حفظ «النظام» أم صون الحق والعدالة..؟
كتبه: آية الله المجاهد الشيخ نمر باقر النمر
حرر في: 2012/07/12
القراءات: 1326
إن الإنسان العاقل الرشيد، لا يُقَدِّم رِجْلاً ولا يؤخر أخرى، ولا يحرك ساكناً إلا بعد أن يحدد الهدف؛ ومن ثم ينطلق من روح الهدف ليختار البوصلة التي تحدد المسار الذي يوصله إلى الهدف؛ ومَنْ لا يعرف الهدف لا يستفيد من البوصلة، وسيتخبط ويتيه في المسارات المجهولة التي لا هدف محدد لها، ولا نقطة لنهايتها. 
كما ان العاقل لا يتحرك على أساس ضربة حظ قد تصيب وتفتح للإنسان المسالك، وقد تخيب وتؤدي به إلى المهالك.
إذن؛ في البدء لا بد من تحديد الهدف الأسمى من خَلْق الإنسان و وجوده الذي تتفرع منه الأهداف السامية الأخرى، بتراتب طولي أو باصطفاف عرضي من أجل بلوغ الهدف الأسمى؛ والتي ما هي إلا سُبُل للوصول إليه؛ فكل هدف سامٍ، هو هدف لهدف سامٍ أعلى وأسمى منه؛ وهكذا إلى أن تنتهي الأهداف السامية إلى الهدف النهائي الأعلى والأسمى من كل الأهداف التي لم تكن أهدافاً سامية إلا لأنها سبيلاً إلى الهدف النهائي الأعلى والأسمى الذي خُلِقَ الإنسان من أجل الوصول إليه.
وكل هدف من هذه الأهداف له وسائله، والعوامل التي تؤدي الى توسيع دائرته أو تضييقه؛ ولذلك فإن الهدف السامي لا يرتضي الوسائل الدنيئة؛ فهو في غنىً عنها، لأن (الغاية لا تبرر الوسيلة)، والغاية السامية تأبى وتتناقض واتخاذ وسيلة غير سامية، كما في الحديث الشريف: (لا يطاع الله من حيث يعصى)، فالهدف الذي به يطاع الله لا يمكن أبداً أن يتحقق عبر معصيته؛ فحينما يكون الهدف من بعثة الرسل هو العبودية لله، واجتناب الطاغوت حيث يقول الله سبحانه وتعالى: [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ]؛ تصطبغ جميع الأهداف التي تتفرع منه والأسس والوسائل، بصدق الحديث، وأداء الأمانة، كما يقول الحديث الشريف: (لم يبعث الله نبياً قط إلا بصدق الحديث وأداء الأمانة). 
إن اعتماد واتخاذ الوسائل الجاهلية من الكذب والنفاق وقول الزور هو السبب الرئيسي في عدم تحقق الأهداف الرسالية السامية؛ ومع الأسف وقع كثيرٌ من المؤمنين العاملين في شباك الكذب والنفاق وقول الزور مما أعاق حركتهم نحو الأهداف السامية.
إن اللهَ سبحانه وتعالى لم يخلق الكون عبثاً أو لهواً أو لعباً. كما لم يخلق اللهُ الإنسانَ لِدنيا مكدَّرة زائلة فانية، كما لم يخلقه عبثاً. يقول الله سبحانه وتعالى:[أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ]. ولم يترك اللهُ الإنسانَ سُدى من دون رقيب ولا حسيب. يقول الله سبحانه وتعالى:(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى). ولم يخلق اللهُ الإنسانَ لكي يُعَذِّبه. يقول الله سبحانه وتعالى:[مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا].
فكل المصائب التي تحيط بالناس اليوم وتُكَدِّر معيشتهم لم تحدث إلا بسبب بعضٍ ممَّا كسبت أيديهم من سوء عملهم وتفكيرهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم التي أبعدتهم عن الهدف الأسمى الذي خُلِقوا من أجله. ومن ذلك الظلم؛ الذي يهوي بالإنسان في الوادي السحيق بعيداً عن قمة الهدف الأسمى الذي خُلِق الإنسان لبلوغه؛ فهو سبب العذاب والمآسي والويلات التي تحيط بالبشرية. 
إن الله وعَد المستضعفين من أهل الحق الذين لا يحكمون إلا بالحق وبه يعدلون، بالاستخلاف والسلطة والحكم، وجَعْلِهم الزعماء والقيادات للناس، وجَعْلِهم الوارثين لكل كراسي العروش في دول العالم أجمع، وإعطائهم القدرة والمِكْنَة على الحكم، وإدارة البلاد، وقيادة العباد. يقول الله سبحانه وتعالى:[وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ].
ولكن الله سبحانه وتعالى يبين فلسفة الاستخلاف والتربع على العرش والتمكين؛ وأن كل ذلك ليس هدفاً لذاته؛ فالسلطة والحكم ليس هدفاً ولا غاية للمؤمنين؛ وإنما هي وسيلة وسبيل لإقامة الحق والعدل للتحرر من عبودية الأرباب من دون الله، والدخول في العبودية الخالصة لله، والتحرر من عبودية المال، وتحقيق العدالة الاقتصادية، ونشر الفضيلة، واقتلاع الرذيلة. 
وهذا أمير المؤمنين  يجسد دولة الحق والعدالة، وأن العدالة هي الهدف، والدولة والإمارة، ليست إلا وسيلة للعدالة التي لا يجوز أن تُنتهك بذريعة حفظ النظام والدولة؛ فضرورة حفظ النظام والدولة لا تُجَوِّز الظلم، وانتهاك العدالة بأي حال من الأحوال؛ ويجب اجتناب الظلم، والتزام العدالة حتى ولو أدى ذلك إلى اختلال النظام، أو سقوط الدولة التي لا قيمة لها إلا بإقامة الحق والعدالة.

ارسل لصديق