السلفية بين التطرف وتوظيف النصّ الديني
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2015/08/26
القراءات: 926

لم تكن ظاهرة التطرف حديثة العهد بل هي- كما نعتقد- قديمة، قدم الانسان، باستثناء النبي آدم، عليه السلام. وهناك إشارات كثيرة وواضحة تدل على ذلك منها؛ الشواهد التاريخية والآيات القرآنية. وقد مارس الانسان التطرف تجاه جميع المخلوقات لاسيما تجاه اخيه الانسان. وما جاء في القرآن الكريم من تصوير فني رائع لرمزية الصراع بين بني البشر، من خلال عرضه لقصة أولاد آدم، عليه السلام، وما جرى على احدهما من قبل أخيه الذي اعطى الحق لنفسه في قتل اخيه، لأن الله -جل وعلا- لم يتقبل قربانه وتقبل قربان أخيه.

وكذا هو الحال عند من يتطرف، فإنه لا يرى للحق مكاناً عند غيره، بل لا يرى الله إلا حيث يرى ويفعل ويقول هو، مع ان الانبياء، عليهم السلام، وخاتمهم نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، كان يحاور المشركين ويسمع لقولهم ويجادلهم بالتي هي أحسن، وهو في أحسن ظروفه السياسية، وفي غاية كماله الانساني الذي افاضه الله عليه.

وما نريد ان نتوقف عنده ونتابعه بنظرة خاطفة سريعة هي؛ الدوغمائية (التعصب الفكري) السلفية التي تعتمد على سطحية الخطاب، وخطاب التسطيح، منذ نشأتها حيث كانت اكبر اعداء العقل و أعزّ اصدقاء الجهل.

كانت بداية ظاهرة التطرف في التاريخ الاسلامي لا «الانساني»، عند حركة الخوارج التي برزت من خلال توظيفها للنص الديني (الآيات القرآنية)، توظيفا مصلحياً مشوهاً، خالياً من الرؤية العقلية المستقلة المستضيئة بنور العقل والهداية الالهية، حيث أنها رغم تعاهد افرادها للعبادة وقراءة القرآن، ولكنهم كما عبر عنهم، صلى الله عليه وآله: «يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون اليه».(1) وقد تبلورت حركتهم المعارضة للخلافة الشرعية تزامناً مع قبولهم للتحكيم ورفعهم شعار «لا حكم الا لله»، مصرّين من خلال حركة سطحية خالية من العقل على فرض عملية التحكيم والرجوع الى القرآن. ورغم تأييدهم اكذوبة ابن العاص وخدعته، وإصرارهم على قبول الامام علي، عليه السلام، التحكيم، بل وإجباره على ذلك، فانهم قالوا بأن تحكيم الرجال في دين الله، من المحرمات، ومن الكبائر التي وجبت التوبة على من قام بها أو قبلها الى الله، و إلا فهو في جهنم وساءت مصيراً!

 ولكي يغسلوا عار الذنب عنهم فقد تابوا منه بغسلهم ببولهم! اذ قاموا و اعلنوا عن قائمة المذنبين الذين عليهم ان يتوبوا، وإلا فهم كفار، حتى وان كان فيهم، علي بن ابي طالب، عليه السلام، الذي عدّه القرآن نفس رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأخبر النبي، صلى الله عليه وآله، عنه أنه ميزان الحق، وليت شعري، أي ذنب اكبر من ذلك!

ورغم ان الخوارج هم اول من مارسوا التكفير بصورة واضحة، ولكننا نعتقد ان التكفير لم يتم منهجه ووضع اسسه بهذا الشكل الموجود الآن، إلا عند المذهب الحنبلي، ابتداءً عند امام هذا المذهب، احمد بن حنبل، ونزولا عند ابن تيمية وانتهاءً عند مؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب.

 

 احمد بن حنبل:

لم يكن احمد بن حنبل، يُعرف عند العلماء على انه من الفقهاء، من امثال؛ مالك، و أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم، بل كانوا يعدونه من المحدّثين الذين يميلون للأخذ بالرواية اكثر من العقل، «وقد كانت الرواية هي حياته وشغله الشاغل، وحيثما توجه الرواية كان يتوجه وعَدّ الاخذ بالرواية الضعيفة خيراً من استخدام العقل واللجوء للرأي. وقد اختلف مع الكثير من العلماء من الفرق الاسلامية حول هذه المسألة، وبنى على ذلك الاختلاف احكامه عليهم، فكان يرى؛ ان من يقول بخلق القرآن فهو كافر، مع ان المسألة هي ليست من الاصول الاعتقادية التي يجب الايمان بها، ولأنه كان يرى ان «الخير والشر بقدر، والزنا والسرقة بقدر، وشرب الخمر بقدر. وان الخير والشر مكتوبان على العباد».(2) «وان زنى العبد فبقدر الله، وان سرق فبقدر الله»(3)، وحكم على القدرية» وهم اغلب مذاهب الامة عدا السلفية والاشاعرة» بانهم كفار، لانهم كانوا يرون ان المعاصي هي ليست بقدر الله، وإنما هي من فعل العبد.

ولم يتورع حتى في التكفير المعين، فقد سُئل عن العديد من العلماء في عصره وحكم عليهم بالكفر لاختلافهم في بعض المسائل معه.

ولم يكن أتباع ابن حنبل اقل تطرفاً منه، بل ان بعضهم كان أشدّ تطرفاً وقسوة، امثال ابنه عبد الله، واللالكائي، وابن بطّة، والحسن البربهاري وغيرهم.

 

 ابن تيمية:

ويُعد ابن تيمية، امام المتطرفين، فقد ورث فكر ونهج الحنابلة ومعتقداتهم، وعمل على بعثها من جديد، بعد ان اصبح المذهب الحنبلي اقل المذاهب شأنا. وقد اصطدم بفكره هذا، مع علماء عصره، بل حتى مع عامة الناس، كما حدث في مصر عندما ذهب الى هناك ووجد ان الناس يتباركون بالذهاب الى زيارة السيدة نفيسة أو مقام رأس الحسين، عليه السلام، فاخذ بالقول على السيدة نفيسة، فأعرضوا عنه، وثار عليه فقهاء مصر وأفتوا بقتله، إلا ان السلطان عارضهم ولم يوافقهم.

ومما يؤخذ على ابن تيمية انه كان في عصر سلاطين المماليك، الذين عرف عصرهم بالظلم والاستبداد والفساد، إلا انه لم يعلن حربه عليهم، بل وجه سهام التكفير والتفرقة الى المسلمين المخالفين لفكره ومعتقداته، و اطلق عليهم اسم «اهل البدع»، «واصحاب العقائد الفاسدة».

وكان لفقهاء عصره ردود فعل، فقد طالب بعضهم بقطع لسانه، ومنهم من طالب بنفيه، ومنهم من طالب بقتله، لأنه كان طويل اللسان وكثير السبّ لمخالفيه، ولم يسلم من لسانه احد، حتى «سيبويه»، ذلك العالم النحوي. وقد أُعلنت عليه الحرب بعد «فتوى الحموية»، وعقدت له جلسات انتهت بحبسه بمدينة الاسكندرية.

وحضر الى دمشق فتكلموا معه في مسألة الزيارة، وقوله بتحريم زيارة قبر الرسول، صلى الله عليه وآله، وكتبوا في ذلك الى مصر، فورد مرسوم باعتقاله في القلعة، فلم يزل بها الى ان مات فيها سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. (4)

 

 الوهابية واختيارهم ابن تيمية «القدوة»

ولم تظهر افكار ابن تيمية بعد موته، إلا بعد ان جاءت الحركة الوهابية بزعامة محمد بن عبد الوهاب، ولكن لماذا اختار الوهابيون ابن تيمية، وركزوا عليه وعَدّوه «شيخ الاسلام»، من دون بقية فقهاء السنة؟ لذلك عدة اسباب اهمها: ان صورته، كصورة ابن حنبل، وان محمد بن عبد الوهاب لم يكن صاحب فقه أو مؤهلات دعوية، او مقومات شخصية تجعله يعتمد على ذاته، كما أن الوهابيين، بحكم الكثير من الظروف «أهمها الجغرافية»، يتميزون بغلظة في السلوك وقساوة في القلوب، والعدوانية والبدوية. ولهذه الاسباب وغيرها، مالوا الى ابن تيمية.

حيث شكل ابن تيمية بمواقفه المتطرفة وفتاواه الشاذة نموذجاً جاذباً لمحمد بن عبد الوهاب. ولم يكن ابن تيمية شخصية متزنة، بل كان مصاباً بجنون العظمة حتى ان تلميذه «الذهبي»، قال واصفاً شخصيته: «تعتريه حدّة في البحث وشظف للخصم، تزرع له عداوة في النفوس، وانه حاد في حواراته، عصبي، يظن ان الحق معه، ويسخر من الخصم ولا يحترمه، والناس في نظره جهال».(5)

 

 محمد بن عبد الوهاب:

يُعد محمد بن عبد الوهاب، من اكثر الشخصيات تطرفاً، ويعده اتباعه أنه من اعاد نهج السلف الصالح من المسلمين الاوائل، وهو الذي وضع افكار الحنابلة وابن تيمية موضع التطبيق، فهم حكموا على الكثير من المسلمين بالكفر، ولكن ابن عبد الوهاب، لم يكتف بتكفير المسلمين، بل جهّز الجيوش لقتالهم، حتى وان كانوا عزّلاً او نساء او اطفالاً، كما فعل اتباعه في كربلاء المقدسة، حينما أغاروا عليها وقتلوا أكثر من ألف انسان بريء في يوم واحد، ونهبوا ضريح الامام الحسين، عليه السلام، واخذوا ما وجدوا في خزانته من النفائس، حتى ان مؤرخيهم حينما يمرون على تلك الحادثة يعدونها موضع فخر لهم.

وقد تحالف مع ما يُسمى بـ "أمير الدرعية" محمد بن سعود، وبايعه تحت شعار الدم بالدم، والهدم بالهدم، وهي نفس الكلمة التي قالها النبي، صلى الله عليه وآله، للأنصار بعد بيعة العقبة الثانية، وكأنه يريد ان يقول ان كل هؤلاء هم كفار، كما كان الكفار ايام رسول الله، صلى الله عليه وآله.

وهكذا، حكم ابن عبد الوهاب على جميع المسلمين، بالكفر، إلا من آمن بفكره، ولذلك قد استباح دماءهم واعراضهم.

وعدّ التوســـل بالصالحـــين، كـــفراً وشركاً بالله يستتاب صاحبه منه، وان لم يتب يُقتل، وان من يزور القبور فهـــو كـــافر لانه يعتقد بان اصحابهـــا يقربونه الى الله، وعدّ المســـلمين اكثر شركـــاً من الكفار في زمن النبي، صلى الله عليه وآله، حيث قال: «اعلم ان المشـــركين في زماننا قـــد زادوا على الكـــفار في زمن النبي، صلى الله عليه وآله، بانهـــم يدعـــون الملائكـــة والاولياء الصالحـــين ويريدون شفاعتهم والتقرب اليهم».

وتستند «السلفية الجهادية» في الوقت الحاضر، في افكارها، وحكمها على الناس بالكفر الصريح وانهم مشركون، ووجوب قتالهم وجواز اخذ اموالهم واستباحة اعراضهم على فكر هؤلاء الثلاثة، وتعدها مرجعيتها الفكرية والفقهية، مدعين انهم يسعون لإقامة «الخلافة الاسلامية»، و «الحاكمية الالهية»!

* باحث وأكاديمي

-----------

1- مجمع الزوائد،ج6 ،ص228.

2- الدكتور عبد الاله الاحمدي، المسائل والرسائل المروية عن الامام احمد في العقيدة، ج1-ص149.

3- نفس المصدر، ج1- ص150.

4- ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في اعيان المائة الثامنة، ترجمة ابن تيمية، ج1- ص144.

5- انظر تاريخ الاسلام، ترجمة ابن تيمية.


ارسل لصديق