القرآن وحرية المجتمع.. اشكاليات الواقع المعاصر
كتبه: سماحة العلامة الشيخ محمد حسن الحبيب
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1416

قديما ارتبطت الحرية كمنهج فردي بأهل العلم والفكر والمعرفة الذين وجدوا في انفسهم القدرة على ممارسة التفكير والابداع والنقد بتحرر بعيدا عن القيود، وقادهم ذلك الى نشر ما توصلوا اليه، وفي كثير من الاحيان التضحية ومجابهة العقبات التي تحول دون وصوله.

مع ذلك فقد تأخر ظهور مشروع الحرية في المجتمع، وتطبيقه فكريا وسياسيا في الحياة العامة. فالفلاسفة واهل الفكر والثقافة والنظر،الذين وضعوا كل شيء موضع النقد البناء والمناقشة الحرة، وعملوا بمبدأ الحرية في عرض افكارهم وايصالها الى الناس، انسجم البعض منهم مع الواقع القائم على الاستبداد والدكتاتورية، بل ربما صار التعايش من ابرز صفاتهم وسماتهم، ففي الوقت الذي يجتهد ويجاهد لابراز رأيه ونشره، و يثور– احيانا- دفاعا عن حرية الرأي، تراه في الوقت ذاته مؤيدا لانظمة الاستبداد، و ربما منظراً لها!

 مفردة "الحرية" في القرآن الكريم

وللقرآن الكريم رؤية ثاقبة ومتكاملة لمفهوم الحرية، لاسيما من الزاوية الاجتماعية، لكن هنالك اشكاليات متربعة على واقعنا المعاصر ربما تحول دون الاخذ بهذه الرؤية او عرقلة تطبيقها.

وقبل هذا، تجدر الاشارة الى ورود اصل كلمة "الحرية" او مفهومها في القرآن الكريم.

لم ترد كلمة "الحرية" في الكتاب العزيز، ولكن كلمات اخرى قريبة منها، مثل كلمات "تحرير،محررا، الحر" قال تعالى: "وماكان لمؤمن ان يقتل مؤمن الا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة الى اهله الا ان يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة".وقال تعالى: "اذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطنى محررا فتقبل مني انك انت السميع العليم".وقال تعالى: "يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر...".

وبالرغم من ان لفظة الحرية لم ترد في كتاب الله العزيز، الا ان آياته حملت دلالات ومعاني الحرية باطيافها المختلفة، ومنها على سبيل المثال ما ورد من الآيات الكثيرة التي تتحدث عن مفهوم الطاعة وتحرير الانسان من سلطة الاهواء والشهوات والشيطان والآباء والطاغوت.

قال تعالى في مقام طاعة قوم فرعون له: (فاستخف قومه فاطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين).

وقال تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم وان اطعتموهم انكم لمشركون).

وقال تعالى: (وقالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا).

وقال تعالى: (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن وان هم الا يحرصون).

وقال تعالى: (ووصينا الانسان بوالديه حسنا وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما الي مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون).

وقال تعالى في النهي عن طاعة الكفار: (يا ايها الذين امنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين.

هذه الآيات وغيرها كثير توضح مجموعة من الحقائق:

1-هنالك مكبلات كثيرة تحيط بالانسان تسلبه حريته وتوقعه في رق العبودية، وقد بينها القرآن الكريم من خلال آياته في مناسبات عديدة، وأمر بكسرها.

2- كسر قيود العبودية بحاجة الى الارتباط بالله سبحانه وتعالى والتقيّد بمناهجه.

3-ان التقيد بالمناهج الالهية لا تسلبه حق الاختيار ولكنها تحمله تبعات اختياره.

4-ان الحرية حقٌ بلحاظ انسانية الانسان، وواجب بلحاظ المحاسبة.

ركائز حرية المجتمع

أولا: التساوي بين البشر:

ينظم القرآن الكريم، العلاقة بين بني البشر على اساس التساوي في عبوديتهم لله، فلا يحق لاحد منهم ان يسود غيره الا باذن الله، كما لا يجوز لاحد الخضوع والطاعة والتسليم الا لله وحده، او لمن يأذن الله في اتباعه.

قال تعالى: "قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى قالوا ان انتم الا بشر مثلنا تريدون ان تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم ان نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا ان نأتيكم بسلطان الا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون".

والاختيار الاخير بيد الانسان نفسه. قال تعالى: "قل الله اعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل ان الخاسرين الذين خسروا انفسهم واهليهم يوم القيامة الا ذلك هو الخسران المبين".

يقول سماحة السيد المرجع المدرسي (دام ظله): "ان بصيرة وحدة البشر في اصل الخلقة ركيزة اساسية في النظام المعرفي والثقافي والتشريعي للدين الحنيف، فهي تصبغ احكام الاسلام بصبغة التوحيد، الذي يتضاد اساسا مع كل لون من الوان الشرك؛ ينفي استعباد الناس بعضهم لبعض باسم الدين او باسم العنصرية او القومية او الطبقية، كما ينفي تسلط الناس بعضهم على بعض بقوة النار والحديد او بجاذبية الثورة او حتى باسم التقدم العلمي. وهكذا ينفي التمايز بين الناس بالدم او بالولادة في ارض او بالسكن في منطقة او بالانتساب الى مبدأ او ما اشبه، اللهم الا بالتقوى (الايمان والعمل الصالح)".

ومع انتفاء هذه الركيزة او حين يشوبها التشويش او الغموض في الذهن او على ارض الواقع، فان القيود الذاتية او النابعة من سلطة الآخرين ستؤثر في قدرة الانسان على الاختيار بارادة مطلقة في الفعل او الترك، وربما اثر ذلك ايضا في ما يدور في فكره.

فالتعاطي مع اي نوع من انواع السلطة، سواءً السياسية منها، او الاقتصادية، او الاجتماعية او غيرها، بل وحتى سلطة التاريخ والرأي العام، اذا كان نابعا من التفاضل غير المشروع، يعد تقييدا للحرية وإبعادها عن الواقع الاجتماعي، وهذا ينشئ مجتمعا متقاعسا ليس له فاعلية في الحياة. وربما تلقى تبعة هذا التفاضل على السلطة السياسية، فممارساتها قد توصل مجتمعاتها ليس الى عدم الفاعلية فحسب، بل الى الموت احيانا! وهذا صحيح،لكن هذا لا يعني إعفاء  الانسان من هذه التبعات، فهو المعني اولا وبالذات، ولذا خاطب امير المؤمنين: الانسان بقوله: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا".

ثانيا: المسؤولية والتكليف:

إن مبدأ التساوي بين البشر وعدم الاستعلاء بعضهم على البعض الآخر، يفترض مسؤولية عامة تقع على عاتق الجميع ومسؤولية بهذا المعنى ترتبط بأمرين:

الأول: الامانة التي عرضت على الانسان فحملها. قال تعالى: "انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا".

الثاني: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم".

وواضح ان جميع الفضائل بما فيها (الحرية)، تجمعها كلمة (المعروف) كما ان جميع الرذائل تجمعها كلمة (المنكر)، فالمعروف هو المعروف بين الناس والمنكر هو ما انكره الناس ايضا، وفي هذه الآية تقرير لولاية المؤمن على اخيه المؤمن فيما يرتبط بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول بعض الفقهاء.

وهنا ينبغي ان نتساءل عن حدود هذه المسؤولية وآفاق حرية الانسان فيها؟

أولاً وقبل كل شيء؛ ينبغي ان نعرف ان حرية الانسان انما هي من الجانب التكويني وليست التشريعي، فهو من الناحية التشريعية مكلف، وعليه القيام بما هو مكلف به، وهذا الامر ليس مرتبطا بالاسلام فحسب، وانما في كل الديانات والشرائع بما فيها الشرائع التي اخذت الحريات مجالاً واسعاً في واقعها العملي.

وكمثال على ذلك، وفر الله للانسان فرصة الاختيار، ومنحه القدرة على التشخيص والاختيار لكنه فرض عليه اختيار الحق وتطبيقه، قال تعالى: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بها سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا".

ثالثا: الشورى

ان ابناء المجتمع الذين تكون عندهم المسؤولية ذات السمة الحضارية، هم اشد الناس حاجة الى قنوات تجمعهم للتشاور، والتنسيق، والتوافق على العقود المرتبطة بادارة المجتمع وابنائه، والمؤسسات الحيوية والفاعلة فيه.

1- الشورى تستبطن اعترافا متبادلا بين ابناء المجتمع على انهم شركاء في مجتمعهم خيره وشره، ولا يحق لاحد الاستئثار بتسيير الامور فيه ا و الاستئثار بخيراته.

2- تعزّز المسؤولية في النفوس وتزيدها حيوية. قال تعالى: "والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون".

3- المجتمع الحي هو من يبحث ابناؤه عن الاحسن فيختارونه. قال تعالى "وكتبنا له في الالواح من كل شي موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وامر قومك ياخذوا باحسنها سأريكم دار الفاسقين".

اشكاليات الواقع المعاصر:

مما سبق يتضح لنا ان واقع مجتمعاتنا المعاصرة بعيد عن الحرية. ويمكن لنا تلخيص اهم الاشكالات بأمرين:

الاول: ضعف ثقافة الحرية في الواقع الاجتماعي، وربما تصل الى حدودها الدنيا بحيث يمكن توصيفها بالانعدام.

الثاني: شيوع حالة الاستبداد في اغلب مؤسسات، (الاسرة، المدرسة، المسجد، الحسينية، اللجان الاهلية، السلطة السياسية). 


ارسل لصديق