من الوحيد البهبهاني إلى المرجع المدرّسي - الإطار الجديد لعلم أصول الفقه
كتبه: سماحة الشيخ حسن البلوشي
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 2699

كثيراً ما حار فلاسفة العلم في تحليل ظاهرة انتقال العلم من إطار تفسيري معيّن إلى إطار آخر، فما الذي يجعل من نظرية علمية ما تهيمن على عقول العلماء لفترة من الزمن، ثم لا تلبث أن تنهار لتحلّ محلها نظرية أخرى؟

فالعالَم الفيزيائي النيوتني - نسبة إلى نيوتن- بقواعده وقوانينه هَيْمَنَ على تفسير العلماء للكون والطبيعة، بل بالغ البعض في تفسير النظم الاجتماعية من خلاله لفترة من الزمن، إلا أنه بعد فترة أخرى سقط أمام التفسير النسبيّ المنسوب للنظرية النسبية لآينشتاين، وهذا الأخير بدوره أَفَلَ وسقط مع نهاية القرن العشرين أمام التفسير الكوانتمي، نسبة لنظرية الكمية "الكوانتم".

هنالك العديد من التفسيرات لهذه الظاهرة، ظاهرة التحوّل العلمي، طرحها فلاسفة العلم في القرن العشرين. لعل من أشهرها نظريتين؛ الأولى هي نظرية فيلسوف العلم الأمريكي توماس كون (Thomas Kuhn) التي عرضها في كتابه "بنية الثورات العلمية[1]" (Structure of Scientific Revolutions)، والثانية هي نظرية فيلسوف العلم البريطاني كارل بوبر (Karl Popper)، والتي تناولها في متفرقات كتبه. وعلى الرغم من أن جهود فلسفة العلم بشكل عام، ونظرية هذين العالِمَيْن بشكل خاص، معنية بالدرجة الأولى بالعلوم الطبيعية (Science) ولم تحاول تعميمها إلى مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلا أنه يمكن الاستفادة من تصورهما المجازي - على الأقل- في توصيف ظاهرة الهيمنة العلمية وكيفية تحولها، مع الإقرار بعدم الدقّة العلمية لاسقاط أيِّ من النظريتين على مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وما يهمنا هنا هي نظرية توماس كون.

يرى "كون" أن استقرار أيَّ تفسير علمي لفترة من الزمن إنما يستند إلى عوامل اجتماعية وأخرى علمية، تلك العوامل الاجتماعية تتمثل في اشتغال مجموعة من العلماء في حقل علمي ما، واقتناعهم بنظرية معينة، مما يجعلهم يمدّدون أصولها المعرفيّة وتفسيراتِها إلى أبعاد خارج نفس الحقل العلمي، ويحاولون إعادة تفسير الكثير من العناصر على أساسها. كما أنهم يقومون بشرح النظرية وتبسيطها، وتحويلها إلى قوالب سهلة للتناول العام. وقد يستمر هذا الحال لفترة من الزمن، بحيث يبدو لجيل العلماء أن هذه النظرية هي الوحيدة الكفيلة بتفسير العالَم، وبطبيعة الحال يُعين على ذلك الأدلة العلمية المادية، التي تُنجزُ بدورها على أرض الواقع مكتشفات وتفسيرات تعزز من قبول النظرية العامة. هذا المركب التفسيري هو ما يصطلح عليه كون بـ"البراديغم" (paradigm)، أي النموذج أو النظام.

إلا أن أيّ براديغم وبعد فترة من الزمن يواجه أزمةً معرفيّةً، وذلك بظهور ثغرةٍ معرفيّةٍ في أحد جوانبه أو بتحوّل ثوري في النظرة إلى العالَم، تقود بدورها إلى سلسلة من الانهيارات في البراديغم، مما يصيبه بالعجز عن تقديم تفسير علمي للحقائق الماثلة، فيتيح بدوره المجالَ لظهور براديغم آخر يحل محله، ويكون أقدر على التعامل مع الأزمة الجديدة بل ويقدم تصوراً أفضل لها. يصف الدكتور حيدر إسماعيل هذه الجزئية بقوله إن نظرية كون لها جهة تاريخية، "تؤكد وجود أزمات في النشاط العلمي على غرار ما يحصل في العمل الاجتماعي - السياسي. والأزمة تحدث عندما يُفاجَأ العاملون في الحقل المعرفي بظاهرة غير مُتَوَقَعٌ ظهورها ولا يقدر العمل العادي أن يشرحها. هنا، يحصل إنقسام المتّحد، أيّ البيئة العلمية، إلى فئتين: واحدة تظل متشبثة بالبراديغم القائم، وأخرى، وغالباً ما تكون من العلماء الشبان، تتحول إلى نظرة جديدة فبراديغم جديد، ويكون الحاصل ثورة علمية"[2]. بعبارة أخرى؛ عندما يستنفد إطار تفسيري معين أو براديغم قدرتَه على العطاء العلميّ في حقله، وذلك لإنسداداتٍ معرفيّةٍ، فإن نموذجاً تفسيرياً آخر يحلّ مكانَه، ويواجه القضايا العلميّة المستحدثة.

علم الأصول بوصفه البنية التحتية للتحول الحضاري

إمتاز علم أصول الفقه بعدة سمات ميّزته عن مجموع العلوم التي احتضنتها الحضارة الإسلامية، فهو من جهة علمٌ إسلاميٌّ خالصٌ، وُلِدَ متصلاً بالعلوم الإسلامية كالكلام والفقه، ووُظِّف في خدمتها، وعلى الرغم من التطورات اللاحقة له بتسرب بعض المفاهيم الفلسفية اليونانية إليه، و التي نمت في حقول الفلسفة ، إلا أنه ظلّ إسلاميَ المولد والوظيفة. ومن جهة أخرى، فهو مَنْطق الفقه وعقله الذي يفكر، وهذا جعله علماً تشترك فيه كل المذاهب الإسلامية، وتثريه بآرائها ومناقشاتها. والميزة الأهم؛ أنه العلم الذي من خلاله توضع أصول التحول الحضاري، أو بتعبير السيد المرجع المدرسي: "البنى التحتية للتحول الحضاري"[3]. من الناحية التاريخية والمنطقية، فإن أيّ تحوّل حضاري في الحضارة الإسلامية كان بحاجة ، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية، إلى تطوّر كلاميّ يعيد تأسيس النظرة إلى العالم، ومن ثمّ يُمنهَج قواعدَ وأصولاً استنباطية توفر الأرضية المعرفية للفقيه لترجمتها على أرض الواقع في سلوك المسلمين متمثلاً في الفقه.

ولعل من شواهد ذلك ما نراه في الإطار السني، حيث عبّر علم الأصول عن تحوّل تاريخي وحضاري، فمحمد بن أدريس الشافعي [ت 204 هـ/820 م] على سبيل المثال مثّل علامة فارقة، وفي فترة أخرى كان أبو حامد الغزالي [ت 505 هـ /1111م]؛ الذي يعدّه الكثير نقطة تحوّلٍ حضاري عميقةً، ومن ثمّ أبو إسحاق الشاطبي [ت 790هـ/1388م] الذي كان بدوره طفرةً نوعية في علم الأصول، وأخيراً في القرن العشرين مع علال الفاسي [ت 1394هـ/1974م] والطاهر بن عاشور [ت 1393 هـ /1972م] وإسهاماتهم المقاصديّة. كما في الإطار الشيعي الإمامي نجد نقاطاً مماثلة، إبتداءً من الشيخ الطوسي [ت 460 هـ/ 1067م]؛ الذي مثّل العصر المباشر لما بعد الغيبة، وفي فترة أخرى كان المحقق والعلامة الحليان؛ اللذان مثلا فترة مختلفة سبقت العصر الإخباري، وأخيراً العلامة الوحيد البهبهباني [ت 1206 هـ/ 1791م] الذي لا يزال علم الأصول يدور في مجرى إطاره.

مدرسة البهبهاني والإطار العام لعلم الأصول المعاصر

على يد المحقق الأردبيلي [ت 993 هـ/ 1585] وصلت "نظرية الظن" الأصولية التي أسسها المحقق الحلي إلى منحنى خطير، أو على الأقل هذا ما تصوره البعض، خصوصاً بعد توظيفها على التراث الحديثي والروائي، بل قارب الأمر إلى الوصول إلى الإنسداد العلمي، وبناء المعرفة الدينية على أساس من الظن المحض. لم يَرُقْ هذا الوضع للمجتمع العلمي في الوسط الإمامي، فقد كان من الصعب وغير المقبول الالتزام بتداعيات نظرية الظن، وما يستلزم ذلك من إزاحة كم كبير من التراث الروائي جانباً فقط لأنه لا يتوافق مع ضوابط "اليقين" وفق نظرية الظن.

أمام هذا "التطرف" الظني، بَرَزَتْ المدرسة الإخبارية كردة فعل عنيفة، إنتقلت من طرف إلى طرف آخر، فباتت الكتب الأربعة بكل مروياتها حجةً في المعرفة الدينية، وظواهر القرآن الكريم مرهونة بتفسيرات الرواية، وحدود العقل مُأَطَّرَة في مجالات ضيقة جداً، مع إعلاء لظاهرة "الاحتياط"، فضلاً على تداعياتها الاجتماعية والسياسية في المجتمع الشيعي. وبهذا، ابتدأ جدل ساخن في المجتمع العلمي طال على مدى قرنين من الزمان، تبادل فيه الطرفان الردود والرسائل، وفي أحيان أخرى التهم، إلى أن إنتهى الصراع على يد طرفين معتدلين من كلا الإتجاهين: الأول: هو المحدث الشيخ يوسف البحراني [ت 1186هـ/1772م]؛ مُمَثّلاً عن التيار الأخباري، والثاني هو محمد باقر البهبهاني المعروف بـ"الوحيد البهبهاني"؛ مُمَثّلاً عن التيار الأصولي.

قَدِمَ البهبهاني إلى مدينة كربلاء المقدسة، التي كانت آنذاك معقل الإخباريّة، طالباً يبحث عن قصاصات علم ينتفع بها، وتدرَّج في سلّم العلم طاوياً مراحل المعرفة، إلى أن وصل به الحال إلى تأسيس مدرسة أصولية حديثة. كانت دروسه تقام سرّاً في أزقة كربلاء، إلى أن حاز على ثقة إجتماعية علمية أثبت بها جدارته، واستطاع بها أن يعلن مواجهته للتيار السائد آنذاك، فبَرَزَ مواجهاً المحدّث البحراني في المجالس العامة، ومحاضر العلم، وطالت بهم المناقشات حتى أفَلَتْ المدرسة الإخباريّة وبرزت في المقابل المدرسة الأصولية الحديثة. وما لا يمكن إنكاره هو الثراء الفكري الذي تركته المدرسة الإخبارية في الفكر الشيعي إنْ على مستوى المساهمات التصنيفية، من خلال الموسوعات الحدثية التي نمت في عهدها أو على مستوى الأسئلة التي طرحتها في الإطار المعرفي.

وليس من المجازفة القول إنّ الإطار العام لعلم أصول الفقه الإمامي المعاصر هو ذات الإطار الذي أسسه العلامة البهبهاني؛ وهو الذي نجده متمثّلاً على المستوى الأصولي في "فرائد" الشيخ الأنصاري [1281 هـ/ 1864م]، وعلى المستوى الفقهي في جواهر العلامة النجفي [ت 1266هـ/1850م]. فعلى الرغم من التراث الضخم الذي تراكم خلال القرنين الماضيين أصولياً وفقهياً، وعلى الرغم من التوسع في مباحث الأصول ونمو الكثير من النظريات الأصولية في العديد من مباحثه؛ إلا أن الإطار العام لا يزال هو الإطار البهبهاني.

ما يتميز به إطار مدرسة البهبهاني أنه يدور في فلك "الحجيّة"، فالنقطة المركزية أو المحور الرئيس في بحثه الأصولي هو "الحجية" وتوابعها، فأهم سؤال بالنسبة لهذا الإطار، هو الحجة في الدليل الذي يستند اليه للاستنباط الفقهي لتحديد السلوك المُبرئ للذمة. وعلى هذا الأساس برزت ثلاثية "العلم والظن والشك"، وما تطوّر من خلالها من بحوث في التنظير لكيفية الاستناد في العلم، وتفرع عنها أيضاً ما سمي بالأصول العملية التي تحدّد تكليف الفرد في حال غياب النص أو الدليل. كما أن مدرسة البهبهاني أعادت الإعتبار للعقل من جهة، كما أعادت موضع القرآن الكريم في سلّم المصادر الشرعية، فضلاًعلى ما طوّرته هذه المدرسة على مدى قرنين من بحوث فرعية في مباحث الألفاظ.

المدرّسي والإطار الجديد لعلم الأصول

في بدايات القرن العشرين، وتحديداً بين عامي 1905 ـ 1907م وإبان الثورة الدستورية في إيران، واجهت مدرسة البهبهاني أول اختبار حقيقي لها، تمثل في التعامل مع الشأن العام المرتبط بهموم الاجتماع السياسي الإسلامي، وذلك في قضية تحديد شرعية الحكم، وسلطة الحاكم، وصلاحيات البرلمان - مجلس الشورى-. وقد خاض في هذا الجدل ليس عامة الناس فحسب بل أقطاب الحوزة العلمية، متمثلة بأعمدة علماء الأصول آنذاك، وهم الآخوند الخراساني [ت 1329هـ/1911م]، والعلامة النائيني [ت 1355هـ/1936م]، إذ إن الأخير حاول معالجة إشكالية الدولة وعلاقتها بالبرلمان من خلال نفس مرتكزات مدرسة البهبهاني بأدوات أصولية وفقهية، وذلك في رسالة بعنوان (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، وهي المرة الأولى التي يفكر فيها الفقيه الأصولي بقضايا الشأن العام من خلال الأدوات التقليدية لعلم الأصول، إلا أن هذه المحاولة لا يمكن تقييمها، وذلك أن الرسالة سُحِبَتْ من السوق بعد نشرها، كما أنها لم تلق اهتمام العلماء سواء بالقبول أو الرفض، ولعل وراء ذلك أسباباً سياسية واجتماعية.

لم تمر ستة عقود حتى عادت أسئلة الشأن العام وقضايا الدولة إلى السطح مرة أخرى في الوسط الشيعي الإمامي، وطرحت على مناضد بحوث العلماء، إلا أنها هذه المرة جاءت مصحوبة بكم كبير من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل والمعرفيّة أيضاً. تركزت كل هذه الأمور في التحول الذي حدث في إيران بنجاح ثورة الإمام الخميني (ره)، وتحول إيران من الحكم الملكي إلى الجمهورية الإسلامية. وهذه هي المرة الأولى في التاريخ الذي يكون فيها المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة بقيادة الفقهاء وإدارتهم. وما زاد الأمر تحدياً أنه حدث في ظل عصر حديث تشهده الإنسانية، وما يعنيه ذلك من كمية كبير من الأسئلة، ونوعية جديدة من التحديات. في هذا السياق كان مطلوباً من مدرسة البهبهاني التي وصلت إلى ذورتها الأصولية أن تقدم إجابات وتصنع بدائل للتحديات الجديدة إلا أن الحقيقة أنها وجدت نفسها عاجزة أو أنها قد استنفدت كل إمكانياتها أمام الواقع الجديد، وكانت هذه الصدمة بمثابة ما عبر عنه (د. حيدر) سابقاً بـ"الظاهرة غير المتوقع ظهورها في الحقل العلمي" ـ بمصطلحات كون، إذا أردنا استثمار نموذجه في تحليل التحوّل المعرفي في علم الأصول، فقد بدأت نظرة جديدة للعالَم بالتحول من الفرد إلى الدولة، ومن الجواب إلى المبادرة، فما عاد يكفي التعامل مع المستجدات بالأصول العلميّة، كما لم يعد تفسير الدين وتطبيقه ممكناً في ظل نصوص مقطوعة عن أصولها الأخلاقية، كما أن العناوين الثانوية إذا وضعت في التعامل مع المستجدات بعنوان: (المصلحة) فإن قيم الدين ستُهمّش لصالح أمور يُظن أنها (مصلحة) في ظل غياب معايير قيمية تضبط أولويات المصلحة. كما في الوقت ذاته فإن الإقتصار على المعالجات الفقهية فقط سيضطر إلى الوصول إلى الأصول التي يسيّر عملية الاستنباط. بعبارة أخرى فإن البراديغم (paradigm) البهبهاني بدأ بالإنهيار شيئاً فشيئاً أمام التحول في النظر إلى العالم، وفي ظل ظواهر علمية جديدة غير متوقعة ولا يكفي في معالجتها مجرد إصلاحات جزئية بل المسألة بحاجة إلى تجديد منهجي في عملية الاستنباط.

في هذا السياق وفي وقت مبكر من التجربة الإسلامية الشيعية الجديدة، تَقدّم المرجع المدرّسي بأطروحة التطوير الأصولي، والتي بدأت بسلسلة من المحاضرات بعنوان (التمدن الإسلامي؛ أسسه ومبادئه)[4] ألقاها على طلبة حوزة الإمام القائم عجل الله فرجه العلمية عام 1981م، ثم تلت ذلك بداية تأليف موسوعته الأصولية الفقهية بعنوان (التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده) المكونة من عشرة أجزاء، ثلاثة منها تمثل الرؤية الأصولية التجديدية، والبقية تمثل التطبيق الفقهي للأطروحة الجديدة، وقد بدأها عام 1991، إنتهت عام 2003م بصدور الجزء العاشر منها.

يعيد المرجع المدرّسي في أطروحته الأصولية، أصولَ الفقه إلى موضعه الطبيعي ودوره التاريخي المتمثل باعتباره "البنى التحتية للتحول الحضاري"، ففي علم الأصول تُمَنْهَج النظرة الجديدة للعالم - التطور الكلامي- ومن خلاله تطرح الأسئلة الرئيسية التي تهمّ المجتمع في تحوله الحضاري. ففي هذا السياق، وبينما كان محور المدرسة البهبهانية هو (الحجيّة)، فإن محور الأصول وفق الإطار الجديد الذي يطرحه المرجع المدرسي هي "قيم الشريعة"، منظوراً إليها ليس على المستوى التكليفي الفردي بل على المستوى الإجتماعي. ومن أجل هذا الغرض فإنه يعيد قراءة حجيّة المصادر الأولية للإستنباط؛ القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والعقل، والإجماع، لتوظيفها في إطار معرفة مقاصد الشريعة وقيمها، وفي الوقت ذاته فإنه يدمج بحوث فلسفة القانون الحديثة وفلسفة الأخلاق بعلم أصول الفقه، ويتساءل عن هرم أو شجرة القيم الشرعية، وكيفية تحديد الثابت منها عن المتغير، وكيفية معالجة الأولويات حين تعارضها نظرياً وعملياً على أرض الواقع. وهذه القضايا الكبرى لا يتم خوضها من دون الخوض في تفاصيل تعريف القيم ومصادرها، وحدود العقل والنص والعلاقة بينهما، وكيفية تركيب النصوص الدينية بعضها مع بعض لتكون لحمة معرفية واحدة، وكيفية الوصول إلى القيم الأسمى، وكيفية دراسة المجتمع في تحديد المصلحة الأهم أو التحدي الماثل. وقد استتبع ذلك تغيّر جذري في بينة الفقه إن على مستوى الاستنباط أو الشكل.

بعبارة؛ المرجع المدرّسي وبأطروحته نقل الإطار العام لعلم الأصول من المدرسة البهبهانية إلى إطار جديد يستفيد من مبتكرات الجهود السابقة، ويتصل بمصادر المعرفة الدينية، ويضيف إليها محاور جديدة تجعل منه براديغم جديد في التعامل مع العصر الحديث، ويربطه في الوقت نفسه بالجدل الإنساني العام في قضايا الدولة. وسواء وُفّق المرجع المدرّسي في رسم الخريطة الأصولية الجديدة بكل تفاصيلها أم لا، فإنه في الحقيقة وُفّق في تقديم إطارٍ جديدٍ لعلم الأصول يجتذب العلماء الجدد لتطويره ونقده والبناء عليه.


[1]- كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس. المنظمة العربية للترجمة، لبنان ـ بيروت. ط1، 2007م.

[2] - كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس. المنظمة العربية للترجمة، لبنان ـ بيروت. ط1، 2007م، ص10.

[3] - المدرسي، محمد تقي، التشريع الإسلامي: مناهجه ومقاصده. إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1415هـ، 1995م. ج3، ص5. ولقراءة الكتاب إلكترونياً من على الإنترنت:

http://almodarresi.com/books/708/index.htm

[4]- المدرسي، محمد تقي. التمدن الإسلامي: أسسه ومبادؤهُ. انتشارات المدرسي، طهران – إيران. ط1، 1992م.


ارسل لصديق