لكي نقتلع الإرهاب من الجذور
كتبه: سماحة العلامة الشيخ محمد حسن الحبيب
حرر في: 2014/02/04
القراءات: 1103

تشهد الساحة الإسلامية موجات متنوعة وشديدة من العنف والاحتراب الداخلي، وقد أضاف إلى ما نعاني منه لوناً جديداً من المشاكل والأزمات الداخلية، خصوصاً وأنه التصق بصبغة الإسلام تارة، وبالصبغة المذهبية أخرى، فالقتل وسفك دماء الأبرياء والاعتداء على كل مقدس وانتهاك حرمة بيوت الله، وهدم البيوت التي أذن الله أن تُرفع ويذكر فيها اسمه، كل ذلك باسم الإسلام وتحت ذريعة مقاومة المحتل وقواته الغازية، والتمكين لقيام دولة التوحيد، بل حتى تفجير المنائر التي يرتفع منها صوت التوحيد تكون هدفاً مشروعاً تحت تلك الذرائع.

ونتيجة لذلك فقد عملت جهات رسمية وأخرى شعبية على التصدي لهذه الظاهرة بطرق مختلفة، الأبرز فيها المعالجات الأمنية، تليها معالجات خجولة حملت اسم المعالجات الثقافية، وهي في الواقع ذات طابع وعظي أريد له تسجيل بعض المواقف المؤيدة للدولة وطريقتها في معالجاتها الأمنية.

والذي يظهر من كل هذه الجهود المبذولة بما فيها المعالجات الأمنية أنها تعاني من قصور أو تقصير شديدين، أو أنها في أحسن الأحوال والفروض لم تحقق أهدافها، وذلك لأنها مثل كثير من الأمراض، إذا لم تعالج من الجذور فإنها ستعاود الظهور وربما أكثر من سالف أيامها، وهذا ما حصل فعلاً..! لذا ينبغي أن يستنفر عقلاء الأمة من العلماء والمفكرين والمثقفين، وإلى جانبهم الساسة وصُنَّاع القرار لمناقشة هذا المرض والوقوف على أسبابه وتحديد مصادر تغذيته والبيئات الحاضنة له، وطرق معالجته.

من وجهة نظر الدين، فان هذه المشكلة لم تكن بعيدة عن دائرة الضوء في معالجة الإسلام للمشاكل التي تحيط ببني البشر، فمنذ الأيام الأولى وقف الإسلام موقفاً حازماً ضد ظاهرة الإفساد في الأرض (الإرهاب)، وقد ظهر ذلك الموقف الحازم في حكم القرآن الكريم على المفسدين بالقتل، أو الصلب بعد القتل للعبرة والعظة، أو الصلب حتى الموت (على اختلاف الأقوال)، أو قطع أيدي المفسدين وأرجلهم من خلاف وإبقائهم حتى الموت أو النفي وهو أهونهم، وجعل أمر التخير في هذه العقوبات للحاكم العادل.

قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}  (سورة المائدة /33).

وبعيداً عن إشباع غريزة الانتقام لدى الحاكم، كان لا بد من حصر دائرة المفسدين من خلال تقديم الأدلة الدامغة ضدهم وإلا عُدَّ الحاكم في عداد المفسدين. وحينما تشيع حالة الإفساد في الأرض وتصل إلى مستوى الظاهرة فإن الاكتفاء بهذا النوع من العلاج لن يجدي نفعاً لذا لا بد أن يكون إلى جانبها معالجات فكرية وثقافية، على أن تسبقها مراجعات لبعض الأفكار التي تُسهم بطريقة أو بأخرى في تفريخ أو تغذية هذه الظاهرة. منها:

أولاً: العلاقة بين الدين السياسية

من المفترض أن تكون العلاقة بين الدين والسياسة هي علاقة القائد بمقوده والتابع بمتبوعه، فالدين أولاً وأخيراً هو الحاكم والمهيمن على السلطة السياسة وشؤونها، والأخيرة ما هي إلا أداة لإقامة شعائره وتطبيق شريعته في كافة نواحي الحياة.

ونظراً للقراءات المتعددة في فهم الدين واختلاف الرؤى في تفسير نصوص الشريعة، فقد تم تقديم الإسلام إلى العامة بأشكال متنوعة وفي بعض الصور يكون التناقض بينها واضحاً وجليًّا، وبغض النظر عن أثر العوامل الغريبة في بلورة هذا الرأي أو ذاك، إلا أن هذا الحال فتحت المجال أمام ذوي المطامع والأهواء من الداخل، بل وفي بعض الأحيان من خارج دائرة المسلمين؛ لتوظيف الدين لأغراض سياسية، ليقدموا تصوراً خاصاً يبرر وجودهم كدول أو كحركات وأحزاب، ويضفي عليهم الشرعية المستندة إلى الشريعة.

ثانياً: الكفر والإسلام

ونتيجة للقراءات المتعددة في فهم الدين ونصوصه، تنوعت المذاهب الفقهية والعقدية عند المسلمين، وراح كل واحد منهم يجتهد في تحديد الضوابط التي مَنْ تقيَّد والتزم بها دخل في عداد الموحدين وجرت عليه أحكام الإسلام. فهناك رأي ينتهي إلى القول بكفر المسلمين جميعاً إلا من ارتضى عقيدتهم وقبل قولهم.

ومن الواضح البيِّن أن بقاء هذا التباين بين النظرتين يزيد من تنامي ظاهرة الإرهاب ويوسع من دائرتها أكثر مما عليه اليوم، خصوصاً وأن هذا التباين لم يبقَ حبيس المجامع العلمية وغرف البحث والمناظرة، بل تعدى ذلك إلى المواجهة الشاملة، فمن يقول بكفر الآخر وارتداده يبيح لنفسه استخدام كل الوسائل الإعلامية والتربوية وغيرها في سبيل التعبئة والتجييش وصولاً إلى الاستمالة والتأثير أو الاستئصال.

ثالثاً: المقاومة

المقاومة حق مشروع كفلته جميع الديانات السماوية والقوانين الوضعية، فلا يمكن لأحد أن يعترض على مقاوم إذا وجَّه سهامه ضد المغتصب والمحتل، ولا أعتقد أن أحداً يمكن له أن يناقش في مشروعيته في أي مكان فما دام هناك قوة احتلال وغصب فوجود المقاومة من الأمور الطبيعية. ولكن النقاش يكمن في جدوائية المقاومة المسلحة، وحدود المقاومة ولونها.

هذه النقاط يمكن أن يكون الاتفاق عليها طريقاً نهتدي من خلاله إلى أسباب الإرهاب والاحتراب، والسبيل للخروج من هذا الكابوس الذي لم يوفر أحداً إلا وأصابه بنيرانه حتى من بذر بذوره وأمده بالمال والامكانات السياسية والاعلامية. فهل نفكر ونتفاكر فنهتدي إلى اقتلاع الإرهاب من جذوره، أم ماذا؟

--------------

* عالم دين من السعودية


ارسل لصديق