التقوى في مسيرة العلم
كتبه: باسم عبد الأمير
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1479

العلم و التقوى صنوان يكمل أحدهما الآخر، فلا خير في علم لا تقوى فيه، كما انّ التقوى التي ينقصها العلم تعدّ ناقصة، فكما أمر تعالى بطلب العلم وقال: [وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] (سورة طه /114)، أمر أيضاً بطلب التقوى في آيات عديدة منها قوله ـ تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (سورة المائدة /100).

والعلم على درجات ومراحل، فليست العلوم في مستوى واحد، فهناك علوم الأبدان وعلوم الأديان والأرواح، وعلم الأبدان بدوره ينقسم الى مئات بل آلاف الاقسام، فقد اكتشف الانسان لحد الآن المئات من الحقول العلمية، و كذلك الحال بالنسبة الى علوم الدين، ففي علم التفسير – مثلاً- هناك من يتوصل الى تفسير آية واحدة، وهناك من يحيط بتفسير القرآن كله، وهناك من يتقن التفسير من وجه واحد، وهناك من يتقنه من أوجه مختلفة.

وكما ان العلم درجات و أقسام فكذلك التقوى، وربما كان هناك الكثير منا يجهل هذه الحقيقة، فنحن نحسب ان التقوى حالة واحدة، في حين انها مجموعة متكاملة من الروادع و الملكات النفسية تجتمع الى بعضها البعض لتشكل التقوى، ولتوضيح ذلك، أضرب المثالين التاليين على انواع وحقول التقوى ودرجاتها:

فبالنسبة لأنواع التقوى هناك من الناس من يخدعه المال فإن أعطيته ديناراً باع لك دينه، ومن الناس من لا يخدعه المال بل يخدعه الجاه، فإن أسبغت عليه بكلمة مدح تنازل لك عن دينه وعن تقواه، ومن الناس من لا يخدعه المال والمنصب، ولكن تخدعه شهواته الجنسية، فلا يمتلك نفسه في مواجهة الإغراء الجنسي.

إذن؛ حقول التقوى متعددة، وفي جميع هذه الحقول يكون الانسان بحاجة الى مناعة تصونه من المغريات المختلفة التي تحاول أن تهزم التقوى في داخله. وتعتمد اساليب تنمية التقوى في النفس الانسانية بالدرجة الاولى على استعداده ومن ثم مثابرته في رعايتها، وهناك الكثير ممن يفتقر الى هذه المناعة، فنرى إن أبسط المغريات من الممكن ان تؤدي به الى الانحراف والكفر وبالتالي الى النار.

وكما ان مناعة الجسم تختلف من مرض لآخر، فبعض الناس لديهم مناعة ضد الحُمّى، في حين يفتقرون اليها إزاء مرض آخر وهكذا سائر الامراض، كذلك الحال بالنسبة الى مناعات الروح، وثمة التفاتة ينبغي التوقف عندها، والتأمل فيها تكمن في  سورة البقرة فهي تدور من أولها الى آخرها حول التقوى ولكن في مجالات متعددة؛ في الجهاد، وفي الحج، وفي العبادات، وفي العلاقات الزوجية، والشؤون الاقتصادية.

وهنالك أمثلة حيّة - عديدة حول درجات التقوى، منها ما جرى في عهد معاوية عندما بعث في طلب رجل وقال له: أريد منك ان تختلق حديثاً في ذمّ علي ابن ابي طالب، وأن تثبت انّ هذه الآية الكريمة «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ»، قد نزلت في إبن ملجم وأن الآية «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ»، نزلت في علي بن ابي طالب..!

فقال الرجل: هذا الحديث يتطلب مالاً كثيراً فكم تعطيني..؟! فقال: خمسين ألف درهم، فقال: البضاعة أغلى..! فقال: لك مائة ألف درهم، فقال: انه قليل أيضاً..! فأخذ معاوية يضاعف هذا المبلغ حتى إتفقا على نصف مليون درهم..!

وفي كل يوم  يمر علينا ونكتسب فيه علماً جديداً، علينا أن نكتسب تقوى بنفس هذا المقدار، فإذا زاد العلم، ونقصت التقوى كان ضرر العلم أكثر من نفعه، كما يقول الحديث الشريف: «من ازداد علماً ولم يزدد خشوعاً، لم يزدد عن الله ألاّ بعداً».

لقد كان إبليس عالماً، ولكن علمه هذا أخلده الى الارض بدل أن يرفعه منها، لأن علمه انفصل عن التقوى، والى ذلك أشار الشاعر:

لوكان للعلم من غير التقى شرف     لكان أشرف خلق الله إبليس

لذا فان التقوى هي التي تقي الانسان من أهوال يوم القيامة. ففي هذ اليوم العصيب يشعر الانسان بحاجة ماسة الى من يحفظه من كروب هذا اليوم، كالصلاة التي يؤديها الانسان كاملة بشروطها، فإنها تأتي اليه يوم القيامة في صورة إنسان حسن الوجه، طيب الريح، ثم يقول له: أنا معك، سوف أساعدك، وفي غير هذه الحالة تأتي هذه الصلاة الى الانسان في صورة كائن مسخ مشوّه، ولذلك جاء في الحديث الشريف: (لا يقبل من صلاة المرء إلاّ ما يلتفت فيه).

فنحن بحاجة الى أن نؤدي الصلاة بكاملها، فهذه الصلاة هي التي تزيد من تقوى الانسان بشرط ان يصليها بخشوع ويتوجه الى الله تعالى فيها.


ارسل لصديق