حتى لا تغيب العاطفة عن الحياة الزوجية
كتبه: أحمد الشرع
حرر في: 2018/05/03
القراءات: 67

عندما نتحدث عن الزواج وعن الحياة الزوجية، فنحن نتحدث عن رجل وامرأة يفترض ان يختزلا المعنى الإنساني في إنسانيتهما، ونتحدث عن زوجين يفترض أن تمتزج حياة كل منهما بحياة الآخر، لهذا نتوقع دائماً أن يعيش الزوج مشاعر الرحمة والحنان إزاء زوجته عندما يستشعر تعبها وإرهاقها في البيت، والزوجة بدورها ايضاً، تستشعر حالة الإرهاق والتعب التي تهيمن على زوجها القادم من حيث ميادين العمل لتوفير لقمة العيش الكريم.

طالما يدعو علماؤنا في مجال الأسرة والحياة الزوجية، على أن يعيش الزوجان حياة تكاملية لبعضهما البعض فيما يتعلق بحاجاتهما المادية والمعنوية، بل وان يعكسا صورة العلاقة الفطرية والحميمة لوالديهما قبل ان يكبرا ويتزوجا، فعلى الزوجة أن تتعلم كيف تكون أمّاً حنوناً كوالدتها؛ ليس فقط على أطفالها في المستقبل، وإنما على زوجها أولاً؛ وتعرف كيف تتصرف مع المنغّصات التي تواجهه والمشاكل التي تعتصره، كما تفعل الوالدة بولدها، حيث تكون الارض الوادعة التي تهدأ فيها أقوى العواصف، فتعوضه ما فقده، وتخفف عنه آلامه، بالمقابل؛ على الزوج أن يقوم بدور الأب العطوف والرحوم الذي يراعي المشاعر ويقدر المواقف، ويبادلها مشاعر الحب والاهتمام.

 

 التكافؤ في المشاعر العاطفية

صحيح أن الإسلام حدد لكل من الزوج والزوجة أدواراً خاصة نظراً لتكوين كل واحد منهما، وما له من قدرات، بيد أن الجانب العاطفي المؤثر في الحياة الزوجية، يحتل مرتبة متميزة في التشريع والأحكام الاسلامية، فالقرآن الكريم يصف الزوجة بأنها «سكنٌ» للزوج، بما يدلّ بوضوح الى حالة الاستقرار والهدوء والانبساط: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، (سورة الأعراف: 189)، فليس في الحياة ألفة حقيقية بين اثنين كالألفة الموجودة بين الزوج وزوجته، ويؤكد القرآن الكريم هذه الألفة بعبارات رائعة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ، (سورة البقرة: 187).

بمعنى أن القرآن الكريم الذي يضيء لنا فقرة من النظام الاجتماعي المتكامل، يدعونا الى الاندماج والعلاقة الشفافة بين الزوجين، وهو ما يعزز المودة ويجعل كلاً يراعي مشاعر وحقوق الآخر في جميع نواحي الحياة.

ان الأزمة العاطفية في العلاقات الزوجية تمثل اليوم أبرز عوامل انهيار الحياة الزوجية، وعندما نتحدث عن العاطفة، فهي ليست تلك الكلمات المعسولة والمجاملات التي تلقى عبر الهواء الطلق دون أي التزام او مسؤولية بهذه الكلمات، فالبناء العظيم الذي يقصده الحديث الشريف: «ما بُني بناء في الإسلام أعظم من الزواج»، لا يقوم أبداً على أساس من هذا القبيل، إنما العاطفة المقصودة تلك التي تضرب بجذورها في القلب، وليس على طرف اللسان، وهذا ما يجعلنا نشهد ظاهرة التحول الغريب في المشاعر بين الشاب والفتاة لمجرد دخول بيت الزوجية، ففي البداية نشهد العلاقة الحميمة والودية، كما لو أن كل واحد يرغب بالتضحية من أجل الآخر! ولكن؛ ما أن تصل القضية الى المراحل العليا، ربما الى الزفاف او حتى الى عقد القران، واذا بتلك العواطف تذبل وتتلاشى.

ويحمّل الخبراء والعلماء الشاب (الزوج) جزءً كبيراً من المسؤولية في تهديد مشروع الزواج عندما يحصر تفكيره في زاوية الشهوة الجنسية والنظر الى كل الأمور من هذه الزاوية الغريزية التي لا تغفل عنها النساء بشكل عام، وعندما يلاحظن هذا الحرص من بعض الشباب او الرجال سيتخذون الإجراء السريع ويجمدون العلاقة فوراً.

أحد الرجال اتصل بأحد الوجهاء في منطقته السكنية يشكو عدم اهتمام زوجته به وانها «لا تحبني»! وبعد التحرّي عن السبب تبين أن المشكلة فيه، فهو الذي لا يفكر سوى بشهوته الجنسية دون النظر الى مشاعرها العاطفية، فهي بحاجة الى هذه المشاعر مثله، وهي الحقيقة التي يجهلها البعض من الرجال ممن يتصورون أن الشهوة الجنسية مسألة تتعلق بالرجل فقط، وعليه يجب على الطرف الآخر توفير كل الأجواء المناسبة لتحقيق ذلك للرجل.

وطالما حذر الخبراء من هذا الخطأ الكارثي عندما يحتكر الرجل العاطفة لنفسه تاركاً وراءه زوجته خالية من أية لفتات عاطفية او مواقف تقديرية تحيي مشاعرها، وعندما تجد المرأة أنها أمام زوج يتجاهل مشاعرها وحقوقها، فإنها ربما تنزلق نحو الحرام للتعويض عن هذا النقص العاطفي، وهذا ما نلاحظه هذه الأيام وبشكل واسع في بيوتنا التي اخترقتها مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاتصال المتنوعة التي تنقل الصوت والصورة عبر العالم وبالمجان.

 

 ما الذي يلوث الأجواء العاطفية؟

هنالك العديد من عوامل تلوث الأجواء العاطفية، واذا اردنا التعرف عليها علينا الالتفات الى أن المسؤولية تشمل الزوج والزوجة معاً، منها:

1- الإدمان على الأنترنت او الحاسوب او الموبايل، او البعض يفضّل مجالسة الأصدقاء اكثر من مجالسة زوجته التي يفترض ان تكون أنيس وحدته، ويتصور البعض أن الزوجة عليها ان تبقى مثل الآلة عند الطلب فقط، بالمقابل؛ ربما نجد بعض النساء يتجهن نفس الاتجاه في شغل أوقاتهن والغوص في العوالم الافتراضية التي تصنعها مواقع النت وصفحات التواصل الاجتماعي، مما يؤدي الى إهمال وضعها الظاهري المطلوب عند الزوج، فضلاً عن إهمالها لبيتها وما يحتاجه من رعاية وتنظيم، وهو ما يجعل الزوج الذي ربما يكون مهتماً بزوجته، وينتظر منها مبادلة المشاعر العاطفية، أنها تبتعد عنه، فيكون رد الفعل مماثلاً.

2- الإكثار من الانتقاد المباشر واللاذع بين الزوجين لمختلف الامور والأشياء التي ربما تكون تافهة، مما يخلق أجواءً من الحرب الكلامية المستمرة تؤدي الى خلق حالة من النفور الداخلي وعدم التفاعل حتى مع وجود أمور إيجابية.

3- عدم وجود منهجية واضحة لحل المشاكل بين الزوجين، وايضاً عدم وجود لغة تفاهم تقرب وجهة النظر او الأذواق والعادات بين الاثنين، مما يحول المشكلة البسيطة الى قنبلة كبيرة ربما تهدد كيان الأسرة برمتها، فالصمت على المشاكل والتقاطع في الأذواق والعادات، يؤدي الى تراكم السلبيات ومن ثم تبلّد المشاعر العاطفية.

4- إهانة احد الزوجين للآخر أمام الأهل او الأقارب، والتفوّه بكلمات غير مناسبة أمام الآخرين وبصوت عالٍ، وأمام الأطفال ايضاً، مما يؤدي الى النفور وانعدام الاحترام بينهما.

5- الفهم الخاطئ من الزوج لمفهوم القيمومة الواردة في القرآن الكريم: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، (سورة النساء: 34)، وبدلاً من تطبيق الآية الكريمة بشكل صحيح، نراه يبطش ويظلم المرأة ويسلبها حقوقها ويعاملها كمملوكة.

هذه العوامل المنغّصة للأجواء العاطفية وغيرها كثير، بالإمكان إزالتها من الطريق من خلال الاعتراف بوجودها أولاً؛ ثم عدم المكابرة او الالتفاف عليها للتهرب من مسؤولية الحل.

لذا تحتاج مجتمعاتنا الى قدر كبير من الوعي والإدراك لخطورة غياب العاطفة على بناء الأسرة وما يمكن ان يؤدي الى الطلاق.

الأمر الذي يتوجب علينا جميعاً نشر الوعي الديني الصحيح بين المتزوجين، وايضاً بين الأهل والأقارب، للتعريف بالحياة الزوجية وكيفية التعامل معها.

كما نحتاج الى الثقافة الأسرية التي تفيد الشباب قبل الزواج، وتكون على يد متخصصين في علم الاجتماع، وايضاً على يد علماء الدين لتعميق هذه الثقافة قبل وبعد الزواج.

اذا أراد الزوجان للعاطفة ان تنمو لديهما وتزهر لتفوح رائحة زكية تطيب حياتهما المشتركة، ما عليهما سوى التسامح والتغاضي عن كثير من الزلات والهفوات، بدلاً من تصيّد الأخطاء.

وبحث كل واحد عن أخطاء الآخر، فكم من مشكلة مصدرها أمر تافه، ولابد ان نعرف أن الخطأ ليس عيباً، إنما العيب في الاستمرار بالخطأ، فالاختلاف بين الزوجين أمرٌ واقع، لسبب بسيط و واضح؛ انهما جاءا من أسرتين مختلفتين في الأذواق والعادات وطريقة التفكير، ولذا يجب إيجاد طريقة لتجاوز الأخطاء، فثمة فرق بين العتاب وتصحيح الخطأ، وبين القسوة والجفاء.

وليعلم الجميع؛ ان استقرار الحياة الزوجية بل واستقرار المجتمع، والسيطرة على انتشار العلاقات غير المشروعة، مرهونٌ باستقرار الحالة العاطفية وحتى الجنسية بين الزوجين بما يرضي الطرفين ويجمعهما على الحب والودّ والألفة.


ارسل لصديق