الجذور التاريخية - الثقافية للحركة الرسالية في السودان
(1- 3)
كتبه: عبد القادر الفضل
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 1395

نقوش الذاكرة الأولى:

لم يكن الصدام العنيف الذي حدث على تخوم بلاد النوبة في منتصف اربعينيات القرن الرابع عشر الهجري إلا تعبيراً سياسياً للحضارة الإسلامية الفتية الواقعة على أبواب أفريقيا السمراء، والتي كانت - أفريقية – قد استنفدت مخزونها الروحي المسيحي الهيليني وبانت عطشى لخلاص قادم ليس على وقع سنابك الخيول الواقعة خلف الجنادل، ولكن عبر موجات الهجرات السلمية، وقوافل التجار والعلماء الهاربين من المراكز الحضرية الإسلامية حاملين معهم معاني التسامح في الدعوة الجديدة[1].

ولا غرو فقد كان أغلب الوافدين من العلماء الذين وجدوا في الأرض الممتدة الشاسعة فضاءً رحباً لارواحهم الهائمة في ملكوت الخالق، حاملين قيم الزهد والشدة على النفس والجسد والمحبة والإخاء في الله، مع الحضّ على نبذ (الانا) ولذاتها والأخذ بالقليل من الضرورات التي تقيم الأود على فلسفة (لك الساعة التي أنت فيها والثانية أنت غريب). ولذلك عملوا على افناء الفرد في الجماعة والتي قامت في الماضي على التسليم الكامل لقيم القبيلة والعشيرة، هذه النقلة قادت بالتدريج الى ازدياد النفوذ الصوفي على حساب الزعماء المحليين (طوعاً واختياراً).

كانت التربية الروحية التي عمادها الايثار ونكران الذات وإعلاء قيم التضامن، هي التي وسمت البذرة الأولى لشجرة المفاهيم والقيم الاجتماعية التي شكلت وعي الطلائع الأولى، واصبحت سمة أساسية للحراك الاجتماعي العام الذي أطر لمفاهيم قيمة الفرد في المجتمع، بالمقابل تم تطويع نزعات التفرد والذاتية، وتذويبها فى إرادة الجماعة، فاليد الواحدة لا تصفق... يقول المثل السوداني: (أيد على أيد تجدع بعيد). ظلت اليد الواحدة لا تصفق الا مع اياد كثيرة ظلت مغلولة أسيرة الظروف التي شكلت وعي الطليعة الأولى، ومن ناحية أخرى كانت الموارد الطبيعية ذات مردود اقتصادي متدن لضعف وبدائية وسائل الانتاج ولم يكن من السهل الاعتماد عليها لاستيفاء حاجات المجتمع، والذي تحاصره صحراء شاسعة ممتدة من شاطئ النيل إلى مجاهيل لا يستطيع وعيه التكهن بمآلاتها.

شكلت العناصر الإسلامية الصوفية القلقة أو الطريدة، أو ذوات النظر البعيد بتداخلها وتمازجها مع النظام السياسي - العشائري قدراً من السلام والتماسك الاجتماعي، استفاد النظام العشائري في إخفاء مشروعية دينية لسطته لمدة تزيد عن خمسة قرون، كما مكنها من أن تربي طوائف من المجتمع على بعض معاني الدين وآدابه، وإن كانت صبغت وجدانه بعالم الكرامات والأحلام ومجالس الاقطاب والأرواح، فضاعت بذلك فرصة عظيمة للتأسيس والبقاء الحضاري.

ولم تقو مؤسسات العلم ولم ترسخ أركان النظام الإسلامي في أي من جوانبه – السياسي أو الاقتصادي أو العسكري – فكان ذلك مدعاة للتدخل الأجنبي سنة 1821م، ثم كرد فعل داخلي على الشطح الصوفي والوجود الاجنبي، نشط الاصوليون والفقهاء الذين كان ارتباطهم بالقرآن والفقه أكثر من التزامهم بالطريقة أو انقيادهم للقبيلة، وصار هؤلاء ولكن على شكل مجموعات صغيرة وغير منتظمة، دعاة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الزعامات القبلية والانحرافات الصوفية والنفوذ الاجنبي، وقد تمكنوا أخيراً سنة 1885م تحت قيادة محمد أحمد المهدي - الصوفي المتمرد والفقيه التطهيري – أن يحدث ثورة كبرى تهتز لها أقطار العالم الإسلامي والأوربي. ولكن هذه الثورة الشعبية الرائدة التي ارتبطت بالاسلام وبفكرة المهدي تحديداً بوصفها النموذج الأمثل لخلاص الامة، و حينما أريد لها أن تتحول إلى دولة، اعترضتها العراقيل، وكان أولها، العجز الداخلي في تحويل الزخم الثوري الى علاقات بناء مؤسسي، وفي تحويل الثوار التطهيريين الى مخططين وتنفيذيين يقومون بإعادة تركيب الواقع الاجتماعي مع المثال الديني، وكان ثاني العراقيل، العناصر الداخلة المتواطئة مع القوى الاجنبية والمتناصرة بها[2].

كان التدخل الاستعماري البريطاني عسكرياً في السودان عام 1899م أهم اسباب وعوامل إقصاء التدين من الحياة العامة، وتكريس الحالة اللادينية في المجتمع، لتكون حاجزاً مستمراً أمام حركة المد الإسلامي المستنير مما أدى الى استبعاد الجمهور العريض المتدين من مواقع النفوذ السياسي وحصرته في بيئته التقليدية الساذجة وسدت أمامه منفذ الخروج، فاتحة الباب للنخب ذات الثقافة الغربية للسيطرة على مؤسسات الدولة، فيما ظلت الكيانات التقليدية (طريقة، قبيلة، طائفة) أسيرة لظروف بنيوية وتاريخية وفكرية غير قادرة على مجابهة التحديات الحضارية والعقائدية التي تأخذ بخناق المجتمع.

الحركة الرسالية مؤثرات وعوامل تاريخية في السودان:

امتدت الدولة الفاطمية من مصر حتى تونس والشام الى ليبيا والجزائر والمغرب ولكن ليس بشكل مباشر وإنما عن طريق أمراء أهل السنة وكانوا تابعين للدولة الفاطمية بشكل سياسي لا عقدي، وكان للدولة الفاطمية نفوذ قوي في شمال السودان عبر إمارة الكنوز - بني عامر 909-1771م الذين يعود أصلهم الى عرب ربيعة، وقد تزاوجوا بدرجة متفاوتة بالنوبيين الأصليين وأصبحوا ثنائي اللسان. وقد بدأت قصة الكنوز مع استقرار فرع من قبيلة ربيعة حول اسوان في منطقة (عيذاب) بجنوب الصحراء الشرقية المعروفة ببلدة المعدن، وأسس عرب جهينة إمارة قوية في اسوان وحولها وهي إمارة (الكنوز) وقد اتخذوا من أسوان عاصمة لهم، وكان أحد أمرائها هو أبو المكارم بن يحيى بن محمد بن علي، والذي قبض على أحد المتمردين ضد الدولة الفاطمية، المسمى بـ (أبي ركوة)، والذي يعتقد أنه من بقايا الأمويين فانعم عليه الخليفة الفاطمي بلقب (كنز الدولة) والذي أصبح لقب حكام الإمارة وعرفت الإمارة وشعبها بالكنوز.

ظل الكنوز موالين للخلافة الفاطمية حتى بعد إعلان (صلاح الدين الأيوبي ) سقوطها وقاموا بثورات في عهده، بمساندة الجنود من الفرقة السودانية الفاطمية، والذين سبق لهم القيام بثورة في القاهرة من أجل إعادة الخلافة لأصحابها، ونجح صلاح الدين في قمعهم ثم نفاهم الى جنوب مصر في منطقة (اخميم) فانضمت الفرقة السودانية الى الأمير (كنز الدولة) وظلوا مصدر قلق دائم للدولة الأيوبية الى أن أرسل (صلاح الدين ) أخاه أبابكر محمد 570 هجرية لقتالهم، وانتهت المعركة بهزيمة الكنوز وكانت آخر ثورات الفاطميين[3].

حافظ المجتمع السوداني بدرجة متفاوتة على الادب والقيم السامية التي ورثها من جراء التأثير الثقافي للدولة الفاطمية التي لم تكن تعنى بالدرجة الأولى عقديا باطرافها، ربما يفسر ذلك تدريس الفاطميين المذهب الشيعي الى جانب المذاهب الأخرى في الجامع الأزهر، الذي فتح الباب واسعا للطلاب الوافدين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، مما أسهم في نشر بعض من علوم وآداب مدرسة النبوة وآل بيته.

ان المتأمل للظروف التاريخية التي أحاطت بحركة الولاء (لآل البيت) ومؤثراته في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، يلاحظ بجلاء في اشواق الوجدان السوداني للنبي المعصوم ولآل بيته المطهرين في فن المديح النبوي في السودان الذي يمتاز بخصائص نادرة في سرده لسيرة الإمام علي (عليه السلام) و ولاية علمه الرباني، وفي تخيل السيدة الزهراء عليها السلام وأئمة آل البيت عليهم السلام يضيق المجال لتفصيله.

وحركة المجاهد محمد أحمد المهدي (1885- 1889م) وهي حركة ثورية تظهر في أدبياتها ونشاطها السياسي والاجتماعي ملامح فكرية وعقدية لا يمكن ردها للتربية السلوكية والفكرية والصوفية، وذلك لطبيعة و روح الصوفي الذي يدعو الى الانعزال والتعويض عن واجبات الجهاد والاصلاح بالجلوس في الزوايا والمساجد و ترديد ذكر الله وتقديم النصائح الخلقية للناس[4].




الحركة الرسالىة ولادة جديدة

فتح انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م بقيادة الإمام الخميني الراحل، الطريق لاتصال الموروث الشيعي المفعم بالمحبة والولاء الفطري لآل البيت النبوي بمدرسة الأئمة الاطهار (عليهم السلام)، وامتد شعاع الفكر الرسالي المرتبط بأهل البيت عليهم السلام بتفاصيله، عبر تلاميذ علماء مدرسة اهل البيت العاملين ليربط واقع الامة بذلك النبع الصافي، وعلى رأس هؤلاء سماحة المرجع المجدد آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، الذي تفاعل بفكره وجهده مع قضايا الامة الاسلامية، وهو في بلاد المهجر، فقد استقبل قيادات الحركات الاسلامية من بلاد عديدة، حطت برحالها في مكتبه وأجوائه للاستزادة من رؤاه الحضارية. ومن بين اولئك بعض كوادر الحركة الاسلامية في السودان. كما كان لحوزة الامام القائم عجل الله فرجه، والتي أنشئت بمبادرة و رعاية منه، ووفقاً لرؤيته الفكرية والثقافية والتي احتضنت من ابناء السودان عدداً لا بأس به، كما كان لتلاميذه الذين ابتعثهم للسودان دور بارز لدفع الحراك الثقافي والفكري هناك. اضافة إلى كل ذلك كان تحرك بعض علماء المسلمين كسماحة العلامة السيد علي البدري (قدس سره) دور في تعميق الولاء لاهل البيت عليهم السلام والارتباط بمدرستهم الرسالية، تلا كل ذلك جهود الطلاب السودانيين الذين تأثروا بالمعتقد الإمامي وارتبطوا بالفكر الرسالى وحملوه الى بلدهم، أبرزهم السيد عبدالمنعم مؤلف كتاب (بنور فاطمة اهتديت)، والشيخ معتصم سيد أحمد صاحب كتاب (الحقيقة الضائعة)،و (نظرية المعرفة في فكر السيد المدرسي) و (الأستاذ متوكل) وآخرون كُثر[5].

 



[1]. مقال للكاتب جريدة رأي الشعب 2007م

 [2]. المشروع الإسلامي في السودان – تجاني عبدالقادر

[3]. موقع ويكيبديا

[4]. العرفان الإسلامي بين بصائر الوحي المرجع المدرسي

[5]. موقع مركز ابحاث العقائد


ارسل لصديق