منه أوليس الكلام رسول العقل؟!.

- «اعقل الناس من جمع عقول الناس الى عقله». اذ ان الانفتاح على رأي ذوي العقول الراجحة من شأنه ان يعزز مكانة العقل وقوته على ادراك الحقائق وذلك اثر آخر من الآثار على وجود العقل وفاعليته وحسن أدائه.

هذا، وإنما سقنا هذه النماذج لنؤكد على حقيقة ان للعقل تجلياته التي تدل عليه خاصة وتعد من آثاره لنجعل منها مدخلا للحديث عن تجليات العقل في الحياة الاجتماعية السياسية لأهميتها وخطورتها.

عندما نصغي لنداء العقل ضمن هذه الدائرة «الاجتماعية السياسية» فإننا نجد أنفسنا بين الحقائق حيث يقررها العقل ويؤكد عليها لسلامة الرأي والموقف:

- حفظ الحقوق وأداء الواجبات ضمن اي إطار وباي مقدار كانت لتوقف النظام عليها اذ من دونها ستدخل الحياة في دوامة من الفوضى والاضطراب الشاملينِ.

- حفظ الحريات والكرامات لمدار الانسانية عليهما وجودا وعدما وأنهما يشكلان كسائر الحاجات الضرورية خطا أحمر لا يقبل التجاوز او الانتهاك.

- المحافظة على الامن والاستقرار العامينِ لكونهما ارضية كل نمو وقاعدة البناء والتقدم والازدهار ومن دونهما كل الإنجازات ستكون عرضة للخطر والسقوط والدمار.

- إقامة العدل ونشر المساواة بوصفهما شرطا الاندماج الحقيقي والتعايش الواقعي ومن دونهما «العدل والمساواة» لن يكون الا التنافر والتنازع والشقاق.

- التمسك بقيمة التعاون والتكامل ضمن إطار الحق والخير والرفاه لما يؤديان اليه من مزيد مدنية ورقي حضارة.

هذا، وأما مكانة العقل في التشريع ودوره في الاستنباط فهذا له مجال آخر ربما تأتي مناسبة للحديث عنه!.


ارسل لصديق