مفهوم الانقـــلاب في المنظور القرآني ... رؤية في الأبعاد السيكولوجية
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2017/01/03
القراءات: 553

شخصية النبي محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، شخصية إلهية وليس من السهل معرفته بشكل كامل، وخير شاهدٍ على ذلك هو الموروث السيري (نسبة الى السيرة) والحديثي (نسبة الى الحديث الشريف)، إذ إنه جاء في الحديث المشهور عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «يا علي لا يعرف الله الا أنا وأنت ولا يعرفني الا الله وأنت ولا يعرفك الا الله وأنا»، وعلى الرغم من هذه النتيجة التي جاءت سريعة فإنه لابد من قراءته، صلى الله عليه وآله، وهي تختلف عن القراءة عنه، إذ إنَّ غاية كتب السيرة - في الغالب -؛ أنْ تبين السيرة الذاتية من حيث المسار الزمني التراتبي بعيداً عن الاهتمام بالجوانب السلوكية والمعرفية والخوض في تفاصيلها، وقد كتبت مؤخراً العديد من المقالات التي تهتم بهذا النوع من السيرة.

وقد تعددت مظاهر السلوك في سيرة النبي الأكرم، إذ كان نبياً توعوياً وسياسياً واجتماعياً، واقتصادياً، وأخلاقياً، وتربوياً بارزاً في جميع هذه المظاهر، ولكن ابرز صفاته التي أشار اليها القرآن الكريم، المنهجية التربوية المتمثلة في السلوك الأخلاقي، والتي ترجمت المكنونات الروحية في داخل النفس، واصفاً تلك النفس القدسية على أنها ﴿وَ... خُلُقٍ عَظِيمٍ، (سورة القلم: 4)، ومبيناً بأنه {وَ... رَحْمَـةً لِّلْعَـالَـمِـينَ}، (سورة الأنبياء: 107)، على الرغم من أن هناك الكثير من الصفات التي كان من الممكن أن يشير اليها في شخصه الكريم.

 

 المنهج الأخلاقي المميز

ولابد من التأكيد على أن هذا السلوك الأخلاقي لم يكن صادراً منه لجهة ضعفه، بل العكس من ذلك، إذ إنَّ هذا السلوك جاء نتيجة قوته، مثبتاً في سلوكه هذا أنَّ الأخلاق تنبع من الذات الإنسانية، وأن البشر متفقون جميعاً بحكم العقل على أبجديات الأخلاق وليس كما يرى السفسطائيون، أنَّ الأخلاق تختلف من مجتمع الى مجتمع، ومن زمن الى زمن، فالخير عند الناس في الشرق هو شر عند الآخرين في الغرب، وكذلك العدل فإنه يكون عدلاً في مجتمعٍ ما وجوراً في آخر، وأن الأخلاق ليس لها علاقة بالدين والعقل، ولو كانت كذلك لكانت على نسقٍ واحد(1).

ولا كما يدعي الفيلسوف الألماني (نيتشة) أن الأقوياء خلقوا ليحكموا الضعفاء، وولد الضعفاء ليخدعوا الأقوياء، ولما ضاقت الارض على المعذبين والبائسين لجأوا الى هذه الحيلة، وابتدعوا كلمة الأخلاق، وحسن السلوك بالعدل، والمساواة، وان يحب الانسان لأخيه ما يحب لنفسه - كما جاء في العديد من الروايات - عسى أن يتعظ الأقوياء، ليعطي لنا تصوراً أن الأخلاق لا أساس لها من الواقع وأنها حيلة المغلوبين(2)، بينما نلاحظ في العديد من مواقفه، صلى الله عليه وآله، وسلوكه الذي هو في غاية الكمال، لم تكن الأخلاق يوم كان مغلوباً، بل كانت يوم كان منتصراً كما فعل مع المشركين يوم فتح مكة حينما قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»(3).

وبهذا السلوك الإنساني أثبت النبي قبل اكثر من الف وأربعمائة عام أن فلسفة الأخلاق عند الغرب ماهي الا نظريات غير صالحة للاستهلاك البشري، ولا للاستهلاك المعرفي، إذ كان قوياً يوم ظهر منه معظم هذا السلوك الرباني.

 

 الانقلاب على الإيمان بالله!

ولا يستغرب القارئ الكريم من هذه المقدمة الطويلة متصوراً أنها جاءت خارجة عن موضوع المقال، بل هي في صلب الموضوع، لأن القرآن الكريم حينما تحدث عن الانقلاب الحاصل خلال معركة أحد وهزيمة البعض الى أماكن بعيدة جداً، على أنه تصرف عملي ناتج عن ضعف الوازع الإيماني من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة حب الدنيا والتعلق بها على حساب الإيمان بالآخرة. إذ جاء في القرآن الكريم، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}، (سورة أل عمران: 144)، وقد ذكر المفسرون أسباب نزول هذه الآية، أنَّ هناك صيحة ارتفعت في معركة أُحد من قبل المشركين أن محمداً قد قتل، وكان الدافع منها إضعاف عقيدة المسلمين بالله - سبحانه وتعالى - من جهة، وبنبيه وبرسالته من جهةٍ أخرى، وكان لانتشار هذا الخبر أثره الإيجابي في معنويات المشركين، بقدر ما ترك من الأثر في نفوس المسلمين، إذ تزعزعت روحيتهم وزلزلوا زلزالاً شديداً، واضطرب جمعٌ كبير من الجيش الإسلامي، وأسرعوا في الخروج من ميدان القتال، بل وفكر بعضهم أن يرتد عن الإسلام بمقتل النبي ويطلب الأمان من قريش، وثبت القليل منهم كالإمام علي، عليه السلام، و(مصعب بن عمير) الذي قتل في المعركة، وغيرهما(4).

ولكن هذا الانقلاب إن دل على شيء، فهو يدل على ضعف إيمان وارتباط هؤلاء الذين فكروا بالارتداد، او الذين حاولوا أن يعلنوا خروجهم من الجيش الإسلامي بطلبهم الأمان من أقطاب المشركين، بعقيدة التوحيد، أي بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، إذ إنَّ الأنبياء لم يدعوا الناس لان يرتبطوا بشخصهم، بل إنَّ عبادة الشخصية وتقديس الفرد أمرٌ مرفوض، لان الارتباط بالنبي لازمه أن يؤدي للارتباط بالله جل وعلا، فحتى لو غاب النبي عن الأعين فأن الله حاضرٌ في كل زمان ومكان(5)، وضعف الإيمان هو الذي يؤدي الى الانقلاب. فالمشكلة تنبع من عدم استقرار الإيمان في القلب، فكيف يصل الإيمان الى القلب؟ وكيف تنفتح أبواب القلب وكيف تنمو شجرة الإيمان بالقلب؟

لأن الإيمان ممكن أن يستقر في القلب وممكن أن يكون مستودعاً، وهو الذي يقول عنه الله تبارك وتعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}، (سورة إبراهيم، آية: 27).

والذي يتزعزع ولا يثبت هو ذلك الذي يكون مستودعاً، وقد وصف القرآن الكريم ذلك الإيمان بقوله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}، (سورة التوبة، آية: 109).

ولذا يقول الإمام الصادق، عليه السلام: «إن المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل بالمعاول والمؤمن لا يستقل دينه بشيء»، وفي روايةٍ أخرى: «إنَّ المؤمن أشد من زبر الحديد، إنَّ زبر الحديد إذا دخل النار تغير، وإنَّ المؤمن لو قتل ثم نشر، ثم قتل لم يتغير قلبه».

إضافة الى ضعف الإيمان فإن هناك سبباً آخر وهو حب الدنيا والذي يتولد عادة من ضعف الإيمان، يقول الامام الحسين، عليه السلام، واصفاً حالة التراجع والانقلاب في جميع المنظومة القيمية في ذلك الوقت: «الناس عبيد الدنيا والدين لعقٌ على السنتهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون» كما جرى مع الزبير، وبلعم بن باعورا، وعلي بن أبي حمزة البطائني وغيرهم الكثير(6).

والرؤية المفاهيمية للقرآن الكريم تستدعي أن ننظر الى الانقلاب على أنه لا يقتصر على الجانب السياسي، ليتم حصره في عدم المبايعة لأهل البيت، عليهم السلام، وإن كان هو أحد صور الانقلاب، ولأن الانقلاب يأتي نتيجة ضعف الإيمان والتعلق بالدنيا على حساب الآخرة، فإن ذلك المفهوم ممكن تصوره في عدم خضوع المجتمعات الاسلامية للأحكام الالهية، والابتعاد عن تطبيق الشريعة على المستوى المنظومي بتعدد صورها الاعتقادية، والعبادية، والأخلاقية، والحُكمية، والقيمية.

---------------

* باحث أكاديمي

---------------

1- محمد جواد مغنية/ فلسفة الأخلاق في الإسلام/ ص 30.

2- المصدر السابق، ص32.

3- باقر شريف القرشي/ موسوعة سيرة أهل البيت/ ج2/ ط2 / ص 334.

4- ناصر مكارم الشيرازي/ تفسير الأمثل/ ج2/ ط1/ ص 452.

5- السيد محمد تقي المدرسي/ من هدى القرآن/ ج1/ ط2/ ص466.

6- عبد الوهاب الكاشي/ الطريق الى منبر الحسين عليه السلام/ ج1/ ص 39- 42.


ارسل لصديق