«خلافة علي» - عليه السلام - امتداد لرسالة النبي (ص)
كتبه: محمد الصفّار
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 739

 

نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبِها

وقد بَشُمنَ وما تفنى العناقيدُ

رحم الله أبا الطيب المتنبي الذي أوجز في هذا البيت حال «الخلافة» منذ وفاة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وحتى انهيار الدولة العباسية باستثناء الخلافة الحقيقية لعلي بن أبي طالب،عليه السلام، التي لو أنصف أي إنسان، وتجرد من نزعاته الموروثة، لرآها هي الخلافة الحقة التي أوصى بها الله لإتمام مسيرة الإسلام وجزءا لا يتجزءا من الرسالة المحمدية.

ولو استعرضنا تاريخ بداية الدعوة الشريفة وأحداث ما بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله، نجد أن نفس السيوف التي سلت على النبي، صلى الله عليه وآله، سُلت على علي، عليه السلام، وهذا ما يؤكد حقيقة أنه هو امتداد لنهج النبي، صلى الله عليه وآله، ورسالته.

 

* الوفاء لصاحب «الفلتة»

كانت الجاهلية الجديدة تنسج أثوابها داخل سقيفة بني ساعدة لاستعادة أمجادها بعد وفاة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، فتمخضت عن بيعة «الفلتة» التي وقى الله المسلمين شرها - كما قال صاحبها - لكن هذه «الفلتة» كان لها مضاعفات خطيرة أثرت سلباً على واقع المسلمين، وقد أحس أبو بكر نفسه بخطورة ما أقدم عليه هو وأصحابه فقال عند احتضاره: وددت أني سألت رسول الله عن هذا الأمر!!

وبقدر ما يمثل هذا القول قدحاً بصاحب الرسالة الذي بيّن وأوضح لمن يكون هذا الأمر من بعده فإنه يمثل الإحساس بعدم أهلية وكفاءة من قام به دون أهله.

{..أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير}.

لقد تركت هذه البيعة ندباً في الجسد الإسلامي وأحدثت شرخاً لا يمكن رتقه، فقد أثار «أبطالها» النعرات الجاهلية والأحقاد القبلية بين الأوس والخزرج والتي تلاشت بعد أن صالح النبي بين القبيلتين فأجج هؤلاء ذلك العداء القديم واستمالوا بشير بن سعد زعيم الأوس إلى جانبهم ووقف سعد بن عبادة زعيم الخزرج ضد هذه البيعة فقتلته «الجن» غيلة عقاباً له!

وكان من تداعيات هذه البيعة أيضاً أن أولدت غضباً شعبياً عارماً من قبل الصحابة الكبار وغيرهم، لكن هذا الغضب جوبه بالبطش والتهديد الصريح بالقتل، فقد ضمن عمر، شطر حلبه الذي احتلبه لأبي بكر بقوله: لئن اعترض أحد منكم على هذه البيعة لنأخذن الذي فيه عيناه..! ﴿لشدّ ما تشطّرا ضرعيها.

لم يشهر عمر سيفه بوجه الكفار ولا اليهود ولا النصارى بل شهره بوجه اثني عشر رجلاً من أجلاء الصحابة اعترضوا على بيعة أبي بكر وهم: أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي، وبريدة الأسلمي، وأبو الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وقد وفى صاحبه له هذا الفعل، فوصّى له من بعده وهو يحتضر، «لكنه لم يكن يهجر» رغم اعتراض الكثير من المسلمين على هذه الوصية التي جعلها في رجل سيئ الخلق.

{..فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة}.

 

* الشورى، بنفس جاهلي

ولكي نعرف حقيقة شعور المسلمين وكبار الصحابة في ذلك الوقت وانه كان مع علي،عليه السلام، وان رجال قريش الذين حاربوا النبي، صلى الله عليه وآله، من قبل كانوا ضد علي وبنفس العصبية والحقد اللذين حاربوا بهما علياً، ننتقل إلى «الشورى» الذي قرره عمر عند مماته.

لنستمع إلى أقوال كبار الصحابة الأجلاء الذين تطبل الوهابية على أن الشيعة يسبونهم.

أليس الذين ذكرناهم من الرجال المعترضين على بيعة أبي بكر من الصحابة، أم أن الصحبة اقتصرت على «الخلفاء الثلاثة» ومعاوية؟

وهذه شهادة صحابيَين من أجلّ أصحاب الرسول، صلى الله عليه وآله، في علي، عليه السلام:

فعندما اجتمع الناس على باب المنزل الذي عقدت فيه الشورى صاح المقداد بن الأسود الكندي (الصحابي الكبير):

أيها الناس اسمعوا ما أقوله: أنا المقداد.. إنكم إن بايعتم علياً سمعنا واطعنا، وان بايعتم عثمان سمعنا وعصينا.

فقام عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وهو ممن قاتل النبي وآذاه، فنادى: أيها الناس إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا وإن بايعتم علياً سمعنا وعصينا.

فقال المقداد: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر المسلمين؟!

فقال له عبد الله ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر «قريش»؟!

إذن فهي الجاهلية تعيد نفسها بثوب جديد.

وقال عبد الله بن أبي سرح، وهو طريد رسول الله:

أيها الملأ إن أردتم أن لا تختلف قريش فيما بينها فبايعوا عثمان.

فقال عمار بن ياسر: إن أردتم أن لا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا علياً.

ولما احتج عمار على بيعة عثمان قال له هشام بن الوليد بن المغيرة، العدو اللدود للإسلام:

ما أنت وما رأت قريش لأنفسها، انك لست في شيء من أمرها وإمارتها فتنح عنها.

فقال عمار:

 

يا ناعي الإسلام قم فانعه

قد مات عرف وبدا منكرُ

 

ماذا نستنتج من هاتين المحاورتين اللتين اقتطفناهما كنموذج على متقمصي الخلافة؟ إن الذين نصروا «الثلاثة» هم ألدّ أعداء النبي، صلى الله عليه وآله، والذين نصروا علياً هم السابقون المجاهدون الأوائل.

لقد أرادت قريش محو الإسلام بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وآله، باستبعاد علي،عليه السلام، عن الخلافة ومحاربته وهذا ما يتضح في الكثير من أقوال الخلفاء أنفسهم.

روى ابن الأثير في الجزء الثاني من تاريخه حديث عمر مع ابن عباس وقول عمر: يا ابن عباس إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فاختارت قريش لأنفسها فأصابت!

{حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في ستةٍ زعم أني أحدهم، فيا لله و للشورى، متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صِرتُ أُقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذ أسفُّوا، وطرت إذ طاروا}.

وهناك الكثير من هذه الأحاديث التي تدل على أن خلافة الثلاثة، كانت ذات عصبية قبلية، ونزعة جاهلية، ولم تكن مبنية على مبادئ إسلامية، وعدالة اجتماعية، ولا على شعار «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».

لقد كان علي بن أبي طالب،عليه السلام، المُضحي الأكبر في سبيل بقاء الإسلام، والمكافح من أجل بقاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، مرفوعة على أرجاء المعمورة، نراه ضحى بحقه كي يئد الفتنة، ويدرأ الخطر الذي كان سيفني الإسلام فيما لو رفع سيفه، وهو فارس المسلمين الأول، وأشجع العرب وكانت قريش تعد الفرار في الحرب عاراً إلا منه، وقد قتل صناديدها وشجعانها.

{أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يُقاروا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز}.

 

* رؤية سياسية ثاقبة

لقد كان علي ،عليه السلام، فدائي الإسلام، وحصنه، وسوره المنيع، آثر أن يُسلب حقه على أن لا تُثلم من الإسلام ثلمة، ورد كيد المتربصين بالإسلام الى نحورهم.

يأتيه أبو سفيان بعد وفاة الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله فيقول:

«بنوا هاشم لا يطمع الناس فيكم

 ولاسيما، تيم بن مرة أو عدي

فما الأمر إلا منكم وإليكم

وليس لها إلا أبو حسن علي..»!

ولكن لم يكن يخفى على أمير المؤمنين، عليه السلام، ما كان يضمره أبو سفيان من زرع الشغب والاضطراب في الإسلام فيأمره بالكف كما خاطب ،عليه السلام، ابنه معاوية بقوله في كتاب له:

{وقد كان أبوك أبو سفيان أتاني حين قبض رسول الله، صلى الله عليه وآله، فقال: ابسط يدك أبايعك فأنت أحق الناس بهذا الأمر، فكنت أنا الذي أبيت عليه مخافة الفرقة بين المسلمين لقرب عهد الناس بالكفر}.

وحينما يأتيه الرجال المعترضون على بيعة أبي بكر فيقولون له:

لقد هممنا أن نصير إلى أبي بكر فننزله عن منبر رسول الله، فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا.

فقال ،عليه السلام،:

{وإيم الله، لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين أسيافكم مستعدين للحرب والقتال، وإذن لآتوني فقالوا لي: بايع وإلا قتلناك فلا بد من دفع القوم عن نفسي}.

{فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفِقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا..}.

لقد استثقل أعمال هؤلاء «الخلفاء» الكثير من الصحابة الذين أدركوا حجم المأساة التي حلّت بالإسلام، وهم يرون ما يحلّ به فبعض الناس قد ارتد عن الإسلام، ولكن كل هذه الاحتجاجات كانت تجابه بالبطش والترهيب تارة، وبالتجاهل أخرى، فحينما يعترض عبد الله بن مسعود على إسراف عثمان يقول له عثمان:

إنما أنت خازن لنا وليس للمسلمين..!

ثم يستبدله عثمان بزيد بن أرقم، الذي لم يطل مكوثه في هذا المنصب حتى يدخل على عثمان ويضع بين يديه مفاتيح بيت المال وهو يبكي خوفاً من أن تحرقه صاعقة من السماء عقاباً له على عمله مع عثمان!

ولكن عثمان لم يكن يأبه بكل التنديدات والاستنكارات بل بالعكس، كان يجابهها بالعنف كما فعل مع أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود.

هذا حال المسلمين على مدى ربع قرن بعد وفاة الرسول، ولما ضاق المسلمون ذرعاً بتلك السياسة الهوجاء وأعلنوا ثورتهم على عثمان كان علي، عليه السلام، أنصع وجه، وأنقى يد، وأطهر روح في تاريخ المسلمين، ولأول مرة يشهد المسلمون منذ وفاة الرسول، عهداً جديداً على منهج المساواة في العطاء ويسمع المسلمون من يتخلل صفوفهم منادياً هل من كاره. لأول مرة يطرق المسلمون باب خليفة ليبايعوه وهو يصلي و يزدحمون على بابه. لأول مرة تتم بيعة مستوثقة من جميع المسلمين، وموافقة جميع المهاجرين والأنصار، إلا نفر قليل لا يعدو عددهم أصابع اليد. من هم؟!

نأخذ نموذجاً واحداً هو عبد الله بن عمر، جاؤوا به ليبايع ، ومن الطبيعي أن علياً، عليه السلام، لم يأمرهم بالإتيان به، بل هو حال رجال الثورات في كل وقت، والدليل على ذلك انه لم يبايع. فماذا فعل له علي، عليه السلام، هل أرسل له «جناً» كما أرسل أبوه عمر إلى سعد بن عبادة ليقتلوه؟ كلا.. لم تكن سياسة علي، عليه السلام، تشبه تلك السياسات في شيء فقد اكتفى بالقول:

دعوه.. وعندما قال له الأشتر، يا أمير المؤمنين.. فليأتك بكفيل، قال له علي: أنا كفيله. هذا أحد المتخلفين القلائل عن بيعة علي، عليه السلام، هذا المتخلف الذي رفض بيعة علي، عليه السلام، يبايع مسلم بن عقبة قائد جيش يزيد في موقعة الحرة على انه عبدٌ ليزيد! ولا يقف عنده الأمر على هذا الذل بل له بيعة أخرى أذل منها فيدخل على الحجاج، وهو يتغدّى، فيمد الحجاج له نعله ويقول:

إني مشغول بيدي فبايع هذه!

وذكر الطبري، انه بعد أن رأى ما صار إليه المسلمون والعرب يظهر ندمه على أن لا تكون «الفئة الباغية» مع علي، ثم قتله الحجاج ومنع أن يدفن حيث أوصى، وكما قتل عبد الله بن عمر، فقد قتل عبيد الله وسليمان ابنا عاصم بن عمر يوم الحرة و «على أهلها جنت براقش».


ارسل لصديق