العقل ثم العلم
كتبه: باسم عبد الأمير
حرر في: 2012/10/29
القراءات: 3269

هناك سؤال يطرح نفسه دائماً في الاوساط الثقافية و الفكرية؛ ماهي العلاقة بين العقل والعلم؟ ولماذا نجد في آيات الذكر الحكيم تاكيداً على دور العقل وكذلك في السنة الشريفة؟ و أيهما الافضل؛ ان يكون الانسان عاقلا أم ان يكون عالماً؟

وللاجابة نضرب مثلاً؛ لنفترض العقل بمثابة الوعاء والعلم بمثابة ما فيه، فما هي العلاقة بين الوعاء  وما فيه؟

فاذا كان عندنا كأس ممتلئ بالماء، فيعني بديهيةً أن الكأس لا يحمل إلا بمقدار حجمه.

والعقل ايضاً هو ذلك الوعاء، والعلم هو بمثابة ما فيه، والعلاقة بينهما هي بمنزلة علاقة الأم بوليدها، والاصل بفرعه، وعلاقة الجذر بالساق؛ فكلما كان الوعاء اكبر كلما كان استيعابه للمخزون اكثر، وكلما كان عقل الانسان أكبر كان استيعابه للعلم اكثر.

وللاسف فاننا نجد ان هناك الكثيرين ممن يقتنون في بيوتهم الكتب والمجلدات الكثيرة في مختلف العلوم، الا أنّ قدرة استيعابهم للافكار التي تحويها تلك الكتب ضعيفة، فهم لا يستطيعون الربط بين ما يملكونه من الكتب و بين ما يقدمونه من معلومات، مخالفين بذلك مضمون الحديث الشريف: «حديث واحد تدريه خير من الف حديث ترويه».

وهناك أيضاً الكثير من الطلاب لا يفكرون إلا في زيادة علمهم، وهناك عدد قليل منهم أوتي الحكمة ففكر أن يزيد من عقله، فاولئك يدخلون الصف فيحدثهم الاستاذ – مثلاً- عن الموت والحياة، ويضرب لهم الامثال فيحفظونها ويحفظون النصوص و ينتبهون الى إعرابها، دون أن يلتفتوا الى جوهر ما قاله، و دون ان يسألوا انفسهم ان الموت هو الذي يهددهم في كل لحظة، وهكذا لا يعملون على زيادة عقولهم، بل يحاولون زيادة محفوظاتهم في حين انّ هذه المحفوظات ستزول و تذهب والعقل هو الذي يبقي و يخلد.

ولا شك ان العقل مهما كبر فانه غير قادر على استيعاب العلوم الكثيرة الغزيرة، فعلينا ان نحدد منذ الآن موقفنا إزاء العلم، أ هو موقف التكديس والزيادة في المعلومات أم هو موقف رفع نوعية وكيفية تلك المعلومات، فعلينا اذن ان نزداد فهماً وخبرةً وعقلاً، والا فما الفائدة من زيادة العلم إذا لم نزدد تدبيراً و تواضعاً لله ومعرفة وعرفاناً به ـ تعالى ـ، فاذا اردنا ان تصبح عقولنا اكبر من علمنا، فعلينا ان لا نختار على العقل شيئاً.

والقرآن الكريم نفسه يؤكد على دور العقل في الكثير من آياته، فكثيراً ما نجد فيه تعبيرات مثل: «يا أولي الالباب» و «أفلا تعقلون» و «قوم لا يفقهون»، فهي تؤكد على العقل و تمنحه الثقل الاكبر في الحياة، وهذا هو جوهر الحضارة الاسلامية، في حين ان الحضارات الاخرى تفتقر الى قدرة العقل الواعية التي من شأنها ان تضبط الجانب المادي من الحضارة.

لقد جاء الانبياء عليهم السلام، لإكمال و انضاج عقول البشر لا لزيادة علمهم، فرسالتهم تستهدف رفع المستوى العقلي للناس ومنحهم الرشد الفكري، ولكننا نجد للاسف الشديد عكس هذه الحالة حتى في بلداننا الاسلامية، في حين انّ هناك بلدانا غير اسلامية استطاعت من خلال رفع مستواها الفكري والعقلي ان تطور نفسها وان تنافس البلدان المتقدمة في تطورها، والمثال الواضح على ذلك اليابان، فلقد فتح اليابانيون ابواب بلادهم للغرب ولكن لعلمه لا لعقله، فحافظوا على ثقافتهم و تقاليدهم وتركيبة مجتمعهم وما يزالون محافظين عليها.

وفي الحقيقة فان سر المعجزة اليابانية يكمن قبل كل شيء في احتفاظهم بعقولهم في نفس الوقت الذي استفادوا فيه من علوم الآخرين.

و إزاء ذلك نجد بلداننا للاسف الشديد عاجزة عن منافسة الغرب رغم انها تمتلك ثروة هائلة من البترول تستطيع بواسطتها بناء اعظم حضارة كما ذكرت المجلات الاجنبية عام 1973 عندما ارتفعت أسعار النفط، إذ أبدت هذه الصحف والمجلات مخاوفها من ان يسيطر المسلمون والعرب على الاسواق الاوربية اذا ما استمرت تلك الحالة.

وللاسف فان اسعار البترول سرعان ما هبطت لترتفع اسعار السلع التي يصدرها الينا المستعمرون بمقدار اربع مرّات حتى انّ ميزانيات البلدان المنتجة للنفط اخذت تعاني من العجز!

والسبب في كل ذلك يعود الى ان بلداننا تمتلك العلم و تمتلك الخبراء ولكنها لا تمتلك العقل، فاموالها تهدى الى اميركا وثرواتها تمتص من قبل البلدان الغربية بثمن بخس، في حين انها تستورد السلع والبضائع من الغرب بأثمان باهظة، والعجيب انّ هذه السلع والبضائع قد اعتمد الغرب في انتاجها على تلك الثروات التي نهبها من البلدان الاسلامية.

وهكذا استحوذوا على ثرواتنا، وجعلوا اموالنا في بنوكهم يتصرفون بها كيف شاؤوا وافتعلوا الازمات في المنطقة، وقضوا على بنيتنا الاقتصادية وسلبوا منا كل مقومات التطور.


ارسل لصديق