كيف يتعامل المصلحون مع الفساد والمفسدين؟
كتبه: أحمد الشرع
حرر في: 2018/01/08
القراءات: 197

سنّة الله في الحياة الدنيا تقتضي أن تكون فيها العداوة بين أبناء البشر: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ، (سورة البقرة: 36)، وأن تكون فيها المُدافعة: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}، (سورة البقرة: 251)، وأن يكون في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء لحكمةٍ يعلمها الله - جلّ جلاله -: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، (سورة البقرة: 30).

إن ظاهرة العداوات، لا سبيل للتخلّص منها، ولا طريق لاسترضاء الأعداء - على الجملة - مهما حاذر المصلحون من الأخطاء، ومهما اختاروا في سبيل إصلاحهم الطريق الأكثر رفقاً وليناً، فهم لن ينجوا من ردود الفعل العنيفة من أعدائهم، لاسيما وأنهم يشعرون بخطر هذا الإصلاح يهدد وجودهم، يكفيك جرماً عند المفسدين أنك صالحٌ أو مصلح! ويكفيك جرماً عند أهل الخيانة، أنك من أهل الأمانة!

وهذا لا يعني أن جميع العداوات للمصلحين هي بسبب تشبث المفسدين بفسادهم، بل يحدث أحياناً أن يفقد الإصلاح مصداقيته لدى الانسان المصلح الذي يدعو الآخرين الى الإصلاح ويستثني نفسه من هذه الدعوة، فلا ينبغي للمصلح أن يستدلّ بعداوة المصلحين له، على صحة ما يذهب اليه في دعوته الإصلاحية، حتى التضحيات التي يقدمها البعض في طريق الإصلاح، ليست دليلاً على صحة الموقف، كما أن السلامة ليست دليلاً على صحة الطريق، إنما المعيار في النية الخالصة لله - تعالى- فقد جاهد وضحّى وأنفق وبذل الكثير ممن سبقونا في التاريخ القديم والمعاصر، ولكن؛ لم يبق من كل ذلك سوى كلمات في بطون التاريخ، وهذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم في إشارته الى المنافقين الذين استدلوا بالسلامة على صحة موقفهم واختيارهم:

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، (سورة آل عمران: 168)

ثم ان أعداء المصلحين على أنواع؛ فمنهم المعلن لعداوته، ولا يتخفى أو يتوارى، وهؤلاء أقل خطراً من قوم آخرين يعيشون بين ظهراني المؤمنين، ويتكلمون بلسانهم، ويتظاهرون بحبهم وولائهم، ولكنهم يضمرون العداوة، ويسعون في المجتمع فساداً، ويتربصون بهم الدوائر، وربما اتخذوا المساجد والأعمال الصالحة غطاء يستر كيدهم وتدبيرهم، كما فعلوا في مسجد ضرار، في عهد رسول الله ، صلى الله عليه وآله، التي نزلت فيها آية كريمة تُعد درساً بالغ الحكمة في من يريد تمرير مشاريعه المفسدة عبر لافتات «مشرعنة»، وكما حصل في عهد الامام علي، ومن بعده؛ الامام الحسين، عليهما السلام، وكيف أن شريحة من الأمة، آنذاك، قاتلت أهل البيت، عليهم السلام، بشعارات دينية.

وعلى المصلحين الانتباه الى أن بينهم وبين أعدائهم، جمهوراً محايداً يسمع للطرفين، وربما اقتنع بقول المصلحين تارة؛ واقتنع بمقالة أعدائهم تارة أخرى، وعلى هؤلاء تكون المنافسة والتحدي بين الطائفتين، وعلى المصلح ألا يصيبه الإحباط، اذا رأى لبعض مقالات الأعداء آذاناً صاغية في صفوف الشريحة المحايدة في المجتمع الذين لم يحسموا موقفهم، أو رأى بعض الصالحين يسمع بعض كلامهم، ويتأثر به، ففي افضل المجتمعات هناك آذان طيبة، تسمع وتتأثر بأصوات الفتنة والنفاق، قال تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، (سورة التوبة: 47)، لذا ينبغي حينئذ مزيد من العمل والمنافسة والإقناع والتأثير، وعدم التسرّع بإصدار الأحكام على هؤلاء المتأثرين او التحذير من ضياعهم.

ومما يساعد على نمو العداوات وزيادة الأعداء؛ خوف البعض من أي تغيير او إصلاح، كما قال الله - تعالى-:

{وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}، (سورة القصص: 57).

ثم ان التغيير والانتقال من حال الى آخر، لا يخلو من خوف وإزعاج، فالطفل يترك بطن أمه الضيق والمظلم، ويقبل الى رحاب الحياة، فنراه يصرخ بالبكاء، لذا فالإصلاح بحاجة الى نفوس كبيرة تصمد أمام هذه المخاوف، وتتجرد للحقائق وتصبر على طول الطريق ومشاقه، ويحتاج لقدرٍ من التدرج المطمئن أن التحول والتغيير سيكون لما هو خير وأفضل.

ومن أشد الأعداء للرسل السماوية وللمصلحين على مر التاريخ؛ «العِناد»، وهي حالة نفسية تجسدت في جميع الأقوام التي مر عليها الانبياء والمرسلون عبر التاريخ؛ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}، (سورة لقمان: 21).

إن العناد والإصرار على شيء يصيّره عادة ثابتة يتمسك بها صاحبها ويتخذها منهجاً في حياته، واحياناً يكون التخلّي عن عادة معينة، أشبه بالمستحيل، ومحاربة العادات بشكل عام، عملية غير ممكنة بل وغير مطلوبة، إنما المستهدفة؛ العادات السيئة، لان العناد والإصرار على شيء، لا يحمد مطلقاً، ولا يُذم مطلقاً، إنما يحمد اذا كان عن وعي وبصيرة، وكان على حق ودين، ويُذم اذا كان عن تقليد أعمى، وكان على غير الصراط المستقيم.

ومن اكثر الطبقات خوفاً من التغيير والإصلاح؛ الطبقة المترفة، والمستفيدة من قوانين المجتمع وشكله وعاداته، وأي تغيير فيه قد يفقدها بعض ترفها ونعيمها.


ارسل لصديق