قيم التسامح..والأزمة الحضارية
كتبه: الشيخ زكريا داوود
حرر في: 2015/01/29
القراءات: 814

بدأت النهضة الأوربية حين تم إقرار قانون التسامح الديني وتطبيقه وتطوير مفاهيم التعايش السلمي مع الذات والآخر، فقد نتج عن ذلك منظومة متكاملة من المفاهيم التي حررت العقل الأوربي وفتحته على فضاءات متعددة أفادته في بلورة ووضع أسس النهضة، ومن ثم الوصول للمجتمع المدني الذي تتساوى فيه الحقوق بغض النظر عن القومية أو الجنسية أو العرق والدين. ولم يكن الأوربيون هم أول من ابتدع قيم التسامح، فقد سبقهم الإسلام الذي أرسى مفاهيم جديدة لم يكن العقل العربي يومئذ يألفها، كالأخوة في الإطارين الديني والإنساني، وعدم الإكراه في الدين، وتأصيل مفاهيم مثل العفو، والصفح الجميل، وتجريم التعدّي على الحريات الدينية، وضرورة المشاركة السياسية، والتساوي في الحقوق.

إن الإسلام أرسى قيم التسامح في الأمة من خلال بناء منهجي متكامل، وكان الأمر الأول الذي أكد عليه هو أصالة التسامح في مجمل نشاط الإنسان الفكرية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية، بل الاقتصادية، حتى أن الفقهاء عندما يبحثون مسألة البيع والشراء والثمن والمثمّن يؤكدون على استحباب التساهل والتسامح في إجراء كل تلك النشاطات، وأن يكون الإنسان سهلاً في تعامله مع الآخرين.

إن الأزمة الحضارية التي تعاني منها الأمة أحد أسبابها الرئيسة هو سيادة قيم الإقصاء والتعصب والكراهية، وعلى العكس تماماً فإن المَخرج من تلك الأزمات يكمن في تأصيل قيم التسامح في حياتنا، وليس ذلك بالأمر السهل، فقد كرس الجهل والفقر والأمية والاستبداد السياسي مفاهيم مناقضة تماماً للتسامح، كما تأسس العقل العربي المعاصر على تكريس مفاهيم الإقصاء والتعصب والكراهية.

كيف يمكن لعقلية إقصائية بناء مجتمع متعدد الثقافات والأعراق؟ وكيف يمكن لمثل هذه العقلية أن تكون قادرة على تفهم التطور والتغير العالمي؟ وكيف يمكن لمثل هذه العقلية أن ترسم المستقبل للأجيال القادمة وتبني مجتمعاً مدنياً متطوراً مع الإيمان بضرورة إقصاء الآخر لمجرد الاختلاف في المذهب؟ إننا مدعوون لقراءة صادقة للأزمة الفكرية والأخلاقية التي يمر بها العقل العربي، الذي بدا في كثير من نظراته ورؤيته ميالاً للعصبية والكراهية.

إن جوهر التسامح يكمن في تكريس عدد من المفاهيم التي تسهم في البناء الحضاري الصحيح ويمكن أن نلخصها في الأمور التالية:

1- تكريس الحريات الدينية والسياسية وغيرها.

 2- الإقرار بالتعددية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، سواء التعددية المذهبية أو القومية أو العرقية أو الثقافية أو الدينية.

3- احترام كافة حقوق الإنسان من دون تمييز.

4- إشاعة مبدأ الحوار والتثاقف بين جميع أطياف المجتمع.

وإذا كان التسامح هو تقدير التنوع والاختلاف الثقافي، وهو انفتاح على أفكار الآخرين وفلسفاتهم، منبثق من الرغبة في التعلم والإطلاع على ما عند الآخرين، والاستعداد لعدم رفض ما لا نعرفه، فإن المبدأ الذي ينطلق منه التسامح في المنظور الإسلامي هو قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، وعندما يدعو الإسلام للتسامح يبدأ من الذات من خلال تكريس مقولة: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. وقد مارس الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، هذا المبدأ مع كافة أطياف المجتمع في المدينة المنورة، وأصّل لقيم التسامح حتى مع الأعداء الذين حاربوا الدين ورفعوا السلاح في وجه الدعوة.

إن التطرف والإرهاب الذي تعاني منه المجتمعات العربية والإسلامية نتاج طبيعي لممارسة الحكومات المستبدة والتي كرست - وما زالت- قيم التعصب والكراهية من خلال احتكار السلطة سواء عبر التوريث لها أو رفض المشاركة السياسية في صنع القرار، كما أن هذه السلطات ساهمت بشكل كبير في إنشاء ودعم التيارات السلفية الإقصائية التي تروج لثقافة الكراهية ونبذ المختلف ورفض الحوار، وسيفها الذي ترفعه في وجه كل من يختلف معها في الرأي هو التكفير، حتى غدت مجتمعات إسلامية كثيرة تدخل تحت عنوان الارتداد، مما جعلها ترفع راية العنف والقتل والإرهاب كسبيل وحيد لأسلمة تلك المجتمعات.

 إن التسامح الديني وبناء مجتمع متعدد وإشاعة ثقافة الحوار مدخل مهم للخروج من أزمتنا الحضارية، ولكن علينا أن نفكر في كيفية إشاعة قيم التسامح ليس على صعيد الشعوب والمجتمعات العربية والإسلامية فحسب، بل على صعيد النخب الفكرية والسياسية الحاكمة، لأن احتكار السلطة هو أبرز مظاهر التعصب وإشاعة الكراهية.

والنخب الثقافية والفكرية مطالبة ايضاً، بإشاعة ثقافة وقيم التسامح الديني والسعي لتكريس التسامح في حياتنا السياسية، ففي الواقع الذي تتعدد فيه الأطياف ذات الفكر السياسي، وتتعدد فيه الثقافات والحركات والفئات المعبرة عنها وعن فكرها السياسي، فإنه لابد من ترسيخ قبول هذه الفئات والطوائف والمذاهب والتنظيمات السياسية أو الدينية من خلال تشكيل الأحزاب أو الترويج لأفكارها ومعتقداتها السياسية وغيرها وإن كانت مخالفة لمعتقداتنا وآرائنا، فليس من الصحيح أن ندعي أننا نمتلك ونحتكر الحقيقة السياسية أو الدينية، وبالتالي نلجأ لمصادرة رأي الآخرين.

-------------------

* عالم دين من القطيف - السعودية


ارسل لصديق