الحب في حياتنا الزوجية
كتبه: عبد الله عقيل السعدي
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 6624

لا احد يلمح الحب بعينيه، ولا يستطيع ان يلمسه بأنامله، لكنه يستشعره بروحه.

انه يمنح الحياة معنى جميلاً، ويضيف اليها آفاقا رحبة، ويغسل بنوره كل الالوان القاتمة المترسبة في اعماق القلب، ويشيع البهجة والسرور، بل هو القادر على صنع المعجزات التي لا تقوى على صناعتها وسائل القوة المتعارفة لدى الانسان من مال وجاه وسلطة.

ان الحب يفتح على روح الانسان ابواباً لم يرها من قبل، فتطلّ على واحات رائعة الجمال، لا يمكننا اعطاؤها حقها مهما أسهبنا في وصفها، ولن يتحسس ويشعر ما فيها الا من دخلها بشكل مشروع، فتمنحه الشعور بالامان والطمأنينة الروحية، وحينها يرى روعة الحياة في هذه الواحة الخضراء.

أما من يحاول التسوّر والدخول اللامشروع، فانه قد يرى شيئاً من تلك الواحات، لكنه سيظل متلبساً بلباس الخوف والاضطراب، فتعميه حالته المضطربة المتذبذبة عن رؤية حقيقة الحب والحياة، لذا نجده ينحدر – من حيث لا يشعر- في مستنقع الرذيلة والعلاقات المحرمة، التي تسلب منه طهارة الحب وتتركه يلهث وراء اشباع الغريزة وحسب .

ان حقيقة الحب الطاهر والكبير تتمثل في العلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة في مشروعيتها واستقرارها وهدوئها، ولا يمكن مطلقاً توفرها في علاقات الجنس الحرام والصداقات وجميع اشكال العلاقات اللامشروعة بين الرجل والمرأة، لان العلاقة الزوجية خير مرتع لسكن الروح ولباسها وطمأنينتها، ولاشك ان الحب سيكون هو المكمل الامثل لذلك المشهد الرائع الجميل .

واذا ما اقترنت الحياة الزوجية منذ بدايتها بالحب والرحمة وسائر المشاعر الانسانية النبيلة، فان ذلك يجعل من البيت الصغير، روضة من رياض السعادة الهانئة، وللحب تأثيره في الزوجين وخصوصا المرأة التي تملك آذاناً حساسة، وقلباً متلهفاً، وعيناً مترقبة لكل كلمة او حركة تعبر عن الحب من شريك حياتها. وهنا وصية من نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله: (قول الرجل للمرأة اني احبك لا يذهب من قلبها ابدا). لذا فالحب بين الزوجين هو العمود الفقري، الذي تنتصب عليه قامة الحياة الزوجية، ومن دونه تصبح الحياة الزوجية صحراء لا زرع فيها ولا ثمر ولا استقرار.

والحب في الحياة الزوجية لابد ان يكون من ذلك النوع الهادئ وليس الحب المتأجج بالانفعال، فالانفعال لا يستمر، بل وسرعان ما يتراجع ويتلاشى، اما المحبة الصادقة العميقة فانها تستقر في قرار ثابت متين يزيدها بريقاً مع مرور الايام، تصقلها تجارب الحياة، فتصبح اكثر عمقا و ثباتا.. فالمشاعر الزوجية هي قمة الاحساس بالحب الانساني، وكذلك فالحب بين الزوجين له اطار محدد لا يعيش فيه الا الزوجان، وهذا هو الفارق الجوهري بين الحب الانساني عموما وبين المشاعر الزوجية التي بينها الرسول الكريم (ص) بقوله من ناحية الزوجة: "ان للرجل في المرأة شيئاً ليس إلا له" ومن ناحية الزوج لزوجته فقد عبر عنه (ص) في قوله عن حبه لخديجة (ع) وقد ذُكرت عنده: "اني لأحب حبها".

والحب بين الزوجين هو ان يكون الزوج أحب الناس الى زوجته والزوجة أحب الناس الى زوجها، وهذا يختلف عن مجرد الحب المتبادل الذي عادة ما يكون بين افراد المجتمع. فالحب بين الزوجين ليس مجرد سبب لقيام العلاقة الزوجية فقط، بل ان العلاقة الزوجية تعد مصدرا ذاتيا لهذا الحب. ومعنى ذلك ان مشاعر الحب تزداد بين الزوجين باستمرار هذه العلاقة، وهذا الذي يجعل الحب عاملاً أساساً وقوياً لحماية العلاقة الزوجية القائمة على القيم والمبادئ.

ان من حقائق الحياة، ان الزوجة لا تريد الملابس الجميلة ولا المجوهرات والمال بقدر ما تريد الحب والتفاهم والصدر الواسع الذي تعبر فيه عن مكنوناتها، كما كان صدر أمها الحنون ملجأ لها تضع رأسها عليه في فترة طفولتها حيث تكتسب الدفء والاطمئنان والشعور الغامر بالسعادة. ثم ان التجارب أثبتت ان كل وسائل الراحة والرفاهية من بيت فاخر واثاث جميل وسيارة فارهة وغيرها كثير، لا توفر الراحة النفسية كما يفعل (الحب)، وهي جملة بسيطة في ظاهرها، لكن من شأنها ان تذلل الصعاب والعقبات الكأداء في مسيرة الحياة الزوجية، فتستحيل مرارة الحياة ومشاقها الى حلاوة.

 *الحب توأم السعادة

قد يسأل البعض : هل يمكن ان نتصور وجود فارق بين الشعور بالسعادة و مشاعر الحب؟

لا يمكن ان نتصور حباً لا يرقد على فراش وثير من السعادة. فالحب والسعادة متلازمان دائما، وهما توأمان لا ينفصلان. ونعني بالسعادة تلك النفحة التي تحمل على اجنحتها معاني الشعور باللذة والراحة والاستقرار النفسي لكلا الطرفين، فقد تكون السعادة في تكوين العلاقات الثنائية الحسنة، او في الشعور بالاهتمام والحب من قبل الآخرين، او بوجود من يلبي طلباتنا، الى آخر الاشياء التي بتوفرها يكون الانسان مطمئناً مرتاح البال. لكن افضل طريقة للوصول الى السعادة ، هو ذلك الذي ترسمه مشاعر الحب.

لاشك انك تسأم من الحديث الى الانسان الذي تبغضه، و ربما لا تطيق سماع صوته، لكنك حتما ستكون سعيدا عندما تتجاذب اطراف الحديث مع من تحب، وتستأنس عندما يشنف صوته سمعك، وتتذوق حلاوة الكلمات الصادقة التي تتقاطر من ثغره كالشهد. فالرجل قد يشعر بالسعادة عندما يرى ان كل شيء يسير على ما يرام، وهو معتدّ بنفسه، طبعاً؛ الامر يختلف عندما يتشكل الشعور بالسعادة بين الزوج والزوجة، لوجود الاختلاف في الجنس، وفي ما يستتبع ذلك من الاحاسيس والعوامل النفسية، الا ان هذا الاختلاف الطفيف لا يعيق دور الحب في تكوين السعادة، لان الحب بدوره يحبب ذلك الشعور عند الطرفين من دون فرق بينهما، فكما ان الحب متبادل بين الزوجين، كذلك تكون السعادة متبادلة بين الزوج و زوجته. فحب الزوج لزوجته يعني سعادتها، وحب الزوجة لزوجها يعني سعادته ايضاً.

ومن اجل التعرف على كيفية ولادة توأم السعادة عندما يولد الحب، لابد من التعرف على حقيقة ان للمشاعر تأثيراً في الجهاز العصبي للانسان، عن طريق نفوذه على مراكز الانفعال في المخ، من ثم يؤثر على الاعصاب ، ويقوم مركز الانفعال بافراز مادة (السيروتونين) والتي تؤثر في الاعصاب، ففي حالة اغداق مشاعر الحب من جانب احد الزوجين سوف يشعر الطرف المقابل براحة الاعصاب وحالة من الرضا والطمأنينة، و التي تجتمع لتكون الاحساس بالسعادة. وقد جاء في الحديث عن الامام الحسن العسكري عليه السلام : "اقل الناس راحة الحقود"، بمعنى؛ اكثر الناس راحة الودود المُحب. ويقول آية الله السيد هادي المدرسي في كتابه (كيف تحيا سعيدا) في تعريفه للسعادة: "السعادة هي الملاءمة بين قلب الانسان وواقع الحياة التي يعيشها".

فالحياة التي يعيشها الانسان لها تأثير في قلبه واحساسه، فان كان واقع حياته زوجة تربطه بقلبها عقال الحب، فان ذلك سيمثل السعادة؛ لانه سيشعر بالراحة والملاءمة بين حياته وقلبه، ولا يمكن للزوجة ان تسهم في اعطاء كل ذلك الا اذا كانت تحبه حبا عميقا، وكيف ستوفر لزوجها افضل وسائل الراحة والاستقرار والسعادة بدون حبها له!

ان الحب المتجاذب بين الزوجين بحد ذاته، يشيع جوا من السعادة الزوجية، فاذا ما احس احد الشريكين بانه محبوب، فسوف يؤثر ذلك في زيادة الثقة بالنفس والراحة والاطمئنان. ولعل احدى العوامل الرئيسية في افتقار المرء للّذة، هو شعوره بانه غير محبوب، وعلى النقيض من ذلك، عندما يكون محبوباً، ترى مشاعر اللذة والراحة والرضا تظهر عليه اكثر من اي شيء آخر. ولا شك في ان اجمل ما قيل في تأثير الحب في شعور الانسان وسعادته وصدقه هو قول رسول الله (ص): "ما ضاق مجلس بمتحابين".

 لاشروط في الحب..

ان كل شريك يحب ان يسمع من الطرف الآخر انه محبوب، ولذلك فان كلمة: (انا احبك..) هي اجمل الكلمات، واكثر العبارات تأثيرا وتشويقا في أية لغة من لغات البشر، لانها كلمات تبعث مشاعر الدفء والتواصل ما بين الزوجين، الا ان هذه الكلمة يمكن تدميرها وافراغها من محتواها بل وجعلها باردة وثقيلة، اذا ما اضيف اليها الاستدراك؛ (ولكن...)! في نهاية العبارة. لان جملة (انا احبك) تمثل علاقة للمحبة غير ان (ولكن) تحولها من كلمة حب الى مقدمة نقد، وحسب تعبير احد المؤلفين: "ان من شأن (ولكن) هذه، ان تحول جملة تدل على البراءة والاحترام الى محاضرة ماكرة ذات اغراض شخصية".

ويقول آية الله السيد هادي المدرسي: "ان المحبة ليست لها شروط، ومن يضع كلمة (ولكن) بعد إعلانه للحب فهو يضع شرطا للمحبة، ولو ان الشريك فصل ما بين هذين الامرين، اي انه اعلن عن محبته لشريكه في وقت، ونقده له في وقت آخر، لاستفاد من الامرين معاً. بينما لو خلط بينهما يكون كمن يصب الخل في العسل فهو يفسدهما معا".

ان المطلوب هنا ليس عدم النقد، ولكن الفصل ما بين كلمة (اني احبك) التي تقال للشريك، و بين أية موضوعات سلبية اخرى تساق معها، ذلك ان الربط ما بين هذه الكلمة وبعدها بـ (لكن) يبين كأن السبب الوحيد للربط بين تلك الجملة وبين ما يناقضها، هو ان الغاية الظهور بمنطقية اكثر. وبدلا من ان تكون لديه الشجاعة لاثارة المسائل التي تؤرقه، يحاول المتحدث – او المتحدثة- التأكيد اولا انه رجل صالح، فهو يحب شريكه، وكأنه يقول انه حقا رجل او امرأة لطيفة صبورة، متسامحة، والدليل على ذلك انها تحب زوجها او الزوج، ان يبين انه متسامح وصبور ولطيف، بدليل انه يعلن حبه لزوجته. وبعد تأكيد ذلك يريد ان ينتقد الشريك.

ان الزوجين بحاجة الى ان يتعاملا مع بعضهما البعض بجدية. بمعنى ان اعلان المحبة يجب ان يكون اعلانا جادا وليس مقدمة لشيء آخر، وان النقد ومناقشة المسائل ايضا تأتي كشيء جاد وليس ضمن اطار آخر .

نعم؛ يمكن ان يقول الشريك لشريكه: "انني لا اقصد الازعاج..." او "انني لا أنوي الاهانة، ولكن اريد بيان هذه الحقيقة او تلك..." وهذا قد يكون مقبولا، واكثر ملاءمة للنفس والقلب.

 عبّر عن حبك..

لا يكفي ان يقتصر احد الشريكين بابداء المحبة في قالب من الالفاظ والكلمات فقط، بل لا بد من اضافة بعض اللمسات... سواء جاءت في صورة ابتسامة دقيقة على الشفتين، او عبر مصافحة اليد بحرارة، من باب التشجيع والتعبئة النفسية والعاطفية، او أية حركة من الحركات التي تنم عن الحب العارم والانسجام والانجذاب بين الزوجين.

وقد عدّ الدين مثل هذه الحركات البسيطة بمنزلة الرجوع عن الطلاق في النوع الشائع من الطلاق، فاية حركة تنم عن المحبة او الرحمة او الرغبة والانجذاب الى الشريك، هي في حقيقة امرها تصريح عملي لتكريس العلاقة الزوجية، مما يعني ان انشداد الزوجين الى بعضهما البعض يجب ان لا يكون فقط بصيغة الكلام، وانما لا بد من ترجمة ذلك بالافعال والحركات ايضا، فليس كلمة (اني احبك) هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن المحبة ولذلك فان المصافحة والمعانقة والاحتضان كلها امور مستحبة في الدين ولها الاجر والثواب. يقول رسول الله (ص) : (تصافحوا فان المصافحة تزيد من المودة).

وقد يكون من المطلوب في الزوجين ان يكتشفا اساليب جديدة للتعبير عن المحبة والمشاركة فيها، لان اكتشاف اسلوب جديد يحيطنا بمشاعر جديدة من المحبة، خاصة اذا عرفنا ان عالم الحب واسع متعدد الاطياف.

وبالطبع فان هذا لا يعني ان نترك التعبير عن المحبة بالكلام، بل بالعكس فان الحاجة الى التعبير عن الحب لمن نحب تبقى حاجة دائمة، حتى ان من المستحب في الآداب الاسلامية ان يعبر الانسان عن حبه لاخيه المؤمن، فقد روي ان رجلا مرّ في المسجد و الامام الباقر عليه السلام جالس، فقال له بعض جلسائه: والله اني لاحب هذا الرجل. قال ابو جعفر (ع): ألا فاعلمه، فانه أبقى للمودة وخير في الالفة.

وما قيمة الحب الذي لا يعبر عنه بالكلام؟ ثم ما قيمة الكلام ان لم يترجم الى عمل؟ وهكذا فان المحبة قيمتها مثل قيمة النور، انما ينفع النور اذا انتشر، اما اذا كان مغطى بحواجز فهو لا ينفع ثم ان قيمة النور بان تستفيد منه وان تمشي في ضوئه،  وان نعمل وننظر الى الاشياء من خلاله، وهكذا الحب.

نعم؛ عندما تمتلئ قلوبنا بالحب، وعندما نتقاسم هذا الحب، فاننا نصبح اكثر رأفة وملاطفة ومثابرة، وتنمو رؤيتنا، ونكسب مزيدا من الرضا وعندما نكتشف اساليب جديدة لتقاسم هذا الحب، يحدث التحول السحري في حياتنا فنصبح اكثر اهتماما بشريك الحياة، وكلما اكتشفنا اساليب جديدة للتعبير عن هذا الحب لشريك الحياة، نجد انفسنا وقد احاطتنا مشاعر الحب.

ان الناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، ولكنهم قلما يتذكرون يد الله التي خلقت لهم من انفسهم ازواجا، و اودعت في نفوسهم هذه العواطف والمشاعر، وجعلت في تلك الصلة سكناً للنفس ، وراحة للجسم والقلب واستقراراً للحياة والمعاش، وانساً للارواح والضمائر، واطمئناناً للرجل والمرأة على السواء.

ان الذي خلق هذا الانسان وجعل من فطرته الزوجية، شأنه شأن كل شيء في هذا الوجود، "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" (الذاريات /49)، ثم شاء الله ان يجعل الزوجين في الانسان شطرين لنفس واحدة، وخلق منها زوجها. واراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - فيما اراد- ان يكون هذا اللقاء سكنا للنفس وطمأنينة للروح من خلال المحبة التي تجمع بين الزوجين، ذلك ان الحب هو اكمل واعظم رباط للحياة الزوجية لانه جوهر الحياة واقوى روابطها.


ارسل لصديق