طريق النجاح وخديعة الحظ
كتبه: إيمان عبد الأمير
حرر في: 2017/03/28
القراءات: 282

يبحث الجميع عن سبل النجاح في حياته، ويتمنى البعض أن «يحظى» بالسهل واليسير من هذه السبل اعتقاداً منهم بأن التفوق والنجاح يأتي من بذل الجهد العضلي والذهني، إنما هو نتيجة تدخّل عوامل أخرى مثل «الحظ» أو «الصدفة» وغيرهما من المفردات الخارجة من منظومة الحياة العملية، ولا تنتظم في منهج عقلائي ومنطقي. ولعل الإسلام وعلى لسان الوحي يؤكد في القرآن الكريم القاعدة الأساس؛ {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}، (سورة النجم: 39-40).

وكما النجاح مرهون بعمل الانسان وسعيه اليه، فان الفشل ايضاً يكون نتاج التكاسل والتواكل، ونحن نؤمن أن الله - تعالى- قسم فرص النجاح لعباده بالسوّية، فالنجاح ليس قضاءً مبرماً للبعض، كما ليس الفشل أمراً محتوماً لآخرين، بحيث يكون الناجح ممن يحرزه وإن لم يبذل جهدا، بينما الفاشل يبقى محروماً منه مهما حاول وبذل من جهود، بل النجاح أمر متوفر للجميع، تماما كما ان الطعام، والشراب، والراحة، والملبس، والمسكن متوفر للجميع، وان بنسب متفاوتة.

 

النجاح صناعة يدوية

إن النجاح ليس ضربة حظ، بل يمكن القول انه اذا كان من النادر ان يصبح المرء مليونيراً بالصدفة - كأن يموت احد أقربائه الأغنياء فيرث منه - فانه من المستحيل ان يصبح ناجحاً بالصدفة، فالنجاح لا يُورَّث، إنما له قواعده الثابتة، وقوانينه الطبيعية، والإنسان في كل الظروف، وفي جميع الحالات بإمكانه تحقيق النجاح في حياته بشرط اتباع قوانين النجاح وأصوله، والناجحون في العالم، إنما يصلون الى القمة، بإتباع تلك القوانين، كما ان الذين يتعلمون فن السياقة انما يتبعون قوانينها، ولا يتم لهم ذلك كضربة حظ؛ فكما لا يولد احد وهو سائق بطبعه، فانه لا يولد احد وهو ناجح بطبعه.

لذا يمكن القول: إن النجاح صناعة يدوية، فالناجح يصنع الانسان بيديه، وكذلك الأمر بالنسبة الى الفشل، وهذا يكون عندما لا يربط الناجحون نجاحهم بالحظ الحسن، ولا ينسب الفاشلون فشلهم الى الحظ السيئ، او الظروف المعاكسة او مؤامرات الآخرين.

والفرق بين الناجح والفاشل ليس في ان الناجح يجد نفسه في النور، والفاشل يجد نفسه في الظلام، فكلاهما قد يجد نفسه في غرفة مظلمة. لكن الناجح بدل ان يلعن الظلام يشعل شمعة، بينما الفاشل يكتفي بالجلوس في زاوية الغرفة ويلعن الظلام.

ان النجاح مغامرة عمل، يحصل صاحبها في النهاية على شهادة النجاح، تماما كما يحصل المتسابق في السباحة على شهادة التفوق بعد ان يكون قد اجتاز العقبات الواحدة تلو الاخرى.

ولهذا فقد وجدنا ان الناجحين يبدأون من الصفر ، وليس بينهم من هو ناجح بالوراثة، وغيره بالجهد والعمل والإقدام والمبادرة، لذا فان صفات الناجحين مشتركة بالضرورة.

صحيح ان هنالك اشخاصا يولدون في ظروف خاصة من حيث المستوى الاقتصادي او الثقافي او الاجتماعي، مما يوفر لهم فرصا جيدة للنجاح، إلا ان ذلك لا يعني ان النجاح يصبح واجباً لهم، وحراماً على غيرهم؛ فكم من اشخاص فشلوا بالرغم من الظروف المؤاتية؟ وكم من أشخاص نجحوا بالرغم من الظروف المعاكسة، ومثال ذلك؛ من يحصل على ثروة كبيرة مرة واحدة من إرث ضخم، بيد أنه يضيعها بسوء تدبيره، بينما نلاحظ حسن التدبير يخلق المال بنفسه.

 

الحظ والآمال الكاذبة

لربما كان (الحظ) هو المعني بالأمل الذي جاء في الاحاديث التي تحذرنا من الاعتماد عليه، كما في حديث أمير المؤمنين، عليه السلام، في نهج البلاغة: «مَنْ أَطَالَ الأَمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ»، و عنه، عليه السلام: «مَنْ أتَسَعَ أمَلَهُ قَصُرَ عَمَلُه» لأنه يعتمد على حظه، وليس على إنجازاته وأعماله.

الاعتماد على الحظ؛ يستقي قوته من الآمال الطويلة والعريضة رغم فقدانها مصداقيتها وخوائها، وهذا ما يصدم الفاشلين دائماً ويزيدهم هماً على همهم، وحتى لو آمنا بالحظ في هذا السياق، فان الحظ يكون من نصيب الاشخاص الذين ينطلقون الى سوح العمل أملاً بالكسب والنجاح، ولاشك أنهم يحصلون على مبتغاهم مهما كان، وليس من نصيب الاشخاص القابعين في البيت وراء باب مقفل وهم حالمون بصيد ثمين.

ان المحظوظين الحقيقيين - حسب ما يعتقده البعض - انما يسيرون في الحياة وفقا لنظرة تختلف عن نظرة معظمنا، فهم يحضرون للفرص المؤاتية، وينمون في انفسهم عادات تفيدهم في اقتناص تلك الفرص مثل؛ المبادرة، والشجاعة، والمثابرة.

وبإمكان أي كان ان يعزز فرص نجاحه من خلال تبني عادات الناجحين تلك، سواء كان هدفك تحسين وضعك العام أم الوصول الى منصب معين، أم إقامة مشروع خاص، أو أي شيء من هذا القبيل.

وهكذا فليس هنالك موقف اكثر ضررا لمن ينشد النجاح من ان يضع ثقته في الحظ من غير ان يعمل له؛ فالعالم يسير ضمن قانون العلة والمعلول، والسبب والمسبب، وسنة الله التي لا تقبل التغيير والتبديل، وهذا القرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، (سورة النساء: 123).

 

الحظ والحاسّة السادسة

وقد تقول: اذا لم يكن للحظ تأثيره الأساسي في النجاح، فكيف تفسر ما يتمتع به البعض من الحاسة السادسة، او الحدس القوي، بحيث انهم يعرفون بالغريزة أي عمل ينجح، وأي عمل يفشل.

ان الاشخاص الناجحين الذين يمارسون الأعمال الهامة، سواء منها المالية أو السياسية، انما يعطون غالبا الانطباع بانهم يتصرفون بوحي الحدس، بيد أن الحقيقة، أن اهتماما دقيقا ومستمرا بالأحداث أتاح لهم معرفة العالم بدقة، فيبدون معها انهم يتصرفون بطريقة لا إرادية، تماما كالقلب الذي ينبض دون ان نعي الحافز الذهني.

فاذا سألتهم لماذا تتصرفون هكذا...؟ لا يستطيعون إجابتك بشيء سوى عبارة: «فكرة طرأت هكذا»، ولكن السبب هو ان وعيهم لا يُدخل في الحساب، الخبرة المكدسة بطريقة لا واعية، وعندما تصدق تكهناتهم وتوقعاتهم، يهتف الجميع: يا للحظ! وكان الأولى بهم ان يهتفوا: يا لسداد الرأي، و يا للاختبار الغني.

ترى كيف لا يكون الحدس السليم لدى الذين لم يتعلموا في الحياة، وليست لديهم خبرة عملية طويلة، أن الحدس نتيجة الخبرة، والخبرة نتيجة العمل الطويل، وهذا ما يفسّر لماذا يسميه البعض حظاً.

أما سوء الحظ، فهو مشجب يعلق عليه الكسالى فشلهم، ولا شك في ان المتبرم بالحياة، الذي يشكو دائما سوء حظه، لن يلتقي بالحظ ابدا، فان الحظ لا يذهب إلا الى الذين يعملون على جذبه.

لا الى الذين يقفون في مكانهم ينتظرون نزول الحظ من السماء مع المطر!

 

الحظ عادلٌ وأمين

وقد يقول قائل: كيف تتنكر للحظ، ونحن نشاهد كل يوم كيف يضحك للبعض، ويرفعه الى قمة النجاح، بينما لا يفعل ذلك لغيره، فيصبح فاشلا؟!

إن كل ما يمكننا ان نعطيه للحظ، مع قطع النظر عن تفسيره ومعناه، لا يتجاوز نسبة العشرة بالمائة من حصة النجاح.

صحيح؛ أحيانا يضحك للبعض، ولكن التعويل عليه مثل التعويل على اليانصيب، تُرى؛ لو ان كل التجار، والعمال، والفلاحين، وأصحاب الحرف، والعلماء، والمخترعين، والمكتشفين والطلاب تركوا أعمالهم، وواجباتهم واعتمدوا على اليانصيب للحصول على أرزاقهم، وتحقيق أهدافهم فما الذي كان يحدث في الارض؟

هكذا الامر بالنسبة الى أولئك الذين يتركون أعمالهم انتظارا لمجيء الحظ، ويتركون مصائرهم بين يديه.

يقول أحد الناجحين: «إن أسرار النجاح ليست بالمظلمة ولا بالعميقة، فهي لا تستبعد الحظ المبتسم ولا الظروف العائرة، لكنها ترفض السماح لهذه الامور بان تتحكم في حياتنا».

ان الحظ عادل وأمين، فهو يبتسم للجميع بالمقدار نفسه، لكن الفرق هو في التجاوب الذي يجده من بعض، والتنكر الذي يجده من آخرين.

وعن كيفية التجاوب مع الحظ لتحقيق النجاح، هنالك عدة خطوات نذكر منها:

أولا: تعلّم متى تتقدم، ومتى تتراجع.

الحظ رفيق لا ينفع معه العناد؛ ولذلك فان الفشل هو نصيب كل من هو عنيد لا يلين، أما المحظوظون فيعرفون متى يكون التراجع حسنا.

يقول أحد المليارديرات في العالم جون فرنر كلوج: «القدرة على تقدير مدى المجازفة امر حاسم. انا لا اقدم على امور لا أرى لها نهاية»، وهذا الملياردير هو رئيس شركة اعلامية ضخمة في الولايات المتحدة، وقد برهن عن قدرته على التوقيت في العام 1986 عندما باع سبع محطات تلفزة بملياري دولار قبل ان تشكل محطات التلفزة بـ «الكابل» ضغوطا جديدة على الصناعة التلفزيونية.

ثانياً: اتبع حدسك

عُدَّ تحليق تشارلز ليندبرغ المنفرد عبر المحيط الاطلسي في طائرة ذات محرك واحد، عملا خارقا، واصبح بذلك واحدا من مشاهير هذا العصر.

لكن الحظ لم يؤد دوراً أساسياً في ذلك الإنجاز، فقد كان الرجل طيارا وميكانيكيا واسع الخبرة، فانطلق من معرفته بان الطائرات قد تحسنت الى درجة أصبحت قادرة على مثل هذا التحليق الطويل، وكان تحليقه تتويجا لأشهر من الجهد المركز، اشرف خلالها ليندبرغ على كل جزء في تركيب طائرته، واحتسب كل جانب من جوانب رحلته. وقد حطّ في باريس قبل الموعد المقدر، وبقي في طائرته وقود يكفي الطيران مسافة 1600 كيلو متر أخري!

المحظوظون يعرفون الفرق بين المجازفة والتهور، وبين الحدس العلمي والأمل الفارغ، عرف المؤلف ماكس غانثر، الحدس على انه «استنتاج يستند الى حقائق مخزونة في مستوى معيّن من اللاوعي».

والناجحون يجمعون معلومات كهذه ليعززوا حدسهم، وهذا ما عناه الشاعر الأمريكي روبرت فروست عندما قال: «كل الصور الفضلى التي يوردها الشاعر هي صور لم يدرك انه يحصل عليها عندما كان يحصل عليها»

إن المحظوظين يقدمون على أعمال تبدو جريئة، لكنهم في الواقع ينفذون حدسهم الواعي من حس واضح بإمكان النجاح.

في العام 1947 كان بوب بيترسن، أجيرا في محطة وقود بالولايات المتحدة، وذات يوم قرر ان يتبع حدسه الذي أنبأه ان هناك شباناً مثله يحبون التحدث عن السيارات وزيادة معلوماتهم حولها، فجازف مع صديق له بكل ما كانا يملكان (400 دولار) لتحويل تلك الحماسة الى مجلة هزيلة بعنوان «هوت رود» وحمل بيترسن نسخا من المجلة الى حلبات سباق السيارات في كاليفورنيا وباع كل نسخة بربع دولار، واليوم تنتج دار بيترسن للنشر العملاقة، ثلاثا وعشرين مجلة متخصصة بالسيارات والهوايات، وتقدر ثروة بيترسن الشخصي بأكثر من 350 مليون دولار.

ثالثا - كُن من الذين يبكّرون

لكي تحظى بالاستجابة لابتسامة الحظ فان عليك ان تبكّر في أعمالك؛ فالحظ يخرج مبكرا، ويبحث عن أول من يلتقي به فاذا تأخرت، تأخر حظك ايضا، ولا عتاب.

ان كل الناجحين هم من الذين ينتشرون مع إشراقة الشمس بحثا عن الارزاق التي توزع في بدايات الصباح، وهذا ما يوصينا به رموزنا العظام، من النبي الأكرم والأئمة المعصومين، صلى الله عليهم أجمعين، بضرورة التبكير في العمل لطلب الرزق، والتأكيد على كراهية النوم بعد صلاة الفجر، وفي حديث شريف فان الارزاق تقسم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وهذا ما يفسّر حجم النجاح الذي كان يحققه آباؤنا في سالف الزمان في بلادنا رغم فقرها وحرمانها الكثير من أسباب الرفاهية والإمكانات المتوفرة اليوم، ففي الوقت الذي كان العالم الصناعي في اواسط القرن الماضي يشهد انتشار وسائل النقل السريعة من سيارات فارهة وقطارات وطائرات وناطحات السحاب ومستلزمات منزلية تعمل بالكهرباء، كان آباؤنا وأمهاتنا يصنعون كل شيء بأيديهم، ويبذلون جهوداً جبارة من اجل تحقيق النجاح في اعمالهم وكسب لقمة العيش بأفضل الطرق وأكثرها أمناً وسلامة عليهم وعلى مجتمعهم، ومن هذا المجتمع ولد العباقرة من العلماء والأدباء والباحثين والمفكرين في العراق ومصر وسائر البلدان الاسلامية، ولم تشهد هذه البلدان ما نعانيه اليوم من انتشار الجريمة والإدمان على المخدرات والأوبئة والاضطرابات النفسية والمجتمعية.

-------------

* مقتبس من كتاب: (أنت أيضاً ممكن أن تنجح)/آية الله السيد هادي المدرسي.


ارسل لصديق