الكلمة الخبيثة
كتبه: آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1707

إن مقام الإنسان وقامته الحقيقية، وموقعيته، وكينونته الطبيعية، تحددها شخصيته التي تتكون من ثلاث كلمات: عقيدته بقلبه، ونطقه بلسانه، وسلوكه بجوارحه وأركانه.

وهذه الكلمات الثلاث تشكلها كلمة البدء الأولى التي يختارها أولاً، فتعبّر عن بدء تشكل شخصيته و وسطها ومنتهاها.

الكلمة الأولى؛ إما كلمة طيبة يختارها العقل ويتسامى بها الإنسان إلى مدارج الكمال الإنساني، والسمو الملكوتي، ومن ثَمَّ يَعرج إلى آفاق المعارف الربانية والحقائق الكونية والأنوار الإلهية، وإما كلمة خبيثة يختارها الهوى ويتهاوى بها الإنسان إلى وحل الشهوات الحيوانية، ومستنقع الأهواء السبُعية؛ ومن ثَمَّ السقوط والغرق والتيه في الجهالات البشرية، والأوهام التخيلية، والظلمات الشيطانية.

والكلمة الخبيثة هي: ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة /40)، وهي الكلمة الأولى ينحدر بها الإنسان إلى البهيمية الشهوانية أو البهيمية المستسبعة.

والطَّاغُوت أبرز تجليات الكفر. وبالطاغوت أيضاً تتجلى كلمات الذين كفروا، والإيمان بالطَّاغُوتِ هو كفر بعد الإسلام، كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ- نور الإسلام - إِلَى الظُّلُمَاتِ - ظلمات الكفر-﴾ البقرة /256). ومن مصاديق وأفراد الَّذِينَ كَفَرُواْ كل الذين يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وهم الذين قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ (التوبة /73-74).

إن كل الكلمات التي تخرج من أفواه الذين كفروا بدءاً من النظريات، ومروراً بالنظم والتشريعات، وبكل حرف يتفوهون به لإطفاء نور الله، وختاماً بالوعود المزيفة الكاذبة، من كبائر المعاصي والذنوب والآثام، وما هي إلا قول زخرف وكذب؛ كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف /5).

إن من لا يكفر بالطاغوت يؤمن به، ومن آمن به تحاكم إليه، ومن تحاكم إليه تولاه، ومن تولاه قاتل عنه، ومن قاتل عنه عبده، ومن عبده ضلَّ عن الصراط المستقيم، ومن ضل عن الصراط المستقيم يتيه في الدنيا وفي الآخرة، ومأواه جهنم وبئس المصير، وهذا هو الخسران المبين.

ومن أجل هداية الإنسان لعبودية الله وحده والتمسك بالعروة الوثقى؛ ومن أجل حماية الإنسان من أصر الجبت وأغلال الطاغوت، بعث الله الرسل بشرعة إلهية شاملة، ومنهاج رباني واضح للإيمان بالله وعبادته؛ والكفر بالطاغوت واجتنابه كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ (البقرة /256). وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (النحل /36).

ولكي ينقطع ويتقطع الطريق على الطاغوت؛ ويتم الله الحجة على الناس جعل كلمةً جامعة للصلاح، وشاملة لكل خير، ومانعة للفساد، وطاردة لكل شر، إنها كلمة عدل وسواء واعتدال، يُجْمِعُ ويَجْتَمِعُ عليها كل العقلاء والأحرار؛ إنها كلمة العبودية لله وحده، و رفض ربوبية كل الطواغيت.

إن كلمة العقيدة بالطاغوت هي التي ستحدد كلمة الإنسان في كل شيء، وتشكل شخصيته، وطبيعة تفكيره، وتحرمه من جَنَّة المأوى، ولن تكون كلمة هذا الإنسان الذي اتخذ الطاغوت عقيدة إلا ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، هذه الحمية التي تسلب الإنسان كل قدراته وإمكاناته وتحوله إلى آلة صماء بكماء عمياء لا حول لها ولا قوة تعبث بها الأيدي الطاغية. وكلمة الإنسان التي صُبغت بالحمية الجاهلية هي التي ستحدد كلمة النظام السياسي وطبيعته التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وتشكله بتشكيلة الظلم والجور والفساد والطغيان وتمنطقه بمنطق الإلغاء والتهميش والقتل والسجن.

إن كلمة النظام السياسي الجائر، إن لم تواجه بمنطق السحرة بعد إيمانهم تحدياً لإرهاب وبطش فرعون، ومنطق نبي الله يوسف عليه السلام تحدياً لإغراء زليخا، ستحدد طريقة تفكير الأمة انحطاطاً، وتصيغ شخصيتها عجوزاً، ونوعية كلمة الخزيٍّ والذلٍّ التي تقولها وتنطقها مرغمةً. هذا إن لم تُخرس ولا يسمح لها بالنطق؛ وتنتهي إلى انحطاط تميزها وفقدان مكانتها بين الأمم وانعدام أثرها في الواقع الخارجي، وتنهي إلى أمة خائرة الإرادة والقدرة، ومسلوبة العزة والكرامة، ترتضي العبودية والهوان، وتقبع في سجن الخوف والجبن.


ارسل لصديق