«إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً»
كتبه: سماحة العلامة الشيخ محمد حسن الحبيب
حرر في: 2012/08/15
القراءات: 1245

«وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ» (سورة المؤمنون /آية 52-54).  
الأمة الإسلامية صاغتها يد الوحي وأرست قواعدها رسل السماء وألفت بين أبنائها قيم الدين فأصبحت خير أمة أخرجت للناس. والمنتمون إلى هذه الأمة نزعوا الجبت والطاغوت والشرك والرذيلة والظلم والعدوان من داخلهم وارتبطوا بحبل الله المتين فكانت تلك الأمة التي لا زلنا نشعر بالفخر والاعتزاز بالانتماء إليها ولا زلنا نفاخر الأمم بمنجزاتها على صعيد الإنسان وتقدمه وحضارته.
وأبناء هذه الأمة آمنوا بالإسلام فكرا وعقيدة ومنهجا وأخضعوا دوائر الإنتماء الأخرى إلى ضوابط المنهج الذي آمنوا به، فأصبح التسابق والتنافس في فعل الخير والتمسك بالتقوى بعيداً عن التمايز على أساس العرق واللون واللغة والقبيلة والقوة والجاه وغيرها. قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
ومن خلال ذلك كان أبناء الأمة بناة حضارة، وكانوا مشعل هداية للبشرية جمعاء. ولكن إشكالا قد حصل، أبعدهم عمّا هم فيه، وعمّا كانوا عليه، وهذا الإشكال يمكن تلخيصه بكلمة: (الظلم).
ولكي نقف على هذا الإشكال ينبغي أن نعي أن التفرّق والتمزّق الذي ابتليت به الأمة، يعود في الغالب إلى اضطراب في العلاقة بينها وبين قيمها الجامعة، و بينها وبين مراكز القوى فيها، وينعكس ذلك على العلاقة بين سائر أبنائها.
وإذا دققنا النظر في الآثار المترتبة على الظلم، نجده سبباً أساساً في تمزيق الأمة وتفريقها وتقطيع أوصالها، وما الثورات والانتفاضات التي قامت ضد الحاكمين على مرّ التاريخ إلا صرخة في وجه الحاكم الظالم غالباً ومقاومة له، ومن الطبيعي أن يسفر عن التصادم بين الحاكم والمحكوم المزيد من التباعد والتباغض والتمزق والتفرق.
ولهذا انبرى الصالحون من أبناء هذه الأمة وفي مقدمتهم أهل البيت عليهم السلام والصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم لتصحيح الاعوجاج الصادر من الحكام، وبذلوا كل غالٍ ونفيسٍ لمنع الظلم ورفعه من واقع الأمة، وبغض النظر عن الإخفاقات والنجاحات في هذا المضمار، إلا أنهم، ووفقاً لقيم الدين الحنيف الجامع لهذه الأمة، أدَّوا ما عليهم من مسؤولية تجاه دينهم وأمتهم، وتستمر قافلة المصلحين في مقاومة ما يفتت ويمزق الأمة، وما الدعوات التي تصدر من المصلحين لرفع الظلم والحيف عن الناس إلا طلباً لوحدة الأمة وتماسكها بالعودة إلى الدين الجامع. وما اتهامهم بتمزيق وحدة الصف وشقّ عصا المسلمين وغيرها من الأوصاف مثل «الانفصاليين» و «المخربين»، إلا مجانبة للحقيقة و إمعان أكثر فأكثر في ممارسة الظلم، مما يعني المزيد من التشرذم والتفرق.
وهنا نتوقف قليلا ونحن نعيش آخر جمعة من شهر شعبان المعظم والتي خصصت للتضامن مع شهدائنا الأبرار وعلمائنا الأخيار المعتقلين وفي مقدمتهم الشيخ القائد نمر النمر والشيخ توفيق العامر، وسائر المعتقلين من أبناء هذا المجتمع المنسيين وغيرهم، لندفع عنهم بعض الأباطيل التي يسوقها بعض «المثقفين» والإعلاميين، حيث تلصق بهؤلاء وخصوصاً شيخنا القائد النمر، تهمة الدعوة إلى تمزيق المجتمع وبث الفتنة والفرقة بين أبنائه..!
ومع أن هذا القول يجانب الحق والصواب والواقع إلا أننا نؤكد على الآتي:
أولا: على مر الأزمان تعرضت الدعوة إلى الإصلاح إلى مثل هذه التهم الرخيصة، فالامام الحسين عليه السلام، سليل الرسالة الخالدة والذي أعلنها صراحة: «لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، واجهوه بمثل ذلك وأسموه خارجياً، وراحوا يطوفون بعيالاته في البلدان على أنهم أسارى وخوارج..!
ثانيا: علينا أن نستمع إلى دعوات الاصلاح بعقل منفتح وصدر رحب ونستجيب لها لأن في الاستجابة خير البلاد والعباد وفوزاً بالدنيا والآخرة، ولنعلم أننا في هذه الدنيا نمر ونرحل وحين نرحل لا نحمل إلا ما قدمت أيدينا من الأعمال الحسنة والقبيحة.
ثالثا: الشيخ القائد النمر ملتزم بمنهج القرآن الكريم الداعي إلى أمة واحدة ومن يتابع أقواله وأفعاله يعي بأنه يسير على سيرة أسلافه من العلماء الذي قدموا كل غال ونفيس من أجل وحدة الأمة وضحوا بكل مالديهم وبأنفسهم من أجل رفع الحيف والظلم والتمزق والتفرق عن هذه الأمة المرحومة.


ارسل لصديق