من يحمل راية الإصلاح في المجتمع؟
كتبه: أحمد الشرع
حرر في: 2018/03/05
القراءات: 282

يمثل الإصلاح قيمة عالية في المجتمع يتشرّف بها الجميع ويدعي تبنيها البرّ والفاجر، كما يتمناه الصالح والفاسد، وهذا فرعون؛ ذلك الطاغية الذي واجه رسالة السماء، ادعى أمام الناس حرصه على الإصلاح وخوفه من الإفساد: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}، (سورة غافر: 26)، وفي آية أخرى يدّعي لقومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، (سورة غافر: 29)، بما يدلل على أن الإصلاح بإمكانه ان يكون شعاراً يتستّر بها الطغاة والمفسدون لمواجهة المصلحين الحقيقيين.

لذا نجد المفسدين في كل زمان ومكان، رغم إفسادهم، إلا انهم يظلون متشبثين بهذه القيمة الشريفة (الإصلاح) حتى لا يتهموا بالإفساد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، (سورة البقرة: 11)، بما يؤكد أن المطالبة بالإصلاح لوحده لا يكفي، فثمة فرقان ظاهر بين الإصلاح والإفساد مهما بالغ صاحب الدعوى، ولذلك جاء الرد الرباني الحاسم: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}، (سورة البقرة: 12)، وهذا الفرقان بين الإفساد والإصلاح أودعه الله - تعالى- في فطرة الخلق وأنزله وحياً يهدي به الناس، ويميز به الحق والباطل، فمن تولّى عن هذا الوحيّ فانه مفسدٌ لا محالة، بمعنى؛ أن معيار الإصلاح هو الوحي والمعصوم الذي يأتيه لا الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأي تحرك وافق رسالة السماء، وسيرة المعصومين، عليهم السلام، والقيادة الربانية من علماء الدين الأبرار، فهو في طريق الإصلاح، وما خالفه يكون إفساداً لاريب: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}، (سورة محمد: 22)، فالقرآن الكريم يجعل الفساد نتيجة حتمية للإعراض عن الوحي.

إن الرغبة في الإصلاح ومناهضة الفساد تحمل طاقة نفسية عجيبة، تشبه الطاقة التي تدفع الانسان الجائع للبحث عن الطعام، او تحمله بحثاً عن علاج لمرضه، فحين تواطأ قوم موسى لقتل نبيهم، عليه السلام، وهو من مصاديق الإفساد، تحركت طاقة الإصلاح المودعة في نفس ذلك الرجل الذي جاء من ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ لينقذ حياة نبي الله موسى: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}، (سورة القصص، 20)، وهذه الكلمة تستحق كل ذلك الجهد، لذا ذكره الله - تعالى- في كتابه المجيد على سبيل الثناء والمدح، لان الله يحب المبادرة والروح الإيجابية نحو عمل الخير والإصلاح: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ، (سورة القصص: 20)، وتشبه هذه الالتفاتة والإشادة القرآنية بالموقف الإصلاحي، بما جاء في القرآن الكريم عن ذلك الرجل العظيم والمصلح الفذّ؛ يحيى النجار، وقد أفرد الله - تعالى- سورة خاصة لهذا الرجل وهي؛ سورة يس، تحكي لنا قصة الرسل الثلاثة مع قومهم، وكيف أنهم كذبوهم وراموا قتلهم: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَىا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، (سورة يس: 20)، وكان من خبره ومآله ما كان، حيث ضحى بروحه من أجل رسالة الإصلاح في مجتمعه.

وهنا السؤال يطرح نفسه عن شخصية المصلح، هل بالضرورة ان يكون شخصاً واحداً، أو «رجلاً» كما مرّ آنفاً؟

يؤكد علماؤنا على أن المجتمع الإيماني يمثل شخصية اعتبارية هو الآخر تقع عليه مسؤولية حمل راية الإصلاح، وأن يدع فيروس الفساد ينتشر ويستفحل في أوساط الشباب والنساء وحتى الأطفال، مثالٌ على ذلك؛ النزاعات التي تحصل في المجتمع، يجب التدخل الإيجابي لفضّ النزاع من منطلق نشر الرحمة والإصلاح والتسامح، وربما يصل التدخل الإيجابي الى حدّ مواجهة الفساد والمفسدين بالقوة، كما أمرنا الله - تعالى- بأن نقاتل البغاة والمنحرفين، وهو من علائم المجتمع الحيوي والمسؤول والحريص على دوام الإصلاح في حياته، قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}، (سورة الحجرات: 9).

إن مفهوم «الفيء الى أمر الله» لا يحدده إلا رجال ربانيون وعلماء متبحرون، ولذا فان المجتمع الفاعل والمصلح لن تجد يتيماً لا كفالة، ولا شيخاً مسنّاً بلا رعاية، ولن تجد دمعة حزينة إلا ولها يد حانية تتلمس أوجاعها، وتمسح أحزانها، كما أن في هذا المجتمع لن تجد للشيطان وأهوائه ومنزلقاته مكاناً ولا شخصاً مطيعاً، لان ما يحدثه من فساد وفتنة، ينبري له رجال أشداء مصلحون، يواجهون الإفساد بكل الطرق المناسبة.

ولكن؛ اذا خلا المجتمع من المصلحين، واستبدّت بهم الغفلة والشهوة واصبح الفساد بلا مقاومة، فانه يستوجب العقوبة الإلهية التي تعم الفاسدين والصالحين في نفس الوقت، لان الصلاح الذي لا يقوى على نشره لن يكون لوجوده فائدة لدفع البلاء والعقوبة الإلهية، وهذه الحقيقة والسنّة يبينها لنا ربنا في الآية المباركة: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}، (سورة هود، 117).

وإذن؛ فـــــان الإصـــلاح، كمفهوم، والمصلحين كتطبيق عملي على الارض، من شأنه ضمان استمرار الرحمة الإلهية والنعيم في الدنيا، وفي الآخرة رضوان من الله أكبر، لو كانوا يعقلون.


ارسل لصديق