المَخْرَجُ سؤالانِ لا ثالثَ لهما!
كتبه: الشيخ إبراهيم الميلاد
حرر في: 2016/09/19
القراءات: 489

من يقرأ تاريخ الاسلام منذ اللحظة الاولى للبعثة النبوية والى يومنا الراهن وما قد مر به الاسلام والمسلمون والأمة من احداث ساخنة ومنعطفات خطيرة، ومــــا تركت وراءها من آثار متنوعة ومتعددة بين إيجابي وسلبي؛ لابد ان يطرح على نفسه سؤالين اثنين محيرين بالفعل؛ الاول: كيف استطاع نبي الاسلام، صلى الله عليه وآله، أن يحقق كل ما قد حققه من انتصارات وإنجازات في زمن قياسي لا يتجاوز ربع قرن من الزمن؟

و الثاني: لماذا بدأت الأمة الانحدار من قمة الحضارة الى حضيض التخلف؟

هذان السؤالان، من جملة الاسئلة التي ينبغي على المسلمين طرحها على أنفسهم اذا ما أرادوا الخروج من دوامة التخلف الذي عصف بواقعهم الحضاري منذ قرون.

ولكن قبل الاجابة يحسُن بِنَا ان نلتفت الى جملة الحقائق التالية:

1/ ان لحياة الانسان فردا كان او جماعة، أجلاً لا يعدوه، وعمراً لا يتخطاه، وهي الحقيقة التي تكشف وتؤكد مدخلية الزمن وأخذه بالحسبان في كل مسيرة او نهضة، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الفكر والإرادة والعمل على حد سواء؛ فالزمن هو الإطار الذي لا يمكن الخروج من دائرة تأثيره البطيء المتدرج، بل هو النهر الذي يجري باستمرار ليحمل كل شيء الى نهايته المحتومة شاء ام أبى.

2/ كون الحياة رهينة الزمن بالنسبة لكل شيء ومنها الحياة البشرية؛ وهذا لا يعني بأن الانسان مسلوب القدرة، على ان يستثمر لحظات الزمن لصالحه، وان يحولها الى فرص متجددة للإنجاز والتقدم والتكامل؛ فلقد وهبت السماء الانسان العقل والارادة وهما اعظم ما يشتمل عليه كيانه وبهما - اذا ما أحسن تفعيلهما وتوجيههما بالاتجاه السليم - يستطيع ان يحقق ما يتطلع اليه ويعمل من اجله، وهكذا يلعب كل من العقل والارادة، دورهما في بناء الحياة وانبثاق الحضارة.

3/ دور الدين في الحياة وصبغتها الحضارية العامة إنما يكمن في قدرته الهائلة على تعزيز ثقة الانسان بذاته، وان يثير له العقل، ويشحذ له الإرادة، ويرسم له سبل التكامل لتكون الحياة والحضارة كلاهما يتحركان بالاتجاه الذي يتوافق مع الفطرة والطبيعة، ويبتعدان عن جميع عوامل السقوط وأسباب الانحدار.

4/ ان الحياة مهما علت فاعلية وانجازات وحققت من صروح مدنية وحضارية شامخة ستبقى عرضة لكل ما يمكن ان يعترض الأشياء من عوامل التآكل والضعف والفناء وتلك حقيقة تكوينية اخرى من جملة ما قد يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر في الحضارة البشرية من حقائق عالم الإمكان.

ويبدو أن هنا مكمن كل ما يواجه الانسان فعلا من تحديات كبرى، ويجد نفسه مجبراً لا محالة، على مواجهتها ومحاولات التغلب عليها بكل ما قد أوتي من قوة الفكر وصلابة الإرادة.

هذه الحقائق، وما تتوقف عليه، وما يمكن ان يتشعب منها، هو مما لا بد من استحضاره كلما اراد الانسان من ان يشخص ظاهرة من ظواهر حياته او حالة من حالات واقعه، وان يسعى جاهداً من اجل فهمها وتفسيرها وإيجاد الحلول الحاسمة لها؛ فالزمن وطبيعة الحياة وما يعصف بها من تحديات، وقدرته على مواجهة كل ذلك، هي المبادئ الأولية لكل حياة جادة وفاعلة وكريمة، وبالنتيجة؛ لا حضارة من دون الالتفات لكل ذلك وأخذه بعين الاعتبار، بل وبناء كل مجاري الأمور على اساسه.

وإذا كان الالتفات لذلك كله من شأنه ان يؤدي الى انبثاق الحضارة وتكاملها، فان الغفلة عنه من شأنه ان يعرض كل الجهود والمساعي للضياع والزوال، لأنها ستكون أشبه شيء بالماء الذي لا يتحرك ضمن قنوات محددة، من حيث المبدأ والمنتهى، ليتدفق هنا وهناك، من دون إطار يجمعه، ولا اتجاه يتحرك فيه ولا هدف ينتهي اليه ويصب فيه.

ان الحضارة لا يمكن ان تولد من دون إطار، ولن تنمو وتتكامل من دون فكرة وهدف، ولن تبقى وتستمر من دون مبادئ وغايات.

فاذا استطعنا بعمق، فهم كل ذلك، سَهَل علينا في الجملة، الاجابة على السؤالين المتقدمين، اللذين يدوران حول كيفية انبثاق الحضارة الاسلامية؟ وكيف انتهى بها الحال الى ما قد انتهى بها من تخلف وجمود؟

 

 مساوئ الجاهلية و مكارم الأخلاق

الجواب على السؤال الاول: يمكن التعرف عليه بالالتفات الى ما بعث به رسول الله، صلى الله عليه وآله، واتى به للناس كافة، وهذا بدوره يمكن التنبه اليه بالتعرف على مجمل ما كان عليه العرب في الجزيرة العربية من حال الجاهلية، وكذا ما كان يجري حولهم من واقع الشعوب والقبائل (الامم) التي كانت اكثر منهم تقدما من الناحية المدنية بشكل مُلفت وكبير كما هو الحال في الفرس والروم.

في الوقت الذي كان العرب ومن يحيط بهم يعيشون انعدام الرؤية الشاملة للكون والحياة والإنسان، وكانوا يعيشون حياة اجتماعية يسودها الصراع على المكاسب العاجلة والمصالح الآنية، وكانوا في مجمل حياتهم اقرب الى التيه والعمى، وكانت الصراعات الدامية تحكمهم وتنشر فيهم الظلم والخوف والبؤس؛ ومع ما هم عليه من جهل وأمية وانحلال في الاخلاق، من دون فكرة جامعة ولا رؤية واضحة ولا نظام موحد ولا إدارة منظمة لأحوالهم؛ أقول: في الوقت الذي كانوا فيه على هذه الحالة، كما نجد الكثير من توصيفه في القرآن الكريم والتاريخ، يُبعث رسولٌ فيهم منهم حاملاً النور والهدى والاخلاق، وعلى الرغم من كل المواجهات والتحديات والعراقيل التي وقفت أمامه واعترضت طريقه خلال سنوات الدعوة والتبليغ، إلا انه استطاع في آخر المطاف، وبعد الكثير من الجهد والجهاد والتضحيات، ان يبلّغ رسالة السماء اليهم، وان يؤدي الأمانة فيهم، فكان منه أن حدد العقيدة الصحيحة وبين الشريعة المتكاملة ونشر الأخلاق والفضيلة، وضرب لهم بسيرته العطرة، أروع ألوان الإنسانية والرحمة، ولو لم يكن له من موقف في هذا إلا ما كان منه يوم فتحه لمكة، حيث عفا عن اَهلها على الرغم من أذيتهم له وطرده من بينهم ومطاردتهم له وقتالهم له وقتلهم لأصحابه، كان يفي عن عديد مواقفه المشرفة خلال تبليغه الرسالة، كما وصفه القرآن ﴿الَرَءُوفٌ الرَحِيمٌ و﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

لقد استطاع رسول الله، صلى الله عليه وآله، خلال مدة زمنية لم تتجاوز ربع قرن من الزمن ان ينير العقول ويؤلف القلوب وان يوحّد الصفوف تحت راية واحدة وعلى كلمة واحدة وان يشكل مجتمعا وان يقيم دولة وان يغرس بذور حضارة إلهية فريدة سيكون لها عظيم الأثر في تمدن البشر ورقيهم الحضاري حيث جاء بفكرة تنير العقل وتشحذ الإرادة وتنظم الحياة وتنشر الفضيلة وتعظم النعم وتربط الروح والسلوك بعالم الغيب.

لذا فما كاد يمضي من عمر الأمة الاسلامية قرون ثلاثة او اربعة الا واستطاعت ان تتفوق حضاريا على جميع امّم الارض وشعوب العالم علما وصناعة وزراعة وعمارة فكانت بحق حضارة عملاقة استطاعت ان تحدث تحولات كبرى في عالم الافكار والإرادات بحيث انه لا تزال تداعياتها وتموجاتها تشق طريقها في أفق العالم مع انها تعرضت خلال تاريخها القريب والبعيد الى ما قد أدى بها الى التعثر والتوقف والجمود حتى مني المسلمون اثر ذلك بالتخلف والانحطاط الكبيرين في مختلف جوانب حياتهم مما جعلهم يعيشون بحق على هامش الحياة.

 

 تضييع بوصلة الدين

ومن هنا تتجلى لنا الاجابة على السؤال الثاني؛ وانه لماذا تخلف المسلمون وانحدروا من القمة الى الحضيض؟! اذ ان لكل من التقدم والتخلف اسبابه الواقعية وعوامله الموضوعية التي يولد فيها وينشأ ويترعرع؛ فالمسلمون انما توقفوا حضارياً بعد ان قطعوا أشواطا في هذا الطريق بحيث نشروا روح العلم ومناهج التفكير؛ لأنهم ضعفوا امام إغراءات الحياة وشهوات النفس مما أبعدهم عن الغايات السامية ونأى بهم عن معالي الأمور وصرفهم عن التطلع للإيمان والتحلي بالأخلاق والتسابق في مدارج التكامل الروحي والارتقاء المعنوي، فضعفت الروح وضاق أفق التفكير وانتكست الإرادة واُتبعت الاهواء واستولت الشهوات وضاعت القيم فاختلفت الرؤية وتفرقت السبل وكان الركون الى الدنيا الملجأ والمنتهى!

ولم يكن ذلك من المسلمين وفيهم فقط ضمن دائرة احوال الدنيا وأوضاع المدنية والعمران، بل ان الأدهى من ذلك والاهم، ما كان قد اصاب الروح من خور العزيمة والقلب من عواصف الاهواء، فإذا بهم بعد ان ارتقى بهم الاسلام لقمة العلم والحضارة، ينحدرون ليكونوا في ذلك كله في مؤخرة الركب.

ولكن ذلك كله لن يشفع لنا، ولن يحل لغز أحجية الانحدار والتخلف والابتعاد عن تعاليم الدين الأصيلة ومبادئه السامية وأخلاقه الرفيعة! فالسؤال مازال قائما وسيبقى ليأتي كل جيل ليثيره وليحاول ان يجيب عليه بما له من شعور خاص ووعي متوثب.

ما الذي انتهى بالأمة الاسلامية التي بناها رسول الله بجهاده الفريد فكرا وأخلاقا وعملا في آخر المطاف لان تنتهي الى ما قد انتهت اليه؟ الم يجعل لذلك ضمانات تحول بين الأمة والانتهاء الى هذا المصير المشؤوم؟ وكيف كان يحذر من ذلك؟ وماذا فعل؟ وكيف تعاملت الأمة مع كل ذلك مما كان منه لكي لا تجهل الأمة وأجيالها سبل الرقي ولا تضل طريقها الذي رسم معالمه لها الى ان يرث الله الارض ومن عليها؟

الجواب: وهنا نصل الى جوهر المشكلة ولباب الحل: نقوله في لمحات مجملة وسريعة:

1/ ليس من شك في انه قد بعث رسولا وجاء بالرسالة وبلغها على اكمل وجه وبذل في سبيل ذلك كل غال وثمين حتى قال: «ما أوذي نبي كما أوذيت» وهي تدلك على حجم التحديات التي كانت والجهود التي بذلت.

2/ ليس من شك في انه لم يكتفِ بتبليغ الرسالة فقط كنصوص (القرآن والسنة) كما انه لم يكتفِ بتبليغ الدين كنظرية مجردة بل انه قد جسده في شخصيته! قد ترجمه سلوكا واقامه مجتمعا ودولة وقانونا.

3/ ليس من شك في انه لم يُبين عوامل النهوض وأسباب التقدم فحسب بل وايضاً بيّن وحذّر من عوامل الانحدار والسقوط والتخلف والجمود وذلك ليكتمل المشهد الحضاري للأمة والأجيال.

4/ ليس من شك في انه لم يكتفِ بكل ذلك حتى أقام الدين وحياة المسلمين على عقيدة صحيحة واضحة المعالم وعلى هدي شريعة بينة الحدود وعلى أسسِ منظومةٍ من القيم الرفيعة السامية وعلى دعائم من مكارم الأخلاق والفضيلة.

5/ وهو الذي لن يتم شيء من كل ما تقدم من دون توفره فعلا: ألا وهو الجهة التي تشكل في قدسيتها ودورها امتدادا لقدسية الرسالة والرسول وما لهما من دور وأثر في حفظ الدين من التحريف والتزييف والتأويل ولتكون الحارس للشريعة والحامي للقيم والمبادئ وليست تلك الجهة الا الامامة والخلافة، المتمثلتان في أهل البيت، حيث ان النبي، صلى الله عليه وآله، لم يتوانَ في تحديد من هم الأئمة الأطهار، عليهم السلام، ولم يتوانَ في الأمر بالتمسك بحبلهم والسير على هداهم والتحذير من مفارقتهم.

ولكن الأمة لم تعمل بوصية نبيها فيهم واستبدلتهم بغيرهم ومن تلك اللحظة والامة جيلا بعد جيل في انحدار لا يتوقف! ولولا ما كان من موقفها الإقصائي من أهل البيت، عليهم السلام، لاستطاعت ان تحقق اكثر مما حققته من إنجازات حضارية يوم اتيحت لها الفرصة في ذلك! كيف لا وقد خسرت بسوء اختيارها الكثير الكثير فيما يتعلق بفهمها لدينها وتدبيرها لحياتها! هذا ولكن الأمل كبير في ان تستعيد الأمة رشدها وتعود مجددا لتسير تحت رايتهم، عليهم السلام، بعد ان تخرج من تحت رايات الأمويين والعباسيين ومن سار على خطهم وتمسك بنهجهم الى يومنا هذا.


ارسل لصديق