صداقتك مع العائلة .. بوابتك الى السعادة
كتبه: عبد الله عقيل السعدي
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 1525

حين يتعلق الأمر بتكوين صداقات (فـإن أفضل طرق تكوين صداقات هي أن تكون انت نفسك صديقا) كما يقول [رالف والدو ايمرسون]، وأن تكون صديقاً، فهذا أمرٌ بدايته بسيطة جداً، ويأتي من خلال توصلّك الى نقطة مشتركة قد تربط بينك وبين الأشخاص الذين تلتقي بهم في أية لحظة، وفي أي مكان؛ في الشارع، او عند عيادة طبيب، او في محطة للوقود، ولا غرابة في ذلك، إلا ان الغريب في الأمر أن لا يخطر في بال احدنا أن يعمل على إقامة النقاط المشتركة بينهما ـ ناسين او متناسين القاعدة التي تقول "الأقربون أولى بالمعروف" .

والسؤال هنا: هل يمكن للمرء أن يكون صديقاً للغرباء، ويلتزم بقواعد الصداقة معهم دون أن يعير اي اهتمام لأفراد أسرته؟ أليس الأب والأم أحق الناس بالعلاقة القائمة على أساس الود والاحترام؟

ألا تستحق الزوجة أن تكون الصديقة المقربة الى الزوج وهي التي ربطت مصيرها بمصيره؟

اذا ما كنا ننشد أدنى درجات العدل والإنصاف في علاقاتنا مع أفراد أسرتنا، فلا يمكن القبول بأن تكون تلك العلاقة مجرد علاقة طبيعية فهذا اب، وهذه ام، وذلك اخ، وتلك أخت، فمثل ذلك أمر طبيعي ولا اختيار لنا في ذلك، لكن الأمر الذي لابد من وجوده هو أن يكون الولد صديقاً لأمه وأبيه، كما لابد للأب ان يكون صديقا لزوجته و أولاده، فليس اقرب للرجل من عائلته التي تحيطه بالاحترام والتقدير، والرعاية والمحبة والاهتمام كلما وجدت الفرصة الى ذلك .

يقول الإمام علي عليه السلام : "صاحب الناس بمثل ما تحب ان يصاحبوك به تكن عدلا" (1) ، ولذا يجب أن تكون علاقة الرجل مع عائلته، قائمة على الحب والمودة والالتزام بكل متطلبات وشروط الصداقة الموافقة للقيم والمبادئ السامية.

ويقول الحديث الشريف : "القرابة الى المودة، أحوج من المودة الى القرابة"..

إن باستطاعتك ان تكون صديقاً لأي شخص لا قرابة بينك وبينه، يقول الإمام علي عليه السلام، "رب اخ لم تلده لك امك"، فالقرابة لا تغني عن المودة بشيء.

سُئل أحد الحكماء أيهما أحب اليك : أخوك أم صديقك؟

فقال : "إنما أحب أخي اذا كان صديقا لي، فالقرابة محتاجة الى مودة، والمودة مستغنية عن القرابة" (2).

وهكذا، فان المودة فوق القرابة، و أهم منها، و لابد منها من اجل تماسك علاقة القرابة وبقائها.

الوالدان أحق بالصداقة

ثم إن العلاقة مع أفراد الأسرة لابد أن تكون مبنية على قاعدة التقابل بين (الحق) و (الواجب)، التي تظهر جلية في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام إذ يقول في حق الأم وما يجب على الأولاد اتجاهها: "فحق أمك أن تعلم إنها حملتك حيث لا يحمل احد أحدا، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم احد أحدا، وإنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة بذلك، فرحة، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها، حتى دفعتها عنك يد القدرة، وأخرجتك الى الأرض فرضيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظلك وتضحي، وتنعمك ببؤسها، وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاء، وحجرها لك حواء، وثدياها لك سقاء، ونفسها لك وقاء، تباشر حر الدنيا وبردها، لك ودونك، فنشكرها على قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه" (3).

وعن حقوق الأب يقول الإمام عليه السلام في رسالته: "وأما حق أبيك فلتعلم إنه أصلك، وإنك فرعه، وانك لولاه، لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك، واحمد الله وأشكره على قدر ذلك ولا قوة إلا بالله".

ترى هل قدّم لك صديق مخلص، وفي، تحيطه بالاحترام والتقدير وتفيض عليه من وجودك وكرمك ووقتك وراحتك، ولو بمقدار يسير من التضحية التي وهبتها لك أمك دون مقابل ؟

لاشك انك تحيط علاقتك مع صديقك الذي قدّم لك معروفاً ما، بشيء من الاحترام والتقدير، وتحتفظ له في سجلك الذهبي هذا الموقف النبيل، ولكن في اي سجل تحتفظ من قدم لك المعروف تلو المعروف على طبق من المحبة الحقيقية منذ وطأت قدماك الأرض وما زال يقدم لك المزيد؟ أستحتفظ به في سجل الشكر والتقدير أم في سجل العقوق والكفر بالنعم؟

قاعدة الإحسان لا قاعدة العدل.!!

"و أما حق ولدك فتعلم انه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وإنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب والدلالة على ربه، والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسه، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا ، المعذّر الى ربّه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه و الأخذ له منه، ولا قوة إلا بالله".

يقول الشاعر : عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه

                                                                   فان القرين بالمقارن يقتدي(4)

لا شك إن حق الأبوين اكبر من حق الأولاد، والقاعدة العامة في الإسلام تجاه الأبوين هي قاعدة الإحسان لا قاعدة العدل، فلا يمكن أن تقول مثلا: إن أبي لا يعطيني فأنا لا أعطيه..! أو إنه لا يحترمني، فلا احترمه..!

وقد ربط الله سبحانه وتعالى حقه بحق الوالدين حيث جعله متعلقا بعبادته والإحسان الى الوالدين يقول تعالى: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً" (سورة الاسراء/ 23). ومن الإحسان ان تحسن صحبتهما، وألاّ تكلفهما إن يسألاك شيئا مما يحتاجان إليه، وإن كانا مستغنيين. ومن الإحسان أيضا، أن لا تطلب منهم ما يتجاوز حدود طاقاتهما.

و لا يعني هذا؛ أن حقوق الوالدين مرتبطة بمدى إيمانهما او عدالتهما، فحتى لو كان الوالدان فاجرين فان لهما حقوقا على أولادهما، يقول الإمام الباقر عليه السلام: "ثلاثة لم يجعل الله تعالى لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة للبر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين بارين كانا او فاجرين" (5).

ولا يمكن أن نتجاهل تأثير العلاقة ـ حسنة كانت ام سيئة ـ مع العائلة والأهل، وهي علاقة داخلية لها الأولوية على علاقات الإنسان الخارجية، فالذي لا يعيش في أجواء من المحبة والإخاء والمودة مع أفراد أسرته لا يمكن أن يبني جسور المودة مع الناس أيضا. والعكس صحيح فمن كانت علاقته حسنة مع العائلة كانت علاقته حسنة مع غيره.

الزوجة الصديق المخلص

وأما عن الزوجة و الأولاد، فلا يوجد من هو أقرب الى الإنسان منهم ولذا لابد أن يوليهم المرء الكثير من المحبة والرعاية والاهتمام، وأول مظاهر ذلك ان يكون الزوج صديقاً لزوجته، وليس زوجاً لها فقط فلا يجوز أن تكون علاقة الزوج بالناس جيدة وعلاقته بأهله سيئة. يقول الإمام علي عليه السلام : "لا يكن اهلك أشقى الخلق بك" (6)، والمقصود بالأهل الزوجة والأولاد، فحسن العلاقة معهم هو الميزان لصلاح الأفراد .

ومن المؤسف أن نجد العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة تقوم على معاملة المرأة لزوجها على انه زوجها و أب أبنائها فقط، وإن عليها أن تصنع الحدود فيما بينها وبين زوجها فيما يتعلق ببعض الأمور، كما إنها لا تحدثه في كل المواضيع, كتلك التي تخبر بها صديقتها او أختها. وكذلك الحال بالنسبة للرجل، فهو يتعامل في المنزل مع زوجته وأبنائه على انه الآمر الناهي، وهو الذي يحكم ويسيطر، وعلى الكل احترامه والخضوع إليه، فقد تراه يفعل ما يريد، ويقرر في الأمور التي تتعلق بمستقبل أبنائه وبناته دون أن يأخذ رأيهم فيها حتى لا يحط من قيمته أمام الآخرين - حسب اعتقاده-!

تُرى؛ لماذا لا يستطيع الرجل أن يعامل زوجته كصديقه الذي يسير إليه المسافات الطويلة ليجالسه ويحدثه، فيما يهمل زوجته كاتم أسراره وسنده الذي يتّكئ عليه؟

ربما يغفل او يجهل الكثير منّا إن الزوجة يمكن أن تكون أفضل بكثير من أي صديق آخر، فهي تقدم له يد المساعدة في محنته، لأنها ببساطة تبحث عن مصلحته، وكيف لا، وهو والد أبنائها والمساند لها، فلماذا إذن نغفل أن تكون الزوجة الصديق المخلص الذي يشاركنا ما يفرحنا ويؤلمنا؟

كم هو جميل أن يعبر الزوج عن إنسانيته الرائعة، ومكنونه الطيب الودود فيحب زوجته، حباً غير مشروط، فيتجاوز عيوبها، ويتجاوز تفاصيل شكلها ولحظات ضعفها، وان يحبها كما هي بكل كيانها وجمالها ونقصها وقوتها وضعفها، وأن يرضى بها رغم جوانب القصور؛ إذ لا يوجد إنسان كامل على وجه الأرض، فالرضا هو مفتاح الحياة السعيدة، والحب أعظم نعمة ينعم الله بها على الزوجين.

وكم هو رائع أن تحترم زوجتك.. فهي أولاً إنسانة أكرمها الله تعالى، وثانياً: هي زوجتك التي اخترتها انت، وثالثاً فهي أم أولادك وبناتك، وهي حافظة أسرارك وخصوصياتك، وشريك حياتك، والراعي الأمين لسكنك وراحتك ولراحة أبنائك وطمأنينتهم. ولا شيء يعبر عن احترامنا لإنسانية الزوجة وعقلها وتقديرها ووجودها من استشارتها في أمور حياتنا المشتركة، او أن تعبر عن شعورك الجميل بأنوثتها، فتمدح فيها كل معاني الأنوثة من الجمال والرقة، والحب، والحنان والشرف والطهارة والإخلاص والوفاء والتفاني كلما سنحت الفرصة لذلك. ثم مراعاة تجنب إهمالها جسديا او نفسيا او عقليا، فالإهمال يقتل كل شيء جميل في العلاقة، و ربما يفتح الأبواب لاتجاهات خطيرة لا يحمد عقباها.

وكم هو ضروري أن يعرف الزوج التقلبات البيولوجية لزوجته.. (الدورة الشهرية والحمل والولادة)، وتقدير حالتها النفسية أثناءها، وان تكون سعادتها إحدى أهدافك المهمة، ومحور حياتك، بمعنى أن ترتب حياتك وعلاقاتك ومواعيدك وهي حاضرة في وعيك غير غائبة.

ولا غرابة في القول إن الزوج الذكي هو الذي يستطيع المحافظة على أبواب الحوار مفتوحة مع زوجته بكل اللغات اللفظية وغير اللفظية، فلا يبخل عليها بكلمة حب، ونظرة إعجاب، ولمسة ود، وضمّة حنان، وان يجدد الحالة الرومانسية الجميلة التي عاشها في الأيام الأولى من زواجه من دون أن يتعلل بكبر السن، فلا شيء يمكن أن يقطع أواصر المحبة والوداد بينهما مهما كانت مشاكل الزوج وكثرت مشاغله، وعلى الزوج أن يشعرها بمسؤوليته عنها ورعايتها، فذلك يجعل الزوج رجلاً حقيقياً في عين زوجته. فالمرأة السوية بحاجة دائما الى الإحساس بمن يرعاها ويكون مسؤولاً عنها، لان الرعاية والمسؤولية من علامات الحب الحقيقي، وإن من غرائز المرأة أنها تريد أن تكون (محمية) من قبل زوجها، فإذا أشعرها الزوج بأنها محبوبة ومحترمة، ستحاول هي بدورها أن تفعل أفضل ما تستطيع لزوجها لتحافظ على هذا الدور.

ومن مظاهر إحترام الزوجة وإكرامها، ألا يتعدى عليها او يضربها، ففي ذلك منتهى العدوانية، وهو عمل مُحرم فقد جاء في الحديث الشريف: "أيما رجل ضرب امرأته فوق ثلاث، أقامه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيفضحه فضيحة ينظر إليها الأولون والآخرون"(6).

وفي الواقع؛ احترام الزوجة من قبل الزوج يدفعها الى النجاح في علاقتها مع زوجها، وستكون بلا شك العلاقة المشتركة، محفوفة بالمحبة والودّ .

-------------------------------

1-    كشف الغمّة – ج2 /ص179

2-    مجمع الأمثال – ج1 /291

3-    تحف العقول – ص 189

4-    الصداقة والصديق ، للتوحيدي- ص81

5-    المحجبة  البيضاء - ج3 ص41

6-    عوالي اللئالي – ج1 ص254


ارسل لصديق