ومضات من حياة الصديقة الزهراء (عليها السلام)
كتبه: فاطمة الحبيب
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 1269

السيدة فاطمة الزهراء،عليها السلام، هي مثال للمرأة المسلمة التي يريدها الله تعالى أن يفوح عبيرها في ربوع الأمة الإسلامية. فهي لم تكن مجرد امرأة عادية، بل كانت قطب رحى الكون وسيدة نساء العالمين. يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها. لقد جسدت الإسلام بكل مبادئه وقيمه لتتربع على عرشه كخير قدوة وأسوة.

 

* طوق الياسمين

تجلّت بين جدران بيت فاطمة، عليها السلام، آيات القدس والإيمان. فكان لها منهج تربوي فريد، وكان الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، عليهم السلام، أقدس ثمار لأقدس شجرة كانت النبوة جذرها الصلب والإمامة فرعها الممتد إلى العرش العظيم.

وكان من كرامات فاطمة،عليها السلام، أن أشرفت على تربيتهم، فغرست فيهم مكارم الأخلاق وخصال الخير والفضيلة، وأرضعتهم لبن الهداية والرشاد، ولقنتهم مفردات العلم والزهد والورع، فحملوا مشعل الحق في وجه الباطل، وكانوا ولا يزالون للبشرية جمعاء نماذج للكمال والشرف والفضيلة.

فعن الحسن المجتبى، عليه السلام، أنه قال: «رأيت أمي فاطمة،عليها السلام، قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء. فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بُني.. الجار ثم الدار».

وكما يُروى أن بلالاً أبطأ عن صلاة الصبح، فقال له النبي، صلى الله عليه وآله:

«ما حبسك..؟! فقال: مررت بفاطمة وهي تطحن والصبي يبكي، فقلت لها:

إن شئت كفيتك الرحى وكفيتني الصبي، وإن شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحى، فقالت:

أنا أرفق بابني منك. فذاك حبسني. قال، صلى الله عليه وآله: رحمتها، رحمك الله».

صورة مثالية لمجتمع الفضيلة كما ينشد الفلاسفة والمصلحون، ونموذج من المدرسة النبوية - الرسالية لتحدي الصعاب ومشاكل الحياة من أجل إدارة وتنظيم بيتها، وبلال المؤذن يستأذنها لينجز لها بعض أعمالها، بفضل الإسلام أينعت ثمرة الحياة المثالية بأغصانها المتفرعة.

فهي الرائدة في صبرها، والقدوة في تواضعها، والأسوة في جل أخلاقها.

 

* حركة تصحيحية

الظلم، الجهل، العصبية، مفردات تعبر في جوهرها عن مجتمع الجاهلية، لذلك كان لابد من تدخل السماء لإنقاذ الأرض ومن عليها، فبعث الله رسوله الأمين محمداً، صلى الله عليه وآله، ليبث روح الوحي، ويحيي ما تبقى من الإنسانية.

ومن منزل مبعوث السماء.. ترعرعت فاطمة الزهراء،عليها السلام، كريحانة طاهرة، ارتشفت من معين العلم والحكمة، والصبر والإيمان، والسماحة والطهر، وارتوت من ينابيع الجنة، فأصبحت أنموذجا آسراً للشخصية الإيمانية المثالية، والرحمة المهداة على قلب النبي الأمين، صلى الله عليه وآله.

كانت رفيقة الرسول في رسالته. لم تكن أبداً بمنأى عن التغيرات السياسية التي تطرأ على الأمة الإسلامية، بل كان لها دور مؤثر في صياغتها. أحد سفهاء القوم يلطخ وجه رسول الله بالتراب، فيعود إلى بيته صابراً محتسباً، وتنظر إليه فاطمة فيستبد بها الحزن، وتبكي لجرأة هؤلاء الطغاة على رسول الرحمة، فتهرع لتواسي أباها العظيم، كملاك، يمسح عن جبينه ملامح الألم. وتنثر الدفء على وجنتيه، فيطمئن لها قلبه، ويأنس بها.

وفي كل موطن وموقف لا تفتأ تدافع عن دين السماء وقيم الرسالة.. فبعد استشهاد النبي الأعظم (ص) شكلت مع زوجها أمير المؤمنين، عليه السلام، حزب الإيمان، لتبدأ رحلة أخرى في التصدي للمنافقين والجاحدين والمنكرين. كانت قبساً من فكر الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، ونظرة من عطفه، وقوله وفعله، بل إسلام مجسد ومصباح هدى وسبيل نجاة.

ولعل خير دليل على ذلك قيامها بالحركة التصحيحية الأولى والتي بغت من خلالها إرساء العدل والدفاع عن المظلومين وضرورة فضح الظالمين. هذه الحركة النهضوية قامت بها هي نفسها - روحي فداها- مع أولادها وأتباعها، وتمكنت من خلالها أن تبين طريق الحق لمن أراد اتباعه، رغم ما تبع ذلك من آلام ظلمها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها واستشهادها وإخفاء قبرها. لقد انحصر فيها إرث النبوة.. وتحققت فيها قيم الرسالة.

فليكن واقعنا مستلهما من هذه الصديقة البطلة، فيكون نهجه العفاف والاستقامة، ومبدأه الفضيلة والخير، وقيمه الرحمة والتضحية. وليكن واقعنا رسالياً، كواقع فاطمة، يمتزج بين العبادة والحجاب، والتقوى والجهاد. ليكن واقعنا إنسانياً. لا تتأجج فيه نيران الغضب، والحقد والحسد. لنكن كما أرادتنا فاطمة سلام الله عليها، وحسب.

والسلام عليك يوم ولدت.. ويوم استشهدت ويوم تبعثين حية.

--------------

* كاتبة من القطيف


ارسل لصديق