الجذور التاريخية - الثقافية للحركة الرسالية في السودان (3-3)
التدين الشعبي والانحراف الأموي
كتبه: عبد القادر الفضل
حرر في: 2012/08/16
القراءات: 1459

يقع السودان في طرف الأرض الإسلامية، مما جعل تدينه الشعبي متأثراً ومستدعياً للثقافات المغايرة. فالبعد الجغرافي والعزلة النسبية والمساحة الواسعة، اضافة إلى تأثره بالاتجاهات الباطنية، أوجد مرتعاً خصباً لهذه الثقافات في الأطراف النائية، إذ سيطرت العناصر الموسومة بالتصوف على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية، فضلاً عن العقدية، الى جانب العناصر الأموية الفارة من بطش العباسيين والمتمترسة في خلف الأفكار والعقائد التي تجافي أصل العقيدة الصحيحة، وقد وجدت ضالتها في فسيفساء التدين الشعبي المحاصر بعقائد وثنية مندثرة ومسيحية موغلة في التاريخ البعيد، التي وجدت في التأويل الباطني إسناداً عملياً يدعو الى الانعزال والتعويض عن تحمل مسؤولية الجهاد و الاصلاح بالجلوس في زوايا المساجد وترديد ذكر الله، وتقديم النصائح الاخلاقية للناس (1). 
يبدو أن هذا التيار كان الغالب في ذلك الزمان حسب أقدم مخطوطة وصلتنا عن تلك الحقبة، وهي كتاب: «طبقات ود ضيف الله 1139هـ/1224هـ» والذي وضعه على غرار (الطبقات الكبرى) للصوفي الشعراني، والكتاب يضج بالشطحات والاساطير والافكار الشاذة التي لا تتفق مع الذوق السليم، فضلا عن العقيدة الصحيحة والشريعة الإسلامية السمحاء.


* الأمويون.. بداية تصفية العلماء

يقول المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في (العرفان الاسلامي): «إن السلطات الأموية كانت تحارب علماء الإسلام في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي طليعتهم الأئمة المعصومون عليهم السلام، وابرز شاهد على ذلك المجزرة الرهيبة التي ارتكبتها لدى اندلاع انتفاضة قام بها الفقهاء من أبناء صحابة رسول الله والتابعين، فبعد الجريمة النكراء التي ارتكبها في واقعة الطف بقتله الامام الحسين سبط النبي الاكرم وسبي نسائه، جند يزيد بن معاوية جيشاً كبيراً إلى المدينة، وأوكل القيادة لشخص معروف بالبطش والدموية يدعى (مسلم بن عقبة)، على رأس عشرة آلاف جندي، فقتل من قتل، وأمر يزيد باستباحة المدينة المنورة ثلاثة أيام، فيما يُعرف بـ (واقعة الحرة)، ويضيف السيد المدرسي: «.. واعتبار حاجة كل سلطة سياسية الى خلفية ثقافية، فقد استنجد الأمويون بالنصارى، أبتداءً من معاوية..».
ويبدو أن العناصر الأموية القادمة من شمال أفريقيا بعد سقوط الاندلس سنة 1499م، قد أعملت بالقادمين من الجزيرة العربية وساهموا بشكل رئيس في تأسيس مملكة «سنار» سنة 1505م التي كانت تعرف بمملكة «الفونج» أو السلطنة الزرقاء، والتي تعد أول دولة عربية إسلامية قامت في السودان بعد انتشار الإسلام، جاء ذلك نتيجة الوجود العربي والتصاهر بين العرب و «النوبة»، والذين اهتموا - حسب المؤرخين- بالعلم، حيث أقاموا «رواق سنارية» بالأزهر في القاهرة، وأنشأ أحدهم ويدعى الأحمر وقفاً بالمدينة المنورة لاستقبال الزوار من مملكته عند زيارتهم للاراضي المقدسة، ولا يزال جزءاً من هذه الأوقاف السودانية قائمة حتى الآن.
 تقول الروايات السودانية عن أصل «الفونج» الذين أسسوا مملكة «سنار» أو «سلطنة الفونج»، والتي حكمت ثلاثة قرون، وأثرت تأثيراً بالغاً في الثقافة السودانية، انها تميل الى أن «الفونج» ينحدرون من سلالة بني أمية، خاصة الذين نجوا من مطاردة العباسيين بعد أن أفِل نجم دولتهم. وتقول هذه الرواية أن أجداد الفونج دخلوا السودان عن طريق الحبشة، وتشير هذه الرواية الى وثيقة تعود الى الربع الأول من القرن السابع عشر، بعثها السلطان الفونجي محمد بادي أو بادي سيد القوم، الى بني أمية القاطنين دار دنقلا، وتوضح الوثيقة الى أصل السلطان الفونجي وتعزو نسبه الى الأمويين.
وهنالك من نسب أصلهم الى سلالة العمريين من خلف عمر بن سليمان بن عبد الملك، الخليفة الأموي والذي هرب من الشام الى الحبشة عن طريق البحر الأحمر، الذي لم يكن ذا مسافة بعيدة يفصل بين شواطئه العربية والأفريقية، إذ لم يكن يزيد عرض البحر آنذاك على المائة وعشرين ميلاً، وليس من الصعب اجتيازه بالسفن، وفي الجنوب، يضيق لدرجة كبيرة عند «بوغاز» او باب المندب، إذ لا يزيد عن عشرة أميال.
فمن طريق الحبشة وصل الامويون الى السودان خوفاً من بطش العباسيين، وتزوج عمر بن سليمان الأموي وانجب داود و أنس، ويذكر السمرقندي رواية أخرى تقول: أن نسل داود و أنس تكاثروا في السودان حتى أصبح من العسير التفريق بينهم وبين السودانيين.


* الافكار الغنوصية بديلاً عن الاسلام

ولا ينبغي هنا، فصل الآثار الثقافية التي خلفها الأمويون إبان تسلطهم على الأمة الإسلامية، عن المؤثرات الثقافية والفكرية الأخرى من موروث الأمم السابقة، والتي تضافرت لحرف الأمة عن العقيدة الصحيحة وعن منهج الأئمة عليهم السلام. ومقدار الانحراف يتناسب طردياً مع سطوتهم على مقدرات الأمة الإسلامية، ومن المناسب هنا الاستشهاد بالانحرافات الصوفية التي تقترب الى حد بعيد بـ (الغنوصية) التي تدعي أن غايتها الوصول الى الله سبحانه وتعالى عن طريق الإشراق الباطني وطريق الحدس والعاطفة والخيال(2).
ضيع التحالف الأموي – الفونجي على حركة الإسلام في السودان، فرصة النهل من علوم  جهابذة العلماء من مدرسة آل البيت عليهم السلام في العلوم الكبيرة، مثال الفضل بن شاذان، والشكال، و هشام بن الحكم، فكانوا بعيدين عن المدارس العلمية الراقية مثل جامعة الكوفة ومدرسة قم والحلة وغيرها من الحواضر العلمية العريقة والكبيرة، وغاب عنهم علوم القرآن وتفسيره الصحيح، الذي حمله علماء وفقهاء آل البيت، ومن ثم غاب عنهم منهج التفسير الترتيبي والموضوعي - على سبيل المثال لا الحصر-.
و علينا أن لا نندهش للغنوصية التي وسمت الحالة الفكرية والثقافية للتدين الشعبي في فترة التحالف الأموي – الفونجي، فقد كان أبو سفيان أول غنوصي عُرف بين المسلمين. يقول سماحة السيد المرجع المدرسي : لكأن الأمر عاد الى معاوية بن أبي سفيان (4)، ولم يكن المسلمون بعد قد تناسوا أباه هذا الغنوصي القائم، والوثني المجوسي الذي لم يؤمن أبدا، وسرعان ما أطلقوا على معاوية الطليق بن الطليق، والوثني بن الوثني، ومهما قيل في معاوية ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السنة من وضعه في صف صحابة رسول الله، فان الرجل لم يؤمن أبداً بالاسلام، وقد كان يحقد على الإسلام كثيراً وكان حفيد أبي سفيان خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان أول أمير عربي شجع ترجمة الكتب الأجنبية.
-------------------
1/ سماحة السيد المدرسي/ العرفان الإسلامي بين نظرية البشر  وبصائر الوحي
2/ حسن حنفي   تطور الفكر الديني في أوربا الأسس والتطبيقات / ص 21 
3/ سماحة السيد المدرسي/ المصدر السابق. 

بالامكان مراجعة كتاب «الطبقات» في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان لمحمد ضيف الله بن محمد الجعلي الفضلي، طبعة المكتبة الثقافية / بيروت – لبنان،  تحقيق: الشيخ إبراهيم صديق أحمد القاضي 1929م لدراسة الحالة الفكرية والثقافية لتلك الحقبة.


ارسل لصديق