التطرف أسبابه وآليات الحدّ منه
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 140

على الرغم من محاولة الإعلام العالمي تصوير الإرهاب والتطرف الفكري على أنه جزء من المنظومة الدينية الاسلامية، ولصق جميع مظاهر السلوك المتطرف بالاسلام والحركات الاسلامية، لكنه يبقى واضحا لدى الكثير من الباحثين حتى غير المسلمين أنَ التطرف الفكري هو ظاهرة بشرية ظهرت مع وجود الانسان، ولعل أدلّ دليل على ذلك؛ المحاورة التي جرت بين ابني آدم، عليه السلام، وما تبعها من أحداث اتسمت بالتطرف السلوكي الذي أدى الى قتل الاخ لأخيه.

وحين متابعة تأريخ الاديان نجد أن هذه الظاهرة حاضرة في الأديان الأخرى بشكل واضح، وفي العديد من المدد الزمنية وأماكن تواجدها، وهي حاضرة زمانيا ومكانيا على المستويين الفكري والسلوكي، ولا يستغرب القارئ الكريم إذا أخبرته أنه الى الآن توجد هناك من الحركات والمذاهب الفكرية غير الاسلامية التي تعد اكثر تطرفا من الحركات الاسلامية المتطرفة التي يكثر الحديث عنها في وسائل.

وهذا ما أكده المفكر الفرنسي، روجيه غارودي، إذ يرى أنَّ التطرف الديني والعقائدي في الغرب هو الأم لحركات التطرف التي تنسب نفسها للإسلام، وعلى الرغم من أنَّ الكاتبة المستشرقة، كارين آرمسترونغ، ترى أنَّ إحدى أكثر التطورات اذهالا في أواخر القرن العشرين، ظهور قوى مسلحة تعرف بالأصولية داخل كل تراث ديني رئيسي، لكنها لا تنفي وجودها قبل هذه المدة الزمنية من جهة، ومن جهة اخرى فهي تؤكد على أن ظاهرة الاصولية المتطرفة لم تقتصر على دين دون آخر إذ ترى: «إنًّ النزعة الأصولية ليست حكرا على الاديان التوحيدية الكبيرة فحسب، بل هناك نزعات اصولية بوذية وهندوسية وحتى كونفشيوسية، وإنَّ هذه النزعات تنحّي جانبا الكثير من الرؤى في الثقافة الليبرالية التي اكتسبت عبر سبل مؤلمة، فنجدها تحارب وتقتل باسم الدين، وتسعى الى جلب المقدس لداخل علم السياسة والصراع القومي».

وهناك الكثير من الأمثلة التي تشهد على ان التطرف كظاهرة، غير مرتبطة بالمذاهب الاسلامية فقط، بل هي ظاهرة تكاد تكون عامة، إذ هي صناعة بشرية وجدت مع وجود الانسان.

 

 مفهوم التطرف لغةً واصطلاحاً

ومن خلال معرفة المفهوم اللغوي للتطرف نستطيع ان نتعرف على الاسباب التي أسهمت في وجود التطرف كظاهرة، ولو على المستوى القريب، هذا من جهة؛ ومن جهةٍ أخرى، لوضع التصورات حول الحلول الناجعة للحد من ظاهرة التطرف.

وردت لفظة التطرف من الناحية اللغوية من الطرف، أي الناحية أو منتهى كل شيء، وجاء في القاموس المحيط، ومجمع البحرين أنَّ الطرف هو الطائفة من الشيء، وطرفت الناقة: رعت اطراف المرعى، ولم تختلط بالنوق، ومن ذلك قوله تعالى: {طرفي النهار} أوله وأخره، والتطرف تناظر كلمة الغلو التي تعني تجاوز الحد، وهي من «غلا» بمعنى؛ زاد، وارتفع، وجاوز الحد، ويستخدم التطرف اصطلاحاً في مقابل مفهوم الاعتدال، من العدل، والوسطية، من الوسط، واذا كان مصطلح التطرف لم يرد لا في القرآن ولا في السنة، فإن جذره اللغوي استخدم عدة مرات مثل: طرف، وطرفي، وأطرافها. وقد استعمله بعض العلماء بمعنى الوقوف في طرف الشيء والخروج فيه عن حد التوسط والاعتدال، وهو سوء الفهم للنصوص الذي يؤدي الى التشدد.

 

 العلل والدوافع نحو التطرف

جميع المؤشرات تشير الى أنَّ التطرف لفظ نسبي مرتبط بمخالفة الخط العام السوي والذي تحدده التقاليد والاعراف والمعايير القانونية والدينية السائدة في المجتمع، مما يجعله مفهوماً محل اختلاف بين المجتمعات، أما من الناحية الدينية فهو الخروج عن المألوف عقائديا المصحوب بالغلو المظهري الشكلي في الدين والتعصب لرأي واحد أو استنتاج خاطئ، والمبالغة في السلوك الناتج عن هذا التعصب أو التطرف في الفكر، ومن نماذج التطرف السلوكي في التاريخ الاسلامي الحادثة التي ذكرها المؤرخون ومجملها أنَّ ثلاثة من المسلمين الأوائل مروا على بيوت أزواج النبي، صلى الله عليه وآله، وسألوا عن عبادته، فلما أخبروا، استقلوا عبادتهم، فقالوا أين نحن من عبادة رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقد غفر له ذنبه! فقرر أحدهم ان يصلي الليل ابداً، والثاني أن يصوم الدهر أبداً ولا يفطر، والثالث أن يعتزل النساء ولا يتزوج أبداً، فجاء رسول الله إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». وكذلك السلوك الفكري والعملي المتطرف الذي اتخذه الخوارج مع قضية التحكيم التي حدثت أيام الامام علي، عليه السلام.  

ولذلك؛ فالتطرف العملي العنيف يكون نتيجةً وانعكاساً لثلاث علل:

1- علة التشبّع بالتطرف الفكري والإصغاء للذات، ومن ثم انكار ان يكون لدى الآخر المختلف ما يستحق الاصغاء اليه، كما يمنع كليا من الأخذ عنه ولا حتى القبول بوجوده.

2- علة الاعتقاد بانعدام، أو في الاقل عدم جدية ولا جدوى، الفرص والوسائل السلمية المتاحة للمتطرف للتعبير عن أفكاره وتحقيق اهدافه.

3- علّة تعرض المتطرف للعنف ابتداءً، بما يدفعه دفعاً للعنف المضاد انتهاءً، أو بما يدفعه دفعا واضطراراً للتطرف والتخلّي عن الاعتدال اولاً ثم للعنف انتهاءً على غير رغبة منه.

 

 أسباب التطرف ووسائل الحد من التطرف الفكري والسلوكي

ويمكننا القول إنَّ معرفة الأسباب التي تؤدي الى التطرف سوف تقودنا في النهاية الى معالجة - على الأقل - التطرف السلوكي والحد منه، وهناك عدة أسباب ومسببات كانت وراء التطرف لاسيما في مجتمعنا الاسلامي عموماً والعربي على وجهٍ أخص، ويمكن إجمالها بالآتي:

أولاً: قيم البداوة وتأثيرها في التطرف الانساني

وتعد ظاهرة البداوة هي الأبرز والاكثر اهمية من بين الأسباب المختلفة، وهذا ما أشار اليه القرآن الكريم حينما بين لنا ان الاعراب هم أشد كفراً ونفاقاً:

{ألْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، (سورة التوبة: 97).

والسؤال الذي يفرض نفسه، ما العلاقة بين البداوة وبين التطرف؟

وللجواب على ذلك: اننا حينما نقف على القيم البدوية، وشخصية البدوي، نستطيع ان نفهم ذلك، إذ ان الشخصية بوجهٍ عام هي صنيعة الثقافة المجتمعية، ومن ثمَّ فان الشخصية تتبلور في حدود القالب الذي صنعته الثقافة الاجتماعية، وتمثل نزعة التغالب طابعاً عاماً للثقافة البدوية، فالبدوي يحب من صميم قلبه أن يكون غالباً لا مغلوبا، ومن هنا نفهم الثنائية التي وجدت في المجتمع، والتي كانت وراء التطرف عند الانسان، إذ انه ليس المشكلة في الاعتراف بالثنائية، بل المشكلة تكمن في طرح هذه الثنائية بالمعنى التفاضلي، كون الخير يكمن في طرف، و الشر في طرفٍ آخر، ولذا ينبغي للحد من التطرف أن تشاع روح المواطنة بين الناس وأن يكون معيار التفاضل هو مقدار الخدمات التي يقدمها المواطن، وهذه الصفة هي إحدى الاسباب النفسية التي تؤدي الى السلوك المتطرف، لذا تشير معظم الدراسات حول الشخصيات ذات الفكر أو السلوك المتطرف أنهم كانوا يعانون من أمراض نفسية كانت وراء هذا السلوك.

ثانياً: الأسباب العقائدية والفكرية

إنَّ تعارض الرؤى والعقيدة بين الأطراف المتنازعة يكون سبباً في كثير من الاحيان لنشوء العنف، فبعض العقائد تنفي مشروعية الفكر الآخر، بل ويتعدى ذلك النفي الى إلغاء الآخر بالقوة، كونه يتعارض مع رؤاه وعقائده التي يشعر معتنقوها بان من واجبهم التبشير بها حتى ولو كان بالقوة، لأنها حسب اعتقادهم هي الحق المطلق، وأن عملهم هو الصواب، ولذا ينبغي، للحد من هذه الظاهرة، أن يكون هناك عدة إجراءات منها:

الإهتمام بالمناهج الدراسية فلا ينبغي للطالب خصوصا، وهو في بداية عمره، ان يتغذى على الافكار المتطرفة التي تكون مساعدة فيما بعد على تقبل الافكار المتطرفة فكراً وسلوكاً، إضافة الى ذلك ينبغي ان تأخذ وسائل الاعلام دورها في بيان خطورة الافكار المتطرفة، كما ينبغي لرجال الفكر وعلماء الدين أن يكونوا أكثر جدية في محاربة هذه الافكار وإشاعة روح المحبة والتسامح التي دعا لها النبي، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته والخلص من أصحابه.

ثالثا: الأسباب الاقتصادية

يعد الاقتصاد بتقلباته وما يلحقها من تغيرات مؤثرة في المجتمعات الفقيرة من الأسباب الخطيرة المحركة لموجات الإرهاب والتطرف في العالم، إذ إنه ينبغي أن تتضافر جهود المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني للعمل على تقليل حالات الفقر في المجتمع، لأنَّ الفقر هو أحد أكثر الاسباب التي تؤثر في السلوك بنحوٍ سلبي.

رابعاً: الأسباب السياسية

إنَّ إحدى مميزات الدول الحضارية والمستقرة أمنياً واقتصادياً وسياسياً هي الدول التي تمتاز بالمشاركة السياسية لجميع أفراد الشعب، وعلى العكس من ذلك فإن عدم المشاركة السياسية واستئثار مجموع معينة بالسلطة تخلق ردود فعل شعبية عادة ما تكون نتائجها مضرة بالوضع العام وكما أكد المرجع السيد محمد تقي المدرسي أكثر من مرة في خطاباته، على أنَّ تنامي الإرهاب وشيوع ظاهرة التطرف في العالم نتيجة لـ»الضعف السياسي»، و»تعرض الجماهير للحرمان»، ومؤكداً على أنَّ العالم «سيدفع ثمناً باهظاً لتجاهل هذه الأسباب».

وفي الختام لابد من إيجاد العديد من الدراسات التي تعمل على كشف جميع الأسباب المؤدية الى نشوء الفكر المتطرف والحد منه قبل ان يتحول الى سلوك متطرف يهلك الحرث والنسل.


ارسل لصديق