من روائع حقوق الخصومة في الإسلام
كُن شاهداً على نفسك قبل شهادة الشهود
كتبه: أمير حسين صفري
حرر في: 2017/01/01
القراءات: 490

نزل الإسلام مكملاً لمكارم أخلاق الشرائع السماوية ومتممًا لها، لم يترك شاردة ولا واردة من شؤون حياة الإنسان إلا اعتنى بها، ولا خافية إلا أظهرها، ولا غامضة إلا أوضحها، ولا مُعتمة إلا سلّط عليها أنوار المعرفة ليضيء تفاصيلها بآيات القرآن الكريم، ثم بالأحاديث النبوية الشريفة، ثم بما جاءنا من أخبار آل البيت، عليهم السلام، ومواعظهم.

ولأن الإنسان كائن حي يؤثر ويتأثر ويتفاعل مع من حوله من البشر في المجتمع الواحد؛ يغدو من الطبيعي أن تنجم عن هذا التفاعُل بعض الأخطاء المتعمدة والسهوات غير المقصودة المؤدية للخصومات، والتي تقود الخصمين للوقوف أمام القضاء تحت صفة «المدعي» و»المُدعى عليه» في موقف حساس يتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والصبر والحكمة كي يأخذ العدل مجراه في حل النزاع بينهما دون تعقيد أو تشويش أو تضليل عن الحقيقة.

لم يغفل الإسلام عن الإشارة إلى حقوق «المُدعي» و»المُدّعى عليه» في هذا الموقف، ومن أكثر القصص انتشارًا عن الخصومات في عهد أهل البيت، عليهم السلام، حكاية الرجل الذي كان من أهل الذمة، ووجد الإمام علي، عليه السلام، درعه المفقود عنده، ورغم أنه كان أميرًا للمؤمنين في ذاك الوقت، وقادرًا على استرداد الدرع بكلمة منه، إلا أنه آثر رفع شكايته إلى القضاء ليكون في ادعائه على قدم المُساواة مع المُدعى عليه إحقاقا للحق، بل تأثر لأن القاضي ناداه بكُنيته «أبي الحسن» بينما نادى الخصم باسمه، وشعر أن في ذلك خدشًا لكمال العدل في المُعاملة برفع منزلته المعنوية على منزلة خصمه.

كذلك لم تهمل «رسالة الحقوق» الشهيرة للإمام علي بن الحسين زين العابدين، عليه السلام، هذه المسألة، إذ فصّلت حق المُدّعي في النص الذي يقول: «وأما حق الخصم المُدّعي عليك؛ فإن كان ما يدّعي عليك حقًا لم تتفسخ في حُجته، ولم تعمل في إبطال دعوته، وكنت خصم نفسك له، والحاكم عليها والشاهد له بحقه دون شهادة الشهود، فإن ذلك حق الله عليك، وإن كان ما يدّعيه باطلاً رفقت به، وورعته، وناشدته بدينه، وكسرت حدّته عنك بذكر الله، وألقيت حشو الكلام ولغطه الذي لا يرد عليك عادية عدوّك، بل تبوء بإثمه، وبه يشحذ عليك سيف عداوته، لأن لفظة السوء تبعث الشر، والخير مقمعة للشر، ولا قوة إلا بالله».

فالمؤمن حقا يستشعر الخوف من ربه لا سيما فيما يتعلق بحقوق العباد ومظالمهم، وإذا ادعى عليه شخصٌ بالحق رد له حقه، وكان قاضيًا على نفسه بالحق قبل قضاء القضاة، إذا كان ادعاء الخصم باطلاً فعلى المُدّعى عليه تجنّب استفزاز خصمه واستثارة عداوته بالألفاظ النابية والتصرفات الوقحة والصوت المُرتفع، لأن استثارة العداوة لا يؤدي إلا إلى مزيد من الكراهية والحقد، ويُضاعف من تعقيد القضية، ويزيد من تأجيج نيرانها.

ولم تُقصر «رسالة الحقوق» أيضًا في وصف حق المُدّعى عليه، إذ أفصحت عنه بقول الإمام زين العابدين، عليه السلام: «وأما حق الخصم المُدّعى عليه؛ فإن كان ما تدّعيه حقا أجملت في مُقاولته بمخرج الدعوى، فإن للدعوى غلظة في سمع المُدّعى عليه، وقصدت قصد حُجتك بالرفق، وأمهل المُهلة، وأبين البيان، وألطف اللطف، ولم تتشاغل عن حُجتك بمنازعته بالقيل والقال فتذهب عنه حجتك، ولا يكون في ذلك دَرك، ولا قوة إلا بالله».

وهنا يوصي الإمام عليه السلام المُدّعى عليه بتجنب الخروج عن سياق دعواه، والانجراف وراء «القيل والقال» في مسائل جانبية لا تدعم شأن الدعوى ولا تخدم أمرها.

والتزام الرفق في الفاظ الدعوى وتفاصيل شرحها مراعاة لإنسانية الخصم ومشاعره، ومراعاة لصورة المُدّعي أمام القضاء، ولو أن كل مُدّعٍ ومُدّعى عليه التزم تلك الحقوق والآداب في خصومته لحُلت أكثر القضايا في المُجتمعات الإسلامية تحت مظلة التراضي، بل ربما قلت الخصومات إلى حدٍ كبير؛ لأن كل طرف يعرف حدوده، ما له وما عليه.

جديرٌ بالمُجتمعات الإسلامية التي تملك كنوزًا من موروثها الديني والأخلاقي القويم أن تتمسك بتلك الكنوز وتتخذها منهاجًا وطريقا، لأنها السبيل المثالي لحفظ حقوق الفرد وحقوق المجتمع، وبحفظ تلك الحقوق تقل معدلات الجريمة، وتخبو الأحقاد، وتضمحل الكراهية، ويصير كل إنسان شاهدًا على نفسه قبل شهادة الشهود، وقاضيًا على ذاته قبل قضاء القُضاة.

------------------

* كاتب من إيران


ارسل لصديق