ولاية العهد للإمام الرضا (عليه السلام) .. الدوافع والغايات
كتبه: محمد الصفّار
حرر في: 2014/10/23
القراءات: 1798

لو نظرنا برؤية ولو موجزة الى تاريخ الخلفاء العباسيين- الذين سبقوا المأمون وصراعهم الدموي من أجل الحصول على كرسي الخلافة وتهالكهم عليه لوجدنا ان هناك اسباباً ودوافع خطيرة كانت تهدد عرش المأمون جعلته يعقد ولاية العهد لرجل وقف هو و أبوه وجده موقف المعارض لسياسة العباسيين الجائرة منذ اندلاع شرارتها الاولى.

فمن المعروف ان العباسيين وصلوا الى الخلافة عن طريق الدعوة لأهل البيت، عليهم السلام، والبيعة «للرضا من آل محمد»، واستغلوا تعاطف الناس مع مظلومية الائمة المعصومين، من قبل الأمويين وخاصة واقعة الطف الدموية، وغيرها من المجازر التي ارتكبها الامويون بحق العلويين، وقد بايع «السفاح» و «المنصور»، محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، مرتين؛ مرة بالابواء وأخرى بالمدينة، في جملة من بايعه، ولولا اعطاء دعوتهم صبغة الثأر لأهل البيت والقيام لهم، لما قامت للعباسيين قائمة.

فلما آلت الخلافة الى السفاح (ابو العباس)، عمل كل ما بوسعه على استبعاد العلويين من كونهم هم «أهل البيت» و «العترة»، ولصق هذه الصفة بالعباسيين وسخّر لدعايته هذه الولاة والشعراء وغيرهم، ولم تفارق هذه السياسة الخلفاء الذين جاؤوا بعده بل تعددت انشطتها وكثر محرفو الآيات من وعاظ السلاطين ومزيفو الحقائق من المؤرخين والشعراء وغيرهم. وهذه السياسة لم تكن جديدة في تاريخ الخلافة فقد سبقهم الامويون اليها عندما حضر عشرة من أمراء الشام وحلفوا للسفاح انهم ما كانوا يعرفون أهل بيت للنبي، صلى الله عليه وآله، غير بني أمية !!

ولازال هذا الامر مستمراً حتى الآن بعد أن تعددت وسائل الاعلام السمعية والمرئية والتي كثف فيها أحفاد هؤلاء جهودهم وحاولوا ما بوسعهم تزييف الحقائق لإبعاد أقرب الناس الى الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وإلصاق البعيد به، وهذا الحديث يجرنا الى موضوع لسنا هنا بصدده فله جذور تاريخية بدأت في السقيفة. واتبعته الحكومات التي تلتها.

 

* تزييف الحقائق ثم التصفية الجسدية

وقد سلك بنو العباس في خلافتهم نفس السياسة الأموية عندما استقرت لهم الخلافة وابعدوا العلويين عنها لكنهم لم ينسوا ان يلجأوا الى العلويين كلما اضطرب عرشهم وتزعزع ملكهم، وهذا الاسلوب اتبعه المأمون في عقد ولاية العهد للامام الرضا، عليه السلام، وهو أحد الاسباب في ذلك كما ستأتي بقية الأسباب الأخرى.

فمنذ أن استولى العباسيون على زمام السلطة لم تفارقهم عقدة الحقد على العلويين فمارسوا أبشع الأساليب القمعية لإبادة العلويين عن بكرة أبيهم وفي عرض موجز لسياسة كل خليفة تجاه العلويين قبل المأمون تتضح السادية التي جُبل عليها بنو العباس وشغفهم بسفك الدماء.

فقد سلّط السفاح على العلويين جلاوزته لقتلهم، وكان يضع عليهم الجواسيس والعيون، أما المنصور فقد اتبع سياسة هوجاء تجاه العلويين فكان يضعهم في الاسطوانات ويبنيها عليهم ويسمرهم في الحيطان ويتركهم يموتون جوعاً ثم يهدم المطبق على من تبقى منهم حياً وهم في أغلالهم الى الكثير من الاساليب البشعة وتعد سياسة المنصور تجاه العلويين، من أقبح صفحات التاريخ العباسي ومن أقسى فترات العلويين في عهدهم. أما المهدي فقد كان يتهم من يوالي أهل البيت بالإلحاد، وهي ذريعة للايقاع بهم وقتلهم، أما الهادي فقد عاش العلويون في عصره عصر رعب وكان يتشدد في طلبهم وقتلهم ، أما الرشيد فليس أدل من قول «الخوارزمي» في وصف سياسته القمعية الدموية تجاه العلويين حيث قال: «الذي حصد شجرة النبوة واقتلع غرس الامامة». ومن أراد التوسع فليرجع الى كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الاصفهاني، الذي نقل بعض جرائم العباسيين بحق العلويين لأن جرائمهم لا تعد ولا تحصى حتى قال الشاعر :

تالله ما فعلت أمية فيهم  معشار ما فعلت بنو العباس

وهذه الجرائم اعترف بها المأمون نفسه في الكتاب الذي أرسله الى العباسيين حيث قال: «حتى قضى الله بالأمر إلينا فأخفناهم وضيّقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أمية إياهم.. ويحكم ان بني أمية قتلوا من سلّ سيفاً وإنا معشر بني العباس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم هاشمية بأي ذنب قتلت؟ ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء..» الى آخر الرسالة..

 ولم يكن المأمون بالذي يتفطّر قلبه ألماً على تلك المآسي التي حلّت بأهل البيت، عليهم السلام، وهو يصف ما فعل أسلافه من جرائم بحق العلويين انما اقتضت سياسته أن ينتصر شكلياً للعلويين لأسباب سنوضحها، فكانت رسالته تلك، كلمة حق يراد بها باطل، ولكن ما هي الاسباب التي دعت المأمون لأن يمالئ العلويين ويشيد بفضلهم ويندد بالجرائم التي ارتكبت بحقهم، ومن ثم يعقد ولاية العهد للامام الرضا، عليه السلام؟ فلم يكن المأمون ذلك الزاهد بالخلافة وقد قتل من أجلها أخاه حتى يعقدها لألد خصومه، كما انه لم يكن أفضل ممن سبقه من الخلفاء العباسيين في سياسته القمعية.

 

* عرش المأمون في مهبّ الريح

وفي استقرائنا للثورات العلوية وغيرها التي قامت ضد الخلافة العباسية واشتدت وقويت شوكتها في بداية عهد المأمون تتوضح اكثر الصورة التي آلت اليها الخلافة العباسية والتي كانت من جملة الاسباب التي دعت المأمون لعقد ولاية العهد للإمام الرضا، عليه السلام، ليحافظ على كرسي الخلافة.

فمن الطبيعي ان تواجـــــــه سياسة العباسيين القمعية سخط الناس وقيام الثورات وفي مقدمتها الثورات العلوية، ففي عهد المنصور ثار «ابراهيم» قتيل «باخمرى» و أخوه «محمد ذو النفس الزكية»، ثم خرج عيسى ابن زيد بن علي الشهيد وفي أيام الهادي خرج الحسين بن علي صاحب «فخ»، وفي عهد الرشيد خرج يحيى قتيل «الجوزجان»، وكل هذه الثورات الى جانب الثورات غير العلوية، زعزعت أركان الخلافة العباسية، وازداد سخط الناس على سياستهم الجائرة في الحكم حتى قال الشاعر

 

يا ليت ملك بني مروان دام لنا  

وليت ملك بني العباس في النار

 

وعندما تسنّم المأمون الحكم، كان عرش الخلافة في مهب الريح تزعزعه الثورات والاضطرابات فثارت ثائرة الناس وسخطوا من المأمون بعد أن رأوا ظلمه وظلم عماله وجورهم ما يطول شرحه وكثرت الفتن وأصابت المجاعات الكثير من البلاد الاسلامية ووقع الموت فيها، ففي بغداد كان ابراهيم بن المهدي عم المأمون يرمي المأمون بأمه ويدعو العباسيين بالثورة عليه، وفي الكوفة خرج ابو السرايا بجيش كبير وأعلن الثورة، وخرج زيد بن موسى ومعه علي بن محمد بالبصرة، وفي مكة خرج محمد بن جعفر الملقّب بالديباج، وفي اليمن، ابراهيم بن موسى بن جعفر، وخرج محمد ابن سليمان العلوي في المدينة، وخرج جعفر ابن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن ابراهيم بن الحسن بن علي في واسط، وفي المدائن خرج محمد بن اسماعيل.

في تلك الاوضاع الخطرة والحرجة كان كرسي الخلافة العباسية تتقاذفه الامواج في مهب الريح ولكن المأمون الذي عرف بدهائه ومكره، لم يكن ليستسلم بهذه السهولة لهذه الثورات مهما بلغت ضراوتها ويترك الخلافة وقد قتل اخاه وخطط لسنوات طوال في سبيل الوصول اليها، لذا فقد اقتضت السياسة العباسية أن تشرك العلويين ألد خصوم العباسيين في الخلافة لإخماد الثورات العلوية وغيرها والحصول على شرعية للخلافة واكتساب ثقة الناس وامتصاص نقمتهم وهكذا تحتم على سياسة السيف والقمع والدم والتعذيب والتنكيل ان تخفي أساليبها الوحشية لفترة من الزمن لتحوك المؤامرات والدسائس للتخلص من مناوئيها بعد عجزها عن مقارعتهم في ميادين النزال، فرأى المأمون ان يعقد ولاية العهد للإمام الرضا، عليه السلام، لكي ينال تأييد الناس وترجع للخلافة قوتها ونفوذها كما أقام أسلافه خلافتهم بالدعاية للعلويين والبيعة «للرضا من آل محمد»، فهو يعلم ما للامام من قاعدة شعبية واسعة وقوية، وما يحظى به من تقدير واحترام من قبل مختلف شرائح المجتمع.

يقول الدكتور الشيبي: «ان الرضا لم يكن بعد توليه العهد، امام الشيعة وحدهم، وانما حتى أهل السنة والزيدية وسائر الطوائف الشيعية قد اجتمعت على امامته واتباعه والالتفاف حوله..». وهذا الكلام يؤكد مدى سخط الناس على سياسة العباسيين وميلهم للعلويين، وهذا ما كان يعيه المأمون كما يعرف التفاصيل الدقيقة عن حياة الامام والتي كان ينقلها اليه العيون والجواسيس.

واضافة الى الاهداف والمآرب التي ذكرناها والتي كان المأمون يسعى لتحقيقها من خلال تقليده ولاية العهد للإمام الرضا، فقد كان يسعى لجعل الامام الرضا تحت المراقبة الشديدة و ابعاده عن الناس والشيعة من أصحابه وخواصه وقطع صلاته معهم ليمهد بذلك الطريق الى التخلص من الامام.

 

* الإمام وإحباط اللعبة

وقد ضيّق المأمون على الامام، فكان لا يصل الى الرضا من يقصده من مواليه. والهدف الاهم من ذلك هو محاولة تسقيط الامام اجتماعياً وجعل الناس ينظرون اليه بأنه رجل دنيا بقبوله ولاية العهد وتشويه صورته التي ينظر بها الناس اليه. الى غيرها من الاهداف التي لم تكن خافية على الامام الرضا، عليه السلام. فهو، عليه السلام، يعلم دخائل المأمون وما تنطوي عليه نفسه من الخبث بل لم تكن مآرب المأمون خافية على أكثر العلويين فكان جواب الامام الرفض القاطع ولم تفلح كل محاولات المأمون لثني الامام عن اصراره في الرفض، وقد تنوعت وتعددت محاولاته، الا ان كل هذه المحاولات كانت تبوء بالفشل ورجع رسولاه الفضل والحسن، ابنا الربيع، وقد عجزا عن تنفيذ ما يطمح اليه ولما رأى المأمون ان الامام مصرٌ على الرفض لجأ الى اسلوب التهديد فأرسل رجاء بن أبي الضحاك ليأتي بالإمام من المدينة ليعقد له البيعة بالتهديد والاكراه وجرت بينهما محاورة كشف فيها الامام الرضا عما يضمره المأمون من عقد البيعة له فقال له : «اني لأعلم ما تريد»، فقال المأمون وما أريد؟ قال: عليه السلام: «تريد بذلك ان يقول الناس ان علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة..»؟! فغضب المأمون عندما واجهه الامام بهذه الحقيقة وقال: «بالله أقسم لئن قبلت بولاية العهد والا ضربت عنقك». فقال له الامام: «على شرط اني لا آمر ولا انهي ولا أقضي ولا أغير شيئاً مما هو قائم على أصوله». فقبل المأمون بذلك.

لقد وضع الامام هذه الشروط لكي لا يتحمل شيئا من تبعات الحكم العباسي كما أوضح موقفه، عليه السلام، من قبوله بقوله: «قد علم الله كراهيتي لذلك فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل.. أما علموا ان يوسف، عليه السلام، كان نبياً ورسولاً فلما دفعته الضرورة الى تولي خزائن العزيز، ﴿قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم، ودفعتني الضرورة الى قبول ذلك على إكراه واجبار بعد اشراف على الهلاك على اني ما دخلت في هذا الامر الا دخول الخارج منه».

لقد كشف الامام الرضا في الفقرة الاخيرة من قوله انه «خرج من العهد» بمجرد وضعه للشروط التي اشترطها والعمل بها يعني انه لم يكن ضمن نظام السلطة الذي لا يمكن ان يتلاءم مع فكره وأخلاقه كما ان هناك نقطة أخرى لا تخفى على كل من يعرف سياسة العباسيين القمعية لم يصرح بها الامام حرصا على عدم كشفها للجانب الآخر وتحمل تبعات ذلك واكتفى بدليل السوابق التاريخية على ايضاح موقفه وهي ان الامام لو رفض ولاية العهد فبغض النظر عن القتل الذي ينتظره فانه سوف يفتح باباً للقتل على أتباعه وأهل بيته والامام أحرص الناس على حقن الدماء فكان ( ع ) يوازن بين النتائج والمعطيات المترتبة على القبول والرفض فآثر القبول.

 فعقدت ولاية العهد واقام المأمون احتفالا كبيرا بهذه المناسبة ذكرت تفاصيله اغلب المصادر ولكن المأمون سرعان ما أدرك تبعات مكره وخبثه فلم يكن الامام ذلك الرجل الذي يستطيع المأمون ان يحتويه ويستغله لأغراضه فانقلب السحر على الساحر وباءت كل محاولات المأمون لإخضاع الامام أو التقليل من شأنه بالفشل.

------------------

1 - مقاتل الطالبيين ابو الفرج الاصفهاني

2 - حياة الامام علي بن موسى الرضا الشيخ باقر شريف القرشي

3 - سيرة الائمة الاثني عشر السيد هاشم معروف الحسني

4 - الحياة السياسية للإمام الرضا السيد جعفر مرتضى العاملي

5 - الامام الرضا تاريخ ودراسة محمد جواد فضل الله.


ارسل لصديق