سبيل النجاة أربع كلمات
كتبه: الشيخ إدريس العكراوي
حرر في: 2013/07/15
القراءات: 1843

سُئل أمير المؤمنين عليه السلام، عن العلم، فقال: «أربع كلماتٍ: أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار، وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها» (1).

ونحن إذا تأمّلنا قول الإمام هذا نجد أنّه عليه السلام، يبيّن فيه أربع روائع وحكم من روائعه وحكمه، فهو يخاطب بها كيان الإنسان ووجوده، ويخاطب بها عقله وفطرته، وضميره ووجدانه، ليأخذ بيده طوعاً إلى الله تعالى، فيقول له: إنّ المعرفة التي تنجيك من عذاب الله تعالى يوم القيامة وتجعلك خالداً في الجنّة تتمثّل في العلم بالموازنة بين الأخذ والعطاء، بين المعصية والعقاب..

فالإمام عليه السلام، يقول في بيان معنى العلم: «أربعُ كلماتٍ: أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه»، وهو بهذا يريدك – أيّها الإنسان – أن تفكّر جيّداً وتتأمّل مليّاً في فقرك الدائم إلى الله تعالى ومدى حاجتك إليه، فهل هناك وقت من أوقات حياتك أو لحظة من لحظاتها لا تحتاج فيها إلى الله تعالى؟ وهل هناك وقت من أوقات حياتك أو لحظة من لحظاتها يمكنك أن تستقّل فيها عن الله تعالى بأن تعلن الاكتفاء الذاتي عنه سبحانه؟! والواقع، قبل العقل يجيبك بـ (لا)، فأنت في وجودك محتاج إلى الله، وكذلك في استمرار وجودك، وستبقى دائماً، مهما ارتفعت، ومهما استغنيت، ومهما تقدّم بك العلم وتطوّرت التكنولوجيا، يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ، وَالله هُو الغَنِيُّ الحَمِيْدُ». فإذا كنتَ محتاجاً إلى الله فلتعبد الله، وإذا كانت حاجتك إلى الله مستمرّة في كلّ لحظة من لحظات وجودك، فعليك أن تعبده في كلّ لحظة من لحظات وجودك، وإذا كانت حاجتك إلى الله، كبيرة وعظيمة فعليك أن تعبده عبادة كبيرة وعظيمة، فتكون عبادتك له سبحانه بقدر حاجتك إليه، فقول الامام علي، عليه السلام: «أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه»، هي دعوة منه عليه السلام، إليك لتعبد الله وتطيعه طوال حياتك.

 

* إعصِ الله بمقدار صبرك على النار!

وبعد أن يبيّن، عليه السلام، مقدار العبادة المطالَب بها الإنسان، وهي العبادة الضروريّة والدائمة والعظيمة، أتى ليبيّن مقدار المعصية فقال: إنّ مقدار المعصية يجب أن يكون بمقدار الصبر على النار، «وأن تعصيه بقدر صبرك على النار»، ومن ثم، عليك أن تفكّر في مقدار صبرك على النار لتوازن بين صبرك ومعصيتك، فهل تستطيع أن تصبر على النار؟ بإمكانك أن تجرّب إن أردت، اقترب من النار فانظر إلى نفسك هل تستطيع أن تتحمّل وهجها، وأنت خارج عنها فضلاً عن أن تتحمّل لسعة من لسعاتها، وفضلاً عن أن تحترق بلهبها، وفضلاً عن أن تتغلغل بين أطباقها؟ فالواقع يقول، والحقيقة تشهد أنّك مهما قويت عضلاتك لا تستطيع أن تصبر على لهب شمعة فضلاً عن أن تصبر على النار العظيمة، والحال أنّ نار الدنيا، مهما كبرت، ما هي إلاّ نار بسيطة لا تكاد تذكر في قِبَال نار الآخرة، تلك النار التي يقول فيها ربّ العزّة: «كلّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى»، (سورة المعارج /15-16)، وفي مورد آخر يقول: «وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ * نَارٌ حَامِيَةٌ»، (سورة القارعة /10-11)، فهي تبقى فوق تصوّرك وخيالك؛ لأنّك عاجز عن أن تدرك كنهها، «وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ»، أي ما أدراك بحقيقتها..؟ وما أدراك بلهبها وحرارتها..؟ فهي ليست مجرّد نار، بل «نَارٌ حَامِيَةٌ» أي شديدة الحرارة بحيث لا يمكنك تصوّر حرارتها، وهذا التعبير من الله تعالى، ولاشكّ أنّ تعبير الله سبحانه يختلف عن تعبير الإنسان، فهذه نعم الدنيا التي لا يتمكّن الإنسان من عدّها لكثرتها، قال تعالى عنها: «وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا»، (سورة النحل /18)، لذا لو كان الله تعالى يقول: (ناراً) لكفى.. فكيف وقد وصفها بأنّها حامية أي شديدة الحرارة؟

 

* سؤال وجواب

إذن؛ قوله عليه السلام: «أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه»، يعني أن تعبد الله دائماً، وقوله: «وأن تعصيه بقدر صبرك على النار» بمعنى أن لا تعصي الله أبداً، وهنا يأتي سؤال: لماذا قال عليه السلام: «أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار» ولم يقل: «اعبد الله دائماً، وتجنّب معصيته دائماً» أو ما يفيد هذا المعنى؟

من ظاهر الحديث الشريف للإمام علي عليه السلام أن القول: «أن تعبد الله بقدر حاجتك إليه، وأن تعصيه بقدر صبرك على النار» أبلغ من: «اعبد الله دائماً، وتجنّب معصيته دائماً» أو ما يفيد معناها؛ لأنّ الأولى تخاطب الوجدان والفطرة، وتخاطب أعماق الإنسان، فالإنسان يعود إلى نفسه ويتساءل عن مدى حاجته إلى الله تعالى، وهل أنّ حاجته هذه مستمرّة أم لا؟ وهل هي بسيطة أم عظيمة؟ ليتفاعل بعد ذلك مع العبادة ممّا يعطي عبادته مصداقيّة وواقعيّة، ممّا يجعل عبادته عبادة مخلصة ذات قيمة حقيقيّة، فبعد أن يدرك الإنسان حاجته إلى الله، يحكّم عقله وفطرته، بأنّ التقرّب إلى الله تعالى واجب عليه، وهكذا عندما يعود الإنسان إلى نفسه ويتساءل عن مدى صبره على حرّ النار ولهيبها، فيرى العجز ظاهراً، ثمّ يرى أنّ عقاب المعصية هو النار، فإنّ العقل والفطرة يحكمان بوجوب تجنّب المعصيّة، بينما الثانية، لا تعدو أن تكون نصيحة يُخاطب بها الإنسان دون أن تترك أثراً في أعماقه، وبتعبير آخر: تكون نصيحة عابرة قد يسمعها بإحدى أذنيه وتخرج من الأخرى دون أن تترك أثراً، وإن تركت أثراً فهو بلا شك دون الأثر المطلوب الذي تتركه الكلمة الأولى.

 

* الموازنة بين الدنيا والآخرة

ثمّ يقول الإمام عليه السلام: «وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وأن تعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها»: أي عليك – أيّها الإنسان – أن توازن بين عمرك في الدنيا وبقائك في الآخرة، فتعطي الدنيا حقّها وتعطي الآخرة حقّها ايضاً، لا أن تخلّ بالتوازن فتميل إلى واحدة على حساب الأخرى، كأن: تميل إلى الدنيا وتتعلّق بها وتغضّ الطرف عن الآخرة، فيزيّن لك الشيطان فعلك فتتصوّر أنّك مخلّد فيها وستعيش فيها إلى ما لا نهاية، بل عليك أن تفكّر وتتأمّل هل بقي فيها مَن كان قبلك لتبقى فيها؟ أليس سنّة الحياة تقتضي الموت والفراق؟ ألا ترى أو تسمع بين الحين والآخر بإنسان فارق الدنيا أو جنازة تودع بالثرى؟ ألم تسمع قول الله تعالى: «أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ»؟ (سورة النساء /78)، وقوله: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (سورة الرحمن /26-27)؟ ألم تفكّر في مقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنّه أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق ومع ذلك يخاطبه الله بقوله: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ» (سورة الزمر /30)؟ أليس رسول الله صلى الله عليه وآله، أحقّ منك ومن جميع المخلوقات بالخلود في الدنيا لو كانت الدنيا داراً للخلود؟ ألم تسمع قول علي عليه السلام فيما ينسب إليه من الشعر:

 

الموت  لا  والداً  يبقـي  ولا  ولدا                       

هذا السبيل إلى  أن  لا  ترى  أحدا

كان  النبي  ولـم  يخلـد  لأمّتـه                    

لو  خلّد  الله  خلقاً  قبلـه خلـدا

للمـوت  فينا  سهام غـير خاطئة                       

من فاته اليوم  سهمٌ  لم  يفته  غدا

 

أو ربما يحصل العكس، بأن تميل إلى الآخرة على حساب الدنيا، بأن تترك الدنيا وما فيها وتقبل بكلّك على الآخرة، فتعيش عالة على غيرك فقيراً معدماً، متخلّفاً، منقطعاً عن الناس، مشغولاً بالعبادة ليلاً ونهاراً، أفتظنّ أنّ الذي خلقك وسخّر لك كلّ هذه الموجودات ورزقك من النعم ظاهرة وباطنة، و والى عليك نعمه حتى عجزت عن عدّها وحسابها يبخل عليك بها؟ أم تظنّه عابثاً لاعباً يخلق النعم ثم يحرّمها؟! حاشا لله.. جلّت عظمته، ووسعت رحمته، وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فالله تعالى يقول لك: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» (سورة القصص /77)، ثمّ لو فكّرت جيّداً لوجدت أنّه من المستحيل عليك أن تنقطع عن الدنيا إلى الآخرة، فما دمت تعيش في الدنيا فلابدّ لك أن تتزوّد منها لتصل إلى الآخرة، فـ «نِعْمَ العونُ الدنيا على الآخرةِ»، أم تظنّ أنّ الدنيا كلّها شرّ وبلاء؟ صحيح أنّ «الدنيا مزرعة الشرّ»، و «سوقُ الخُسران» و «مصرع العقول» و «مُنْيَةُ الأشقياء»، وأنّ «أكبر الكبائر حبُّ الدنيا» وأنّ «حبّ الدنيا أصل كلّ معصية، وأوّل كلّ ذنب» و «رأس كلّ خطيئة» فهو «رأس الفتن، وأصل المحن» و «رأس الآفات»، وأنّه «يُعمِي ويُصِمُّ ويُبكِمُ، ويُذِلُّ الرقاب»، «ويُوجب أليم العقاب»، ولكنّ الدنيا ليست واحدة، بل «الدنيا دنيوان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة»، فقوله عليه السلام: «إنّ الدنيا والآخرة عدوّان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمَن أحبّ الدنيا وتولاّها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب وماشٍ بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، وهما بعد ضرّتان»، وقوله: «مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة»، وقوله: «ما زاد في الدنيا نقص في الآخرة، (و) ما نقص في الدنيا زاد في الآخرة»؛ لأنّهما «ككفّتي الميزان فأيّهما رجح ذهب بالآخر». وبالنتيجة؛ يكون «طلب الجمع بين الدنيا والآخرة من خداع النفس». فالمقصود به الدنيا المعلونة، فالدنيا المذمومة هي الدنيا الملعونة التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله: «كلّما فاتك من الدنيا شيء فهو غنيمة»، ويقول الإمام الصادق عليه السلام: «إن استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئاً تسأل عنه غداً فافعل»، وكلّ ما ورد في الأخبار من ذمّ الدنيا فإنّه إنّما يراد به الدنيا الملعونة، أمّا دنيا البلاغ فهي الدنيا المحمودة الممدوحة التي هي نعم العون على الآخرة، بل هي «مزرعة الآخرة»، وبها «تحرز الآخرة»، واعلم أنّه «ليس من حبّ الدنيا ما يصلحك»، فهذا ابن أبي يعفور يقول: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: «إنّا لنحبّ الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوّج منها وأحجّ وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدّق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة»، ويوضّح هذا المعنى ما ينقله الإمام الصادق عليه السلام عن لقمان الحكيم، وهو قوله لولده: «وخذ من الدنيا بلاغاً، ولا ترفضها فتكون عيالاً على الناس، ولا تدخل فيها دخولاً يُضِرُّ بآخرتك»، فالإنجذاب نحو الدنيا مضرّ لأنّه تعلّق بالدنيا الملعونة، أمّا أخذ ما يصلح آخرة الإنسان منها فهو من الدنيا البلاغ المحمودة. ومن كلّ ما سبق يتبيّن أنّ الميل كلّ الميل نحو الدنيا أو نحو الآخرة مضرّ بالإنسان، وأنّ السلامة في معرفة حقّ كلّ منهما، وإعطاء كلّ واحدة منهما حقّها، وحقّ الدنيا أن تعمل لها بقدر عمرك فيها، وحقّ الآخرة أن تعمل لها بقدر بقائك فيها، فإذا وازنت بين عمرك في الدنيا وبين عملك لها، وبين بقائك في الآخرة وبين عملك لها كنتَ سعيداً في الدنيا والآخرة.

--------------------

1- ميزان الحكمة، ج7 – ص2799.


ارسل لصديق