انقطاع من الجذور وانسياق لعالم المحذور
كتبه: زهراء حكمت
حرر في: 2017/09/04
القراءات: 98

كثيرة هي اللحظات والساعات التي نشعر بها بالملل والضجر من كل شيء حولنا رغم تواتر وتوافد النعم الالهية علينا، ورغم أن غيرنا بحاجة ولو لدينار مما لدينا من مال، وللحظة مما لدينا من أمان، أو لكسرة مما لدينا من طعام وترف وبذخ، لكن الترف والدخول لعالم تنعدم فيه المسؤوليات الكبيرة أعمانا وشلّ تفكيرنا، وتستمر الحكاية...

مسمّرين أمام شاشات الهواتف الذكية التي جعلتنا نتّسم بالبلادة وقلّة التفكير وشرود الذهن، وأمام حاسباتنا؛ تارة لعمل، وتارة لضجر مقيت، وتارة للعب بلعبة ما نزرع ونحصد ونجمع بها ما يجعل أوقاتنا وأحلامنا هباءً منثورا.

هجرنا عوائلنا لسبب او لآخر لنعيش بين خيوط العنكبوت وفي ببيته الواهن، لأنهم لا يصلونا، أو لأن عندي مع بيت عمي عداوة! أو لأن عمتي قدمت لفلان هدية ولم تفعل الشيء نفسه لنا، أو لأني لا أحب القال والقيل، ووقعنا بما هو أنكى وأتعس وأظلم؛ عوالم مغلقة، لا تعرف منها إلا العناوين البراقة والصور المثيرة، تخفي خلفها الجنايات والمتاهات الكبيرة.

 

 مواقع «التواصل» ومخاطر انقطاع التواصل!

لقد أتاحت لنا عوالم النهضة الرقمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، الكثير من سمات عصرنة الوجدانيات، وطرحها بقوالب الكترونية متسارعة، مما أدى الى اتساع نطاق العلاقات الإنسانية وتشعبها على المستوى الكمي، ولكنه في نفس الوقت أدى الى استنزاف الكثير من مصادر طاقة التواصل وقواعدها لدينا، وضمور وانحسار الكثير من مشاعر وأحاسيس البشر على الصعيد الواقعي المعاش، حتى بتنا لا نطيق التخلّي عنها ولا لحظة واحدة.

أسرتنا بإشعاراتها المتواصلة، فأدمنا على وجودها بأيدينا وفي كل لحظة، حتى أولادنا ربما نجلس معهم ساعة خلال اليوم، ثم قلصناها لدقائق معدودة! أو نراهم بشكل خاطف وسريع، والكل تائه حائر! الى أين؟! ومتى سينتهي هذا الكابوس المزعج؟ ومتى سنرجع لحياتنا الجميلة بـ «اجتماع الأيدي على الطعام ببركة»، وبتواصل القلوب والعقول والوجوه معاً؟

ترانا هل سنعود؟ أم أن الحال سيتدهور لما هو أكثر، والهوة ستكون اكبر؟ والشرخ والصمت سيكون أدهى وأمّر. إن الكثير من «الفيسبوكيين» لا يكونون بنفس الحماس والتفاعل والتواصل الاجتماعي مع أسرهم وجيرانهم وأقاربهم ومحيطهم الخارجي، من أولئك الذين يعيشون التواصل الاجتماعي وجهاً لوجه بشكل حقيقي، حيث يكون لكل من السمع والبصر والفؤاد مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية. فمثلاً لم تعد تلك الجلسات العائلية وحلقات السمر الأسري، وسماع التوجيهات والنصائح، وهضم التجارب وأخذ العبرة، وتبادل القصص والحكايات، خاصة الانتباه الى الرجل الكبير، وتقاسيم وجهه، وطريقة تعبيره، وأسلوبه في الكلام، وأمور كثيرة كانت تشكل القاعدة الأساس لبناء الشخصية الرصينة، وإعدادها للدخول في معترك الحياة.

حقاً هنالك أسئلة متعددة، وإجاباتها بطبيعة الحال، تختلف من شخص إلى آخر بحسب وعيه، وثقافته، وإدراكه للأمور في ضرورة ترويض وجعل التواجد في هذه المواقع تواجداً بنّاء مثمراً، فهي دعوة صادقة لأن تكون تلك المواقع محطة من محطات العمر، نمر بها لمعرفة ما يدور حولنا من معارف وعلوم وثقافات وعادات وتقاليد، نأخذ الطيب منها، ونتحاور بالنافع والمفيد لنا ولمجتمعنا، ونبتعد عن كل ما يُسيء لهويتنا ومنظومتنا الاجتماعية والفكرية والعقائدية.

ومع كل ما ذكرنا من سلبيات هذه الحالة، لا نغفل عن الإيجابيات، إن من الارتقاء الفكري لكثرة ما نقرأ ونطّلع وحتى نكتب، أو إن كان من تسهيل وتيسير الانتفاع معلوماتياً بوجود هذه الوسائل التي تجعل العالم كقرية صغيرة ممكن ان نحقق فيها آمالنا وطموحاتنا وجمع الآخرين حولنا بالنشر الهادف الطيب الواعي الملتزم.

إن صفحتك الشخصية في الفيس بوك تعكس جانباً من شخصيتك، فكل كلمة تكتبها، وكل صورة تُشاركها أو تنشرها، تدل على توجهك الفكري والثقافي، كما تدل على مستواك العلمي والأخلاقي، فاحرص أن تكون مثل بائع الورد، يختار أجمل الورد، ليعبر عن أجمل ما عنده.

 

 «كُبي بست»!

هناك مسألة تبقى تحيرنا ونتعجب منها وهي مسالة «كُبي بست»، وبالعربي؛ نسخ ولصق، فربما أعجبنا منشور ما، أو خاطرة جاهزة، وهو امر طبيعي، ثم «إن الدال على الخير كفاعله»، ولكن؛ من المهم أولاً التأكد من صحة المنشور وصحة المصادر، ثم من أهداف النشر قبل المشاركة في نشرها.

ثم هنالك من يختم بالقول: «أرسلها لـ (10) مع عبارات التحفيز الشديدة، تربط بين الإيمان والإنسانية والأخلاق وبين المشاركة في النشر، او ضغط الإعجاب «لايك»، والى مالا نهاية مما نرى من النشر الذي لا طائل من ورائه إلاّ إضاعة الوقت والعبثية ونشر المعلومات المكذوبة والروايات المغلوطة.

فمن الممكن لكل إنسان بذل ولو القليل من الجهد بكتابة أمور نافعة بالاعتماد على مصادر موثوقة ونشر الامور الهادفة في صفحته ثم حذف الورود والمربعات والسمايلات، ويضع ذوقه وفكره ووعيه في البداية والنهاية، وتعديل الصور وعدم نشر العابث والمخل بالدين منها. تُرانا الى متى تنطلي علينا هذه الأكاذيب والحيل ونكون أداة طيّعة بيد غيرنا؟ ولماذا نخاف ونحن بطريق الحق والصدق وننهل من معين لا ينضب متمثل في سيرة ونهج المعصومين الأربعة عشر، والأولياء الصالحين، وهم مصدر القوة والرفعة؟

وهذا ليس بمعنى أن لا ينشر الجميع، ولا أن نكون جميعا مؤلفين وكتاب محترفين، إنما المطلوب مراجعة ما نطرحه بفكرنا وذوقنا مرة بعد أخرى، فلنا فرصة ذلك، ونلتفت لحجم المسؤولية الإعلامية التي نقوم بها خلال عملية النشر وتبادل الأفكار عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، والله المسدد والمضاعف والمؤيد لمن كان هدفه رفعة الإسلام ونشر الهدى والفضيلة.

 

 همسة في أذن الزوج والزوجة

الى الزوجة التي تخوض في مواقع التواصل مثل؛ الفيس او الانستغرام، وغيرهما، فعندما تنشرين شيئاً، ربما تجدين تعليقات مثل:

«انتِ رائعة»! أو «متألقة»! أو «ما أجملك»ّ! أو «فديتك» أو «ما أروعك»! وغيرها من الكلمات البراقة والمثيرة للمشاعر، ثم تلتفتين الى زوجك المسكين المتهالك من الكد والعناء، مضطجعاً على فراشه، وقد أتعبته الحياة ليوفر لقمة العيش.

هنا تقفز المقارنة لدى البعض بين واقعها الذي تعيشه مع زوجها الذي قد لا تسمع منه كلمة طيبة، وبين هذه المدائح، فتثور وتتمرد على زوجها وقد أدت هذه الحالة الى انهيار الكثير من الأسر، حتى وصلت الى الطلاق. ولذا؛ أختي الزوجة: لا تغرنّك هذه الألفاظ، فان عالم التواصل الاجتماعي، عالم افتراضي ومثالي ومعظم رجاله مثل زوجك، إن لم يكونوا أسوأ حالاً، فحافظي على بيتك وأسرتك وأطفالك، ولا تجعلي من عالم التواصل، سببا لدمارك ودمار أسرتك وأطفالك. وأنت أيها الزوج، أجعل ولو قليلاً من الوقت لتجلس فيه مع زوجتك وتطيّب خاطرها بكلام جميل.

وتذكري أيتها المرأة دائماً؛ أن عباءتك ليست حصانة كافية لأن تتحدثي كيفما تشائين مع الرجال، فيجب أن يرافق حجابك الظاهري، حجابٌ معنويٌّ، وهكذا يتم معنى الحصانة.


ارسل لصديق