لنكن أذكياء في تحصين أطفالنا من سلبيات التلفزيون
كتبه: عبد الله عقيل السعدي
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 2739

تسيطر وسائل الاتصال الحديثة - السمعية منها والمرئية- على كافة الافراد والجماعات في غالبية دول العالم في عصرنا الحالي, وذلك لما تتميز به تلك الوسائل من مميزات لا تتوفر في الوسائل الاخرى، لاسيما في ظل النمو السريع لتكنولوجيا الاعلام والاتصال الحديثة.
ويعد التلفزيون من أهم هذه الوسائل، بل من أحدثها وأخطرها، نظراً لقدرته الكبيرة على جذب الافراد - كبارا وصغارا- حول شاشته، اذ يتميز بخصائص تقنية توفر لهم تقديم المعارف والمعلومات والسلوكيات عبر قوالب فنية متعددة، إضافة الى غنى لغته التعبيرية، وتنوع وتكامل عناصر التجسيد الفني لمادته وسهولة التعرض اليها، ومقدرتها على جذب الانتباه، وخلق الاحساس بالمشاركة والتفاعل من المشاهدين.
وقد اشارت العديد من الدراسات الى مكانة التلفزيون المتميزة بين وسائل الاعلام والاتصال الاخرى بصفة عامة وفي حياة الطفل بصورة خاصة، حتى قيل إن تنشئة الطفل هذه الايام تقوم على ثلاث ركائز: الاب، والام، والتلفزيون. وبذلك تحول هذا الجهاز الى مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، ومنافس قويّ للمؤسسات التقليدية كالمسجد والمدرسة وغيره. حتى بات من النادر جداً تصور بيت فيه أطفال لا يجلسون قبالة شاشة التلفزيون.
أما ما يتعلق ببداية علاقة الطفل بالشاشة الصغيرة، فهناك آراء واعتقادات مختلفة، البعض يقول: انها تبدأ في السنة الاولى، وهنالك من يقول في السنة الثانية، لكن بعض الشواهد تؤكد ان جاذبية الشاشة الصغيرة هذه الايام كسبت الى جانبها حتى الطفل ذا الستة اشهر..! ولكن المتابعة الدقيقة والتفاعل، يبدأ من السنة الثالثة، حيث يتحول التلفزيون الى شبه الزميل والناصح والمسلّي، و تبرز اهمية وخطورة الدور المنوط بالتلفزيون من خلال قدرته على تحقيق اهدافه الاستراتيجية في الاعلام والتثقيف، حيث يتمكن الطفل من خلال المشاهدة ان يطل على ما يجري في العالم الذي اصبح فعلا قرية صغيرة، ولاسيما بعد استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديث من اقمار صناعية وقنوات فضائية.


الآثار السلبية تفوق الآثار الايجابية
كان الاعتقاد السائد منذ بداية ظهور التلفزيون، انه وسيلة للتسلية والترفيه، وليست آثار سلبية في سلوك ونفسية الطفل.
وبقيت الآراء منقسمة حول اهمية التلفزيون كوسيلة اعلامية في تكوين شخصية الطفل، فالمعارضون يستدلون بالصدمة التي يتلقاها الطفل اثناء العروض التلفزيونية المختلفة ومدى تأثيرها فيه، واكدوا على ان هذه الوسيلة غير ناجحة من الناحية الاخلاقية او التعليمية او الاجتماعية، حيث تبقي الطفل غالبا داخل المنزل بدلاً من أن يكون نشيطاً، كما ان التلفزيون يعرض على الطفل صوراً جذابة وهو في حالة متفرج نشط ، وليس متعلماً نشطاً، اذ انه لا يلعب مع الاطفال الاخرين، إلا ان المؤيدين للتأثير الايجابي يقرّون أنه ميدان يوسع آفاق الطفل ويثري فكره وخياله.
ومهما قيل عن الآثار الايجابية للتلفزيون على حياة الطفل، إلا ان الاثار السلبية هي الاكثر اهتماما وتناولاً من قبل العلماء الاختصاصيين، عبر العديد من الدراسات العلمية التي قاموا بها في العديد من دول العالم.
ومن جملة الآثار السلبية، التأثير على المستوى الدراسي والتعليمي للطفل. فقد اثبتت التجارب وجود تأثير سلبي على الذكاء كلما زادت فترة مشاهدة الاطفال للتلفزيون، وايضاً انخفاض للمستوى للدراسي لهم؛ فقدت اكدت دراسة، ان الاطفال الذين يسمح لهم بمشاهدة التلفزيون لساعات كثيرة في السنوات السابقة لدخولهم المدارس حصلوا على درجات أقل في القراءة والحساب واختبارات اللغة عند نهاية الصف الاول الابتدائي، اقل من الاطفال الذين كانت مشاهداتهم التلفزيونية قليلة خلال سنوات ما قبل المدرسة.
وعند النظر الى طلاب المدرسة نرى ان بعض التلاميذ لا يكملون اداء واجباتهم المنزلية ببساطة بسبب كثرة المشاهدة التلفزيونية في الكثير من الحالات، فالمبالغة في مشاهدة البرامج التلفزيونية تؤدي الى إشغال الاطفال، وصرفهم عن انجاز وظائفهم المدرسية، إضافة الى ان مشاهدة البرامج التلفزيونية دون عملية اختيار وانتقاء، من شأنها ان تضعف قدرة الطفل على التمييز وتضعف قدرته على التذوق الجمالي ، وفي نهاية الامر يصبح التلفزيون اكبر قاتل للوقت.


الاضرار النفسية:
مما لاشك فيه ان شاشة التلفزيون قادرة على ان تثبّت في الطفل منظومة من القيم والمبادئ والثقافة، حتى ان برامج التسلية والترفيه باستطاعتها، و بصورة تدريجية غير محسوسة، من تغيير موقف الطفل و رؤيته للعالم ولمجتمعه، وان وقْع هذا التأثير يصبح اقوى كلما ازداد وتكرر عرض البرامج التلفزيونية والمحفزات والاثارات. 
واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الحساسية القوية لخيال الاطفال وتصوراتهم، يصبح من السهل جداً ان نفهم كيف تتأثر خاصية التخيل والتصور بهذه البرامج التلفزيونية التي تقدم بأشكال درامية، برامج تجعل الطفل يعيش قلقا روحيا واضطرابا نفسيا، عندما يشاهد برامج مثيرة ومناظر عنيفة.
ان معظم البرامج التلفزيونية تثير رغبة ولهفة غير اعتيادية في نفس الطفل وتجعله يستجيب لها ويتشابك معها ، ولذلك اذا لم يكن الطفل مسلحاً عن طريق أبويه وبيئته بقيم ثابتة وراسخة، يمكن أن يواجه ما يبثه التلفزيون من برامج غير صالحة وهو وحيد، ويكون من السهل عندئذ ان يقع فريسة التلفزيون.
و اوضحت دراسة قام بها «دمتري كرستياكيس» وفريقه بمستشفى الاطفال والمركز الطبي الاقليمي بمدينة سياتل الامريكية، والتي اجريت على (1345) طفلا ان كل ساعة يقضيها الطفل امام التلفزيون تزيد من فرص مخاطر اصابته بنقص الانتباه بمقدار 10% وان مشاهدة التلفزيون لمدة ثلاث ساعات يوميا جعلت الاطفال عرضة لنقص الانتباه بمقدار 30%.
ان مخ الطفل الوليد ينمو بسرعة كبيرة خلال العامين الى الثلاثة الاولى من عمره ، والاطفال الذين اعتادوا على التعرض لمستويات مرتفعة من الاثارة في مرحلة مبكرة من العمر يستمرون في توقع الحصول على متسويات الإثارة نفسها مع مرور الاعوام مما يجعل من الصعب عليهم التكيف مع النمط الأقل بطئاً للحياة، والدراسة في المدرسة والواجبات المنزلية . ومن الممكن ان يعرض التلفزيون المخ في مرحلة النمو الى مستويات غير عادية من الاثارة ، ويزداد الامر سوءاً مع التغيير السريع في الصور والمشاهد والاصوات التي يعرضها التلفزيون لجذب انتباه الاطفال.


التشجيع على العنف
كشفت دراسة حديثة عن ان الاطفال الذين يشاهدون التلفزيون لاكثر من ساعة يوميا، معرضون لان يكونوا عنيفين في المستقبل، ولذلك يقول البرفسور «جونسون» ان نتائج دراسته تشير الى ان على الآباء الذين يشعرون بمسؤولية تجاه أبنائهم ان لا يسمحوا لاطفالهم بمشاهدة التلفزيون لأكثر من ساعة في اليوم.
وقد حذرت دراسة اجتماعية شملت عيّنة تمثل الطلاب والطالبات في مدارس حكومية وخاصة تتراوح أعمارهم بين 8 و7 أعوام، واعدها المجلس الوطني لشؤون الاسرة في الاردن حول البرامج الموجهة الى الاطفال العرب في الفضائيات العربية من آثار العنف المتلفز على شخصياتهم ومستقبلهم وعلى أمن واستقرار مجتمعاتهم.
وأكدت الدراسة، ان الطفل المشاهد للتلفزيون من دون رقابة او اختيار، يصبح أقل احساسا بآلام الاخرين ومعاناتهم، وأشد ميلاً لممارسة السلوك العدواني، ويزيد استعداده لارتكاب التصرفات المؤذية. وأشارت الدراسة الى ان مشاهدة التلفزيون دون رقابة، تفرز سلوكيات ابرزها السلبية والأنانية، وعدم التعاون مع الآخرين، وعدم الاحساس بمشاعرهم، والسخرية منهم، الى جانب التقليد الاعمى للآخرين في الملبس والمأكل والمشرب والسلوك الاجتماعي.


تقليص العلاقات الأسرية
من شأن التلفزيون جذب انتباه جميع افراد العائلة اليه، الصغير منهم والكبير. فبدلا من ان ينظر الاطفال الى بعضهم البعض سينظرون الى الشاشة الصغيرة، وعندما يبكي طفل او يريد ان يتكلم بشيء، يسارع الآخرون الى إسكاته فورا، و ربما تحصل المشاجرة ومن ثم التحركات العنيفة، وغيرها من المشاحنات، كل ذلك بهدف متابعة مسلسل تلفزيوني او فيلم سينمائي او برنامج معين، وهذا يترك أثره السلبي المباشر والشديد على أواصر المحبة بين افراد الأسرة الواحدة التي تعيش تحت سقف واحد.
كما ان بقاء الطفل لأوقات طويلة امام  شاشة التلفزيون، يجعل مشاكساته وعبثه في حياته واثاث المنزل تقل بنسبة كبيرة، وهذا مما يريح الوالدين، ولاسيما الام في مسألة المتابعة في المنزل والتنظيف، الا ان هذا يسبب الكثير من المشاكل بين الوالدين وطفلهما، كعدم اهتمام كلا الطرفين بالآخر وعدم فهم نفسية الوالدين لطفلهما وقلّة الوعي والحصانة التربوية وهذا مما يزيد من مساحة البعد بينهما.


ما الحل؟
ان العائلات التي تشاهد برامج تلفزيونية جيدة وهادفة ، تستفيد مما هو ايجابي من التلفزيون وتقلل من تأثيراته السلبية فيها، لذا يجب الحرص على مشاهدة برامج تلفزيونية ثقافية غنية بمحتوياتها، كما يجب تجنيب الطفل مشاهدة البرامج التجارية ذات التأثير السلبي فيه، وفي صحته النفسية والبدنية، فاذا لم يُبد الوالدان قلقهما من كثرة مشاهدة الطفل للتلفزيون، ولم يبذلا جهدا للسيطرة على أوقات المشاهدة ، يصبح التلفزيون من اكثر المؤثرات السلبية في حياة الطفل.
والطفل في النظام الاجتماعي الإسلامي، يحتل مكانة مميزة، حيث وردت الاحاديث الشريفة في الاهتمام والحرص بمسألة  التربية من السنين الاولى من حياة الطفل. من هنا يجب على الأبوين الانتباه في طريق معالجة مؤثرات الشاشة الصغيرة على اطفالهم، وعدم التسرع في اتخاذ القرار. وبما ان للشاشة الصغيرة المقدرة الكبيرة اليوم في خلق أنماط ونماذج للاطفال في المأكل والملبس والسلوك العام، فإن الأسرة المسلمة مدعوة لأن تتخذ عدة خطوات لمواجهة هذا التأثير الخطير:
1- تأكيد الالتزام الديني والأخلاقي داخل الاسرة من قبل الكبار، لنقل الصورة النقية للتربية الاسلامية الى الاطفال، وهذا يساعدهم على المقارنة بين ما يرونه من الكبار القريبين منهم، وبين رموز الشاشة الرمادية.
2- ايجاد البدائل المفيدة من قبيل المطالعة والكتابة في مختلف المجالات.
3- تخصيص أوقات مناسبة لفتح ابواب الحديث عن مسائل مختلفة مع الصغار، او مداعبتهم وملاعبتهم، لتوثيق العلاقة العاطفية، لإلغاء الصور السلبية التي تقدمها الشاشة الصغيرة في اكثر الاحيان عن العلاقات السيئة والعنيفة بين افراد الاسرة.
4- تعريفهم على القدوات الصالحة، والحديث عن أهل البيت عليهم السلام في صغرهم، وكيف كانوا يعيشون ويتعاملون مع أبويهم.
5- اختيار عدد من القنوات التلفزيونية والتشجيع على متابعة البرامج الترفيهية والتربوية فيها، وفي مقدمتها البرامج الخاصة بالقرآن الكريم.

ولا ننسى في نهاية المطاف التأكيد على حقيقة هامة، طالما تغيب عن ذهن الآباء، وهم يبدون بالغ حرصهم على سلوك وثقافة اطفالهم من مخاطر الشاشة الصغيرة، ألا وهي العاطفة التي يعيشها الطفل مع أسرته، فهو غير مؤهل أو قادر في سنين عمره الطرية الأولى لأن يتلقى التحذير والتعنيف والانتقاد، كما قد ينجح الامر مع الاكبر سنّا، مثل الذين يتجاوزون مرحلة المراهقة، إنما يريد الامور جاهزة أمامه، وهذا ما يوفر التلفزيون بكل ذكاء وكفاءة عالية، ثم لا ننسى ايضاً القاعدة المعروفة «الانسان حريص على ما مُنع»، وإذن؛ لنكون أذكى من الشاشة الرمادية الصغيرة، مهما كان الذين خلفها، ومهما كبرت امكاناتهم وقدراتهم، لان لدينا الخزين الهائل والعظيم للقيم والمبادئ والاحكام التي تصوغ لنا ولاطفالنا الثقافة الصحيحة والبناءة.


ارسل لصديق