نسائمُ رمضانية
كتبه: زهراء حكمت
حرر في: 2017/06/05
القراءات: 143

كلنا يعلم أنّ شهر رمضان، هو موسم التجارة الرابحة مع الله - عز وجل - فالأجر فيه مضاعف، وأبواب الرحمة مفتوحة، وأبواب النار مغلقة، وشياطين الأرض مصفّدة، كلّ ذلك لتوفير كل الفرص لتحقيق أكبر كسب للإنسان الصائم في سُلّم التكامل والوصول الى رضوان الله - جل وعلا -.

ويدخل العديد من الأطفال شهر رمضان الكريم، بالحماس نفسه الذي يستقبل به الكبار أيامه العطرة، فيداعب خيالهم الصوم، على الرغم من مشقته على الذين لم يصلوا للسن التي تؤهلهم للقيام بهذه المهمة التي تحتاج إلى قوة جسمانية وطاقة بدنية لإتمام هذا الركن الأصيل من أركان الإسلام، وفي ذروة هذه الرغبة التي يتمثل فيها الصغار بالكبار، يحاول بعض الآباء إبداء المرونة مع أطفالهم في أول تجربة للصيام من أجل أن يدربوهم شيئاً فشيئاً على هذه الفريضة العظيمة.

ومن أوائل الاسئلة التي يطرحها الابن او البنت داخل الأسرة، قبل الصيام، قولهم: لماذا الصوم؟

لندخلهم بعمق هذه العبادة الجليلة وفلسفة تشريعها، لكن ببطئ ورفق ونصيحة، ولنفتح نافذة المعرفة على فوائد الصوم الروحية:

أولاً: تثبيت الإخلاص، الذي هو من أهم خواص العباد، حيث قالت الزهراء، عليها السلام، في

خطبتها: «الصوم تثبيت للإخلاص»، فجميع العبادات تشتمل على ظواهر وشكليات معينة سوى الصوم لأنه الامتناع الخالي من الرياء.

ثانياً: التذكير بالنعم: قال رسول الله، صلى الله عليه واله: «أيها الناس! من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازاً على الصراط يوم تزل فيه الأقدام».

ثالثاً: التذكير بمواقف الآخرة: قال، صلى الله عليه واله: «واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه»، فالصوم يركز الارتباط بين الجوع والعطش في الحياة الدنيا وبين ذلك الموقف الأخروي الذي، ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، (سورة الحج: 2).

وأخيراً نقول: إن الصوم يعمل على تهذيب الإنسان من الغرائز والنزعات، مثل؛ حب الذات والاستئثار والخوف، والميل نحو شهوة الطعام والشراب والجنس، لكي لا ينحرف عن الطريق المستقيم الذي رسمه الإسلام، فالصوم إذن؛ هو الرقابة الداخلية التي تنظم غرائز الإنسان.

ومن خلال هذا الطرح وتبسيطه، بالإمكان غرس المفاهيم والقيم النبيلة التي يحملها الصوم في نفوس الأبناء، ومن ثمّ تحفيزهم عبر منحهم جوائز لمن يستطيع أن يصمد أكثر ويقاوم الجوع والعطش الى أوقات أطول في النهار.

ومن هنا نقول:

يمكن للأسرة التحضير لشهر رمضان، وجعله شهراً وزماناً محبباً للنفس عبر بوابات واسعة منها:

1- تحضير جميع أفراد الأسرة لاستقبال هذا الشهر الفضيل، وذلك بحثّهم على مراجعة أعمالهم اليومية، وتصفية العادات السيئة وتبديلها بأخرى حسنة، طمعاً في الأجر المضاعف في هذا الشهر الفضيل، ويمكن ان يتم تحقيق ذلك من خلال مفكرة او اوراق ملونة نسجل عليها الحسنات والسيئات لهم وبأسلوب مشوّق.

2- الحثّ على أهميّة صلة الرحم وتقوية العلاقات الأسرية خلال هذا الشهر الكريم، وتصفية القلوب المليئة بالضغينة حتى يتم حلّ جميع الخلافات والمشاكل الأسرية والدخول في الشهر الفضيل بقلوب نظيفة صافية، والحديث لهم عن عمق أهمية التواصل وجعل المجتمع كالجسد الواحد يشدّ بعضه بعضا.

3- تشجيع الأبناء على الالتزام بالبرامج العبادية خلال ليالي الشهر الكريم، مثل؛ المداومة على الصلاة، أو توضيح أهميّة بعض العبادات، مثل قراءة الأدعية والتسبيحات والصدقة.

4- تعليم الطفل فن إدارة الوقت وذلك من خلال تنظيم يومه الرمضاني.

5- تحفيز الأبناء على اتّخاذ عادة جديدة حسنة كل شهر رمضان، والالتزام بها لما بعده، فيصبح الطفل قادراً على محاسبة نفسه بنفسه، وإعادة النظر في تصرّفاته، واستبدال السيّئ منها بأخرى جيّدة.

6- عقد مسابقات علميّة ثقافيّة دينيّة تساعد على تزويد الأبناء بالمعلومات الأساسية المهمة لبناء جيل مُثقّف عالم بالأحداث حوله، فاهم لتاريخه الإنساني، مُضطلع على إنجازات العلماء المسلمين على اختلاف العصور.

7- الثّناء على أي عمل حسن يصدر من الأبناء، والفخر به، وتشجيع إخوانه وأخواته للإقدام على عمل الخير، ومكافأته كنوع من التحفيز المعنويّ والماديّ.

وختاما بتعليمهم الدعاء والإكثار منه والطلب من الله التوفيق في القيام بالطاعات، مع تفقد الجيران والأقارب لتقديم العون المادي لهم مهما كان حجم هذه المساعدة.

مع شمول كل ذلك بالتعبير عن مظاهر الفرح بحلول هذا الشهر مثل الجلوس مع أفراد الأسرة والحديث معهم عن الصيام والسحور، وتطريز تلك الجلسات بنفحات ملكوتيه من احاديث كريمة تربط الابناء بالله وواسع أجره وإغاظة الشيطان الرجيم من مثل القول: بان الصوم يسوّد وجه الشيطان، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لأصحابه: «ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد عنكم الشيطان كما تباعد بين المشرق والمغرب، قالوا بلى قال: الصوم يسود وجهه والصدقة تكسر ظهره والحب في الله والمؤازرة في العمل الصالح يقطع دابره والاستغفار يقطع وتينه ولكل شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام»1.

وفي الحديث القدسي: «يا أحمد الصوم يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر»2.

كما ويمكننا تخفيف شدة الحر اللاهب من خلال احاديث تبرّد الكبد الحرى لأبنائنا وتصبّرهم على الأجر والثواب، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «الصوم في الحر جهاد». وقال الإمام الصادق، عليه السلام: «أفضل الجهاد الصوم في الحر»3.

وقال، عليه السلام: «من صام لله عز وجل يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ، وكل الله به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه، حتى إذا أفطر قال الله - عز وجل -: ما أطيب ريحك وروحك، ملائكتي اشهدوا أني قد غفرت له»4.

ولأنه من أعظم القربات عند الله - تعالى- لِما له من الأجر الكثير والذي لا يعلمهُ إلاّ الله سبحانه فلقد ورد: إن الله - تعالى- قال لموسى، عليه السلام: «إني آليتُ على نفسي أنه من عطّش نفسه لي أن أرويه يوم القيامة»

وقيل أنه مكتوب في التوراة: «طوبى لمن جوّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن عطّش نفسه ليوم الري الأكبر»، وروي أن عيسى، عليه السلام، نادى أمه مريم، عليها السلام، بعد وفاتها: يا أماه أتريدين أن ترجعي إلى الدنيا؟ قالت: نعم، ﻷصلي لله في ليلة شديدة البرد، وأصوم يومآ شديد الحر، يا بني إن الطريق مخوف..»5.

اللهم وفقنا للصيام بشهرك الفضيل وتقبله مِنّا بأحسن القبول

وأحسن لنا في ذرياتنا واجعلهم لنا قرة أعين... وآتنا ما وعدتنا على لسان رُسلك إنك لا تُخلف الميعاد.

-----------

1- الشيخ الصدوق/كتاب فضائل الأشهر الثلاثة/ ص 75.

2- مستدرك سفينة البحار.

3- مستدرك الوسائل/ ج٧/ ص٥٠٥/ ح١ و ح٢.

4- الكافي/ ج٤/ ص٦٤/ ح٨.

5- مستدرك الوسائل الشيعة / الشيخ المحدث النوري/ ج 6.


ارسل لصديق