تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد .. الخمر أنموذجاً
كتبه: السيد أحمد الشرع
حرر في: 2017/09/04
القراءات: 24

استند البعض إلى إنكار تبعية الأحكام للمصالح، الآيات الناهية عن شرب الخمر، فقالوا: إن القرآن الكريم نص على وجود منفعة ثابتة بالرغم من كون الإثم أكبر منها، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}، (سورة البقرة: 219)، ومع ذلك فإن الآية لا تتحدث عن الضرر، بل تتحدث عن الإثم، والاختلاف بين الإثم والضرر كبير، إذ من الممكن أن يتضمن منفعة ما، لكنه في الوقت ذاته يعد إثما ومعصية لله؛ إذن فالآية دالة على أن الأحكام ليست تابعة للمصالح والمفاسد، إنما تابعة لأوامر الله تعالى.

 الجواب على ذلك: إن هذه الآية وجميع الآيات التي ورد فيها النهي عن تعاطي الخمر، كما أنها نصّت على المصلحة التي ينطوي عليها الحكم، كذلك نصّت على المفسدة المترتبة عليه، ولو أردنا أن نستعرض مثالاً على ذلك للجأنا إلى هذه الآيات نفسها؛ إذ جاء في إحداها {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، (سورة المائدة: 91)، ومن الضروري الالتفات الى ما يتعلق بمسائل جوهرية كالنهي عن الشرب لا يمكن الاكتفاء معه بأية واحدة وجعلها مرجعاً تشريعياً مستقلاً بحد ذاته، لأن ذلك وكما ذكر جملة من المفسرين: «الآيات الناهية عن شرب الخمر نزلت بصورة تدريجية، ولم يصدر التحريم بشكل دفعي، ففي المرحلة الأولى اتخذ الخطاب طابعاً إرشادياً تضمن الإشارة إلى مساوئ الخمر وأعراضه السلبية، وفي المرحلة الثانية تطور الخطاب عبر النهي عن الاقتراب من الصلاة حال السكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}، (سورة النساء: 43)، وفي المرحلة الأخيرة حسم الأمر بالتحريم الخاص والتشديد البالغ، الذي دل عليه قوله سبحانه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}، (سورة المائدة: 90)، فمن أراد دراسة أبعاد الحكم كافّة لابد له من الالتفات إلى أن الآيات الأولى قد تحمل طابعاً تنزيهياً لا تحريمياً أو على الأقل لم يذكر الحكم فيها بشكل قاطع وصريح؛ وعليه فلابد من رصد كافة الآيات التي تتصل بحرمة شرب الخمر ومن ثم يصار

إلى دراستها وتحليلها.

يضاف إلى ذلك انه ليس من الضروري أن يكون الضرر والمفسدة ماديين، فالمصلحة أو المفسدة لا تقاس وفقا للمنافع أو المضار التي تتمخض عنها، فالظلم على سبيل المثال مفسدة بحد ذاته؛ لكن مفسدته لا تنشأ من كونه أمراً عديم المنفعة، لكونه كذلك فهو قبيح، كلا بل المراد من قوله سبحانه: ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ هو أن الخمر ينطوي على مفسدة وهذه المفسدة لا يمكن إدراكها إلا برصد مجمل الآيات أو ما يعبر عنه بتفسير القرآن بالقرآن، ومن ثم نعلم قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ}، (سورة المائدة: 91).

يتضح من ذلك أن الإثم هنا له علاقة مباشرة بالمفسدة، خلافاً للمستشكل، فالآية تثبت أن الأحكام تدور مدار المصالح والمفاسد الواقعية، لا المنافع المادية المؤقتة، حيث يشعر المتعاطي للخمر بنشوة ولذة تتمخضان عن حالة السكر التي تطرأ له بعد تناول الخمر. إذن قد تكون هناك منفعة مختصرة في الخمر؛ لكن مفسدته قد تتسبب في تحطيم المجتمع وجرّه نحو الهاوية، لذلك لا يمكن جعل المصالح والمفاسد التي تنطوي عليها الأحكام رهينة منافع أو مضار مادية عابرة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان حري بالعقلاء أن يبيحوا القتل لمن يتلذذ به ويطفئ غضبه، بحجة أنه عندما يقتل يشعر بسعادة ولذة، ومن ثم يكون القتل ذا منفعة له، إن ملاك تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد هو المصالح والمفاسد المادية والمعنوية والمنافع الثابتة العقلائية التي لا تلحق الضرر بالآخرين. وكل هذه الأحكام الشرعية تقصي المنافع غير الحقيقية والمنافع المؤقتة ويجعلها مرهونة بأطر وضوابط لا يسوغها إلا العقل والدين.

ولو تأملنا في مسألة ارتهان الملاكات، وعليل الأحكام بالمصالح والمفاسد، بالنصوص الدينية وإسنادها لفهمنا أن هذه النصوص هي التي تبرز لنا ملاكات الأحكام وليس إدراك العقلاء البعيد عن الدين.

---------------

* طالب في كلية الحقوق.


ارسل لصديق