رؤية شمولية الى الدين تضعنا في طريق التقدم
كتبه: كرار عبد الحسين
حرر في: 2014/05/11
القراءات: 748

لكي نستفيد أكثر فأكثر من تعاليم ديننا الحنيف، لابد ان نكوّن في أذهاننا تصوّراً شاملاً لهذا الدين، وتلك التعاليم، فاذا ما حصلنا على هذه النظرة الشمولية في الاسلام، وهذه البصيرة التفاعلية الى مجموع الدين، سوف نتقيد بتعاليمه بشكل أعمق وأكثر وعياً، لاننا نعلم أن المجموع سيظل ناقصاً بفقدان أي جزء منه.

وبناء على ذلك؛ فان خللاً بسيطاً في أي عمل من اعمالنا العبادية ربما يؤدي الى انهيار عباداتنا كلها، او عدم قبولها من قبل الخالق تبارك وتعالى، فكلمة عابرة يُستغاب بها شخص ما، فان صاحب هذه الكلمة ربما يخسر صلاته وصيامه، فلا يحصل من صيامه إلا على الجوع والعطش، ولن تكون صلاته إلا حركات بدنية.. فعلينا ان لا نستهين بهذه الكلمة إذ مَثَلها كمثل قطرة دم تسقط في حوض ماء الورد فتجعله نجساً مهما كان حجمه.

روي عن جابر بن عبد الله الانصاري، عن الامام الباقر، عليه السلام، قال: «أتاه رجل فقال: وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ قال، عليه السلام: لا تأكله. فقال الرجل: الفأرة أهون عليّ من أن اترك طعامي من أجلها.. فقال، عليه السلام: إنك لم تستخفّ بالفأرة وإنما استخففت بدينك».

وهكذا؛ قد يؤدي ذنب صغير كالعجب، والكبر، والاستهزاء بالآخرين، وإفشاء اسرار الناس، الى ضياع عمر من العمل الصالح، وعلى العكس من ذلك، فقد تؤدي كلمة طيبة او نصيحة مخلصة، او عمل انساني صادق، الى محو صحيفة سوداء كبيرة من الاعمال السيئة.

و روي في هذا المجال عن الحسن بن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن (الكاظم)، عليه السلام، يقول: «إن رجلاً في بني اسرائيل عبد الله اربعين سنة، ثم قرّب قرباناً فلم يقبل منه، فقال لنفسه: وما أوتيت إلا منك، وما الذنب إلا لك. قال: فأوحى الله تبارك وتعالى اليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك اربعين سنة».

 

* دراسة جديدة للدين

من هنا؛ علينا ان ندرس الدين دراسة جديدة، كما ندرس تعاليمه من خلال الحِكم، والاهداف والغايات المرجوّة منها، والتي جُعلت لكل واحدة من فرائض الدين، ولكل مفردة من التعاليم، وأن ننظر اليه بشكل عام وشمولي، فنحن انما نريد من الدين ان يحملنا الى المجد في الدنيا، والعظمة، والرقي، والتطور، ونريد منه في الآخرة ان يكون جسراً للوصول بنا الى الجنّة.

فاذا توفرت لدينا هكذا نظرة شمولية الى التعاليم الاجتماعية، سوف نحصل على المفهوم الصحيح للحضارة، هذا المفهوم الذي يمكننا ان نستقيه من القرآن الكريم، وخصوصاً من «سورة المائدة» التي تمثل - بالحقيقة- سورة الحضارة الاسلامية، والحكم الاسلامي، و هي السورة التي تبين لنا بوضوح الأسس المتكاملة للمدنية الالهية في الأرض، كما تبين من جهة اخرى صفات الجاهلية بكل أبعادها.

ولو تدبرنا في هذه السورة الكريمة، سنحصل بالتأكيد على آفاق جديدة من المعرفة وعلم الحضارات. ويجدر بالقول هنا: ان سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- اشار في تفسير هذه السورة الى انها تتحدث عن معالم المجتمع الاسلامي الذي لم يتوصل الى التصور الشمولي لهذه السورة، وهذا يعني اننا لم نصل بعد الى مثل هذا التصور الشمولي فيما يتعلق بالمجتمع الاسلامي ، فنحن لا نعرف بالضبط - مثلاً- لماذا حرّم الله الغيبة والتهمة والنميمة؟ ولماذا فرض علينا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ولماذا أمرنا بالتواصي والتحابب، وقول الكلمة الطيبة، والتشجيع على عمل الخير؟ نحن ننظر الى كل واحدة من هذه المفردات الاخلاقية، بشكل منفصل، دون ان نحاول ايجاد الربط بينها بخيط واحد لكي نرى صورة المجتمع الاسلامي المتكامل، ثم نحصل على مجموعة القوانين والسنن الالهية التي يجب ان تحكم المجتمع.

هذه الظاهرة هي مشكلة المسلمين في جميع المجالات، أي مشكلة الفكر المتخلّف الذي لا يصل بين مفردة وأخرى، والذي لم يستطع بعد أن يتوصل الى الاسلوب الامثل لفهم الآيات القرآنية، فنحن نقرأ كل آية لوحدها دون أن نطرح على انفسنا السؤال التالي: ما هي صلة هذه  الآية بما سبقها من الآيات الأخرى، وبماذا تهتم هذه السورة؟ وما هو إطارها العام؟ الى درجة أن بعض العلماء ما يزالون يطرحون التساؤل التالي: هل هناك ارتباط وعلاقة بين الآيات القرآنية في السورة الواحدة؟!

وتوجد في علم الفقه، نفس هذه المشكلة.. فمن المعروف عند الفقهاء أن هناك مجموعة كبيرة من التعاليم التي تصبّ كلها في خانة واحدة، وهي خانة الصلاة، وبناءً على ذلك فان القبلة، والوضوء، والتطهّر، والمكان المباح، والنية، وغيرها من الواجبات والأركان كلها تشكل وحدة واحدة نطلق عليها اسم «الصلاة»، ولكن هل نعلم أنه ما ذكر الصلاة في القرآن الكريم، إلا وذكرت معها الزكاة.. فلماذا - إذن- نربط بين قراءة سورة الحمد في الصلاة وبين الركوع، ولا نربط بين الصلاة والزكاة؟ مع أن القرآن ذكرهما معاً؟

وعلى هذا؛ فلابد من أن نكوّن في أذهاننا تصوّراً شاملاً للصلاة والزكاة معاً، ولجميع العبادات بشكل عام، وكذلك الحال بالنسبة الى الجانب التربوي، والاجتماعي ، والاقتصادي.

واذا ما تعمقنا في التعاليم الخاصة بالمجتمع الاسلامي نجد أن هذه المجموعة من التعاليم ينتظر منها تحقيق أهداف كثيرة، منها؛ أن يكون المجتمع متماسكاً أكثر فأكثر، فهنالك العديد من الفرائض والتعاليم والمستحبات تشكل وحدة واحدة تدعونا الى المزيد من التعاون والتكافل.

إن القرآن الكريم يأمرنا ببناء الأسرة، لأنها تمثل الوحدة الاجتماعية الاولى في صرح المجتمع الاسلامي، وبعد الأسرة يأمرنا بصلة الرحم والاهتمام بالجار والفقراء والمستضعفين والايتام، ويأمرنا باحترام الذين نتعلم منهم والتواضع لمن نعلّمهم، وبالنهاية؛ يأمرنا بمجموعة من التعاليم يجمعها الامام زين العابدين، عليه السلام، في رسالته المعروفة بـ «رسالة الحقوق».

وبناءً على ذلك، نحن لسنا بحاجة الى عملية ترميم فقط، إنما بحاجة الى بناء صرح جديد في كل الحقول والمجالات. فتعاليم الاسلام  موجودة اليوم بيننا، كما كانت كذلك في عهد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، لكن شتّان بين تطبيقنا لهذه التعاليم، وبين تطبيق أصحاب النبي في تلك الفترة.

 

* نشر الكلمة الطيبة

لقد قدم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، المدينة التي كانت لحين مجيئه قرية موبوءة، متخلفة، تعيش في ظل النزاعات القبلية الدامية، ولكن ما أن وطئت قدماه المباركتان هذه الأرض، حتى دبّ فيها النشاط والحيوية، واذا بمجتمع هذه القرية يصبح حيوياً، واذا بالزراعة تنشط، وحركة التجارة والاقتصاد تنطلق الى الامام، وخلال سنين معدودة تحولت تلك القرية البسيطة الى المدينة المنورة التي أطلقت شعاع الحضارة الى أرجاء العالم، وحتى اليوم فاننا نقتبس من نور حضارة تلك المدينة المباركة التي بناها رسول الله، صلى الله عليه وآله.

إذن؛ الاسلام، دين النشاط والحيوية، ومن أهم تعاليمه في هذا المجال، نشر الكلمة الطيبة، فان رأى الواحد منّا، عملاً حسناً وايجابياً من صاحبه، عليه أن يشجعه ويقف الى جانبه، سواء بالموقف او بالكلمة الطيبة، لأن هذه الكلمة - رغم بساطتها- من شأنها ان تترك تأثيراً بالغاً في نفسية هذا الانسان، الى درجة تجعله يندفع الى العمل بصورة مذهلة.

اما المجتمع المتخلف، فعلى العكس تماماً، ترى الكلمات السلبية المثبّطة منتشرة بين اوساطه، فاذا ألف شخصاً كتاباً ونشره، قالوا: إنك نشرته رياءً..! أو يقولون: ومن يقرأ..؟! وإن صعد الخطيب المنبر، تراهم يبحثون في كلماته عن النقائص والعيوب لينشروها بين الناس، ففي بعض الاحيان لا يرى أحدنا الفضيلة والخير، والعمل الصالح الذي يقوم به شخص ما، بل تراه ينظر الى السلبيات والاخطاء فقط، وهذه الظاهرة ناجمة من جلوس أولئك المثيرين للسلبيات في زاوية من الزوايا المظلمة ليكتفوا بالحديث ضد العاملين في سبيل الله، فهم لم يعملوا لكي يفهموا معنى العمل، ولكي يعرفوا كيف يواجه العاملون التحديات والصعوبات والظروف المعاكسة، بل أن قصارى جهدهم أن يسلطوا الاضواء على الاخطاء والسلبيات - إن وجدت - وبسبب هذه الروح السلبية نرى عدد العاملين ينقص يوماً بعد آخر.

هذا في حين يدعونا القرآن الكريم:

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (سورة ابراهيم /24)، فالاسلام يوصينا بنشر الكلمة الطيبة، ويأمرنا بالتواصي بعمل الخير، وإشاعة الحسنة، وينهانا عن إشاعة الفاحشة. وكل ذلك ليكون المجتمع حيوياً ومتفاعلاً، ولكي يتحول الى مجتمع حضاري يبني صرح الحضارة الشامخ من خلال التحلّي بأخلاقيات المجتمع المتحضّر الذي ينظر الى الامور بنظرة شمولية وليست تجزيئية.


ارسل لصديق