الجذور التاريخية - الثقافية للحركة الرسالية في السودان (2-3)
طلائع الفجر الجديد
كتبه: عبد القادر الفضل
حرر في: 2012/07/12
القراءات: 1371
من الثابت ان الدولة الفاطمية في شمال السودان تركت اثراً كبيراً في الحالة الدينية، صحيح ان هنالك غياباً تاماً تام للفقه والعلوم الدينية، ولكن الصحيح ايضاً انها أثرت إلى وقتنا الحاضر في القيم الفاضلة والثقافة العامة. ويجدر بنا أن نشير إلى بعض عادات اهل القرى النائية في اقصى الشمال ذات الجذور النوبية، التي تحيي ذكرى عاشوراء، كعادة إجتماعية، ففي ليلة عاشوراء تُنصب الخيام، وتشعل النيران على شكل معسكرين، ويلتحم الطرفان على هيئة الحرب ويتقاتلان بحبال (الالس)(1) بدلاً من السيوف، ويمنع الاطفال من ورود النهر وشرب الماء في اثناء تلك المعركة الوهمية... لكن يبقى هذا الأثر الثقافي بدون خلفية فقهية وتاريخيةوبحاجة إلى كثير من التحليل والاستقصاء للظروف التي أحاطت بمنشئه، والعوامل التي جعلته بعيداً عن منابعه العقدية.

النقلة الثورية

بالعودة إلى حركة الفقيه محمد احمد المهدي المولود بجزيرة «لبب» بشمال السودان في أربعينات القرن الثامن عشر، فقد أثرت هذه الخلفية الثقافية وغيرها من آثار السيرة النبوية الشريفة التي تتداول عند العامة مستصحبة أثر السلطة الثقافية للدولة الفاطمية والأحاجي الشعبية التي تروى للأطفال، وتتسرب من خلال السرد لصورة ابطال قاوموا الظلم والطغيان، وموصوفين بالحكمة والذكاء، والدفاع عن المظلومين. وهكذا تُحيل حكاية «فاطمة السمحة والغول» في الخيال الشعبي إلى مظان العزاء للنفس،لحفظ القيم الإيجابية والحضّ على التربية الأخلاقية للنشء بتوظيف الرموز لإحالتها الى ماضي الأسلاف.

بالعودة للمؤثرات الاخلاقيةوالثقافية للمنطقة، يمكننا دون كثير عناء، الوصول إلى ملاحظات هامة لتلك الحركة المهدوية في السودان، والتي سحقت دولتها الجيوش الإنجليزية في العام 1899م.
ومن الغريب ان يرد المؤرخون الثورة المهدوية وفكرها إلى الطرق الصوفية - راجع السيد المدرسي في تحليله لسايكلوجية التصوف– فالمهدوية التي يصفها حيدر إبراهيم بقوله: «يمكن إعتبار عقيدة الجهاد في المهدية مفتاح كل مغاليق الفكر المهدوي، وفهم السلوك السياسي للدولة المهدية، فالجهاد هو الفكرة المحورية لنشر وتكريس الدعوى المهدية، وقد حاولت المهدوية صياغة فلسفة حياتية ورؤية للعالم ترتكز على الزهد في الدنيا واحتقارها، وعدم التمسك بها، والشوق للموت كأقصر طريق للقاء الله، وسعت الدولة المهدوية إلى جعل السودانيين يجيدون صناعة الموت»(2).
تتضح اهمية هذه النقلة الثورية في نفسية المجتمع السوداني بمقارنته بالسلبية والانهزامية التي كرستها دولة ما قبل الثورة، والتي تمتد جذورها وآثارها بعيداً حتى السلطنة الزرقاء (الطبقات)، فقد ترجم المؤرخ محمد بن ضيف الله لـ (175) فقيهاً صوفياً كانوا على صلة ورضا بملوك السلطنة، او على اقل تقدير لم يصطدموا بالسلطة القائمة. 
شجع ملوك السلطنة هؤلاء الفقهاء ومنحوهم الاراضي الواسعة والهبات والعطاءات، إضافة إلى الشفاعة في قضائهم مقابل أن يكرسوا السلطة، بإشاعة الهزيمة النفسية في المجتمع، بنشر الخرافات والأساطير في إحالة كل ازماته واسئلة الحياة إلى تجربة سريالية مأساوية. 

التصوف وظلام الجهل

كانت الحياة العلمية في الحضيض، فيما الجهل والفقر ينشبان اظافرهما في جسد المجتمع، في ظلام هذه الخزعبلات التي تكرس للجهل والتخلف الحضاري، كان (حجازي)(3)... هكذا ترجم له المؤرخ محمد ضيف الله: «كان طبيباً ماهراً كأنه ابن سينا في حكمته، وشاعراً حاذقاً، كأنه (كعب بن زهير) في شعره، وله معرفة بالخط كأنه (ابن مقلة) في خطه، ويعرف جميع الأقلام العبرانية والسريانية واليونانية، وله معرفة بصناعة الكيمياء كأنه (جابر) في صناعته، وله معرفة بعلم الحروف والزايرج، يدرك بها الامور المستقبلية، كأنه (جعفر الصادق) في اخباره...»!

يبدو ان حجازي كان شمعة في ظلام الخواء الفكري وضحالة الحصيلة الفقهية التي كانت تعتبر من درس مختصر قليل في الفقه والرسالة القشرية عالماً جهبذا.. ولكن ايدي السلطان التي كانت ترعى مملكة الاساطير لن تبقي مثل حجازي الذي توفي في حبس الملك ناصر العبدلابي جوعاً وعطشاً.
وهكذا؛ سيطر التصور الصوفي وفلسفته، على السودان لأكثر من ثلاثة قرون، حيث السلطة المستبدة وشبح الموت الذي يحلق في سماء المملكة التي لم تكن لها السيطرة الكاملة على اراضيها، حيث قطاع الطرق والحروب القبلية،ولا مركزية نظام الحكم، وكان من السهل الخروج على ملوك السلطنة. هذا الجو المشبع بالدماء هو الذي أفضى الى أسطرة الواقع وجعله اساساً لتفسير العالم. بعد هذا المناخ الفكري المضطرب، والعقد المشوش الذي ساد لأكثر من ثلاثة قرون، كانت الثورة المهدوية - يقول حيدر إبراهيم- «في البحث عن اسانيد فكرة المهدية يجد الصادق في الصوفية الممتزجة مع التشيع اقوى الأدلة على حجته» (4).
شكلت هذه الجذور البعيدة، المؤثرات التي تحتاج للاستقصاء وتحليل البذرة الخصبة للولادة الجديدة، والمعافاة للحركة الرسالية التي انطلقت من الحوزات المباركة التي كانت لحوزة القائم عليه السلام قصب السبق في هذه المسيرة.

* مدير مركز دراسات الفكر 

الرسالي /الخرطوم - السودان

-------------------

1. حبل غليظ مصنوع من سعف النخيل يستخدم لربط أجزاء الساقية في شمال السودان 
2. التجديد عند الصادق المهدي الاشكالات والاختلالات / د. حيدر إبراهيم / دار الحضارة للنشر / منشورات مركز الدراسات السودانية / ص 111
3. الطبقات / مصدر سابق / ص35
4. التجديد عند الصادق الاشكالات والاختلالات / مصدر سابق / ص 70

ارسل لصديق